تكالة يحتفظ برئاسة مجلس الدولة والاحتجاجات تفرض تحديات جديدة على المشهد السياسي


طرابلس – «القدس العربي»: أعاد انتخاب محمد تكالة رئيسًا للمجلس الأعلى للدولة رسم ملامح المشهد السياسي الليبي في توقيت يتسم بتصاعد الاحتجاجات الشعبية وتزايد الضغوط على مؤسسات السلطة، في وقت تتواصل فيه المساعي المحلية والدولية لدفع العملية السياسية نحو تسوية تقود إلى الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية.
وأسفرت انتخابات رئاسة المجلس الأعلى للدولة، التي جرت الأربعاء، عن فوز تكالة بعد حصوله على 80 صوتًا في جولة الإعادة مقابل 56 صوتًا لمنافسه بلقاسم قزيط، من أصل 136 عضوًا شاركوا في التصويت، إضافة إلى ورقتين بيضاوين، فيما امتنع عضو واحد عن التصويت.
وكانت الجولة الأولى قد شهدت تصدر تكالة بـ62 صوتًا، تلاه قزيط بـ34 صوتًا، ثم صلاح ميتو بـ25 صوتًا، وعبد الرحمن السويحلي بـ12 صوتًا، ومصطفى التريكي بأربعة أصوات، قبل أن تحسم جولة الإعادة النتيجة لصالح تكالة الذي يحتفظ برئاسة المجلس لولاية جديدة.
وسارع رئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إلى تهنئة تكالة، في رسائل ركزت على أهمية استمرار العمل المؤسسي والتوافق بين مؤسسات الدولة، مع التأكيد على ضرورة استكمال المسار المؤدي إلى الانتخابات وإنهاء المرحلة الانتقالية.
وتأتي هذه الانتخابات في وقت يشهد فيه المجلس الأعلى للدولة حالة من إعادة ترتيب التوازنات الداخلية بعد سنوات من الخلافات حول شرعية رئاسته، وهو ما انعكس في المنافسة التي شهدتها الجولات الانتخابية الأخيرة، بينما ينظر إلى حسم ملف الرئاسة باعتباره خطوة قد تسهم في استقرار أداء المجلس خلال المرحلة المقبلة، خصوصًا مع الملفات السياسية والدستورية المطروحة على جدول الأعمال.
وتكتسب نتائج الانتخابات أهمية إضافية بالنظر إلى الدور الذي يؤديه المجلس الأعلى للدولة في عدد من الملفات السياسية، وفي مقدمتها التفاهمات المتعلقة بالعملية الانتخابية، والتشاور مع مجلس النواب بشأن القوانين والمسارات الدستورية، فضلًا عن ارتباطه بالمناقشات الجارية حول إعادة تشكيل بعض المؤسسات السيادية واستكمال الترتيبات السياسية.
ويأتي انتخاب تكالة أيضًا في ظل استمرار اجتماعات لجنة «6+6» سابقًا، ثم لجنة «4+4»، التي تبحث ملفات مرتبطة بالعملية الانتخابية، من بينها معالجة الخلافات المتعلقة بمفوضية الانتخابات وآليات التوافق على المناصب المرتبطة بها، وهي ملفات ما زالت تمثل أحد أبرز التحديات أمام أي تقدم سياسي.
في المقابل، تتزامن هذه التطورات السياسية مع تصاعد حالة الاحتقان الشعبي في غرب ليبيا، حيث تتواصل الاحتجاجات التي اندلعت على خلفية الانقطاع الطويل للتيار الكهربائي وتدهور الخدمات الأساسية، قبل أن تتوسع مطالبها لتشمل الدعوة إلى تغييرات سياسية وإجراء إصلاحات أوسع داخل مؤسسات الدولة.
وشهدت الأيام الماضية استمرار إغلاق عدد من المؤسسات العامة والمنشآت الحكومية في العاصمة طرابلس ومناطق أخرى، بالتزامن مع دعوات إلى مواصلة التحركات الاحتجاجية والعصيان المدني، في ظل استمرار أزمة الكهرباء التي تجاوزت في بعض المناطق أكثر من 15 ساعة قطع يوميًا، بينما امتدت الانقطاعات في مناطق أخرى إلى أكثر من 24 ساعة، الأمر الذي انعكس على خدمات المياه وتوافر الوقود وارتفاع تكاليف المعيشة.
وترافق ذلك مع تحذيرات من أن استمرار الأزمة دون حلول عملية قد يؤدي إلى اتساع رقعة الاحتجاجات، خاصة مع انتقال المطالب من الجانب الخدمي إلى المطالبة بإحداث تغييرات سياسية، وهو ما يعكس اتساع فجوة الثقة بين المواطنين والمؤسسات الرسمية.
ويرى متابعون للشأن الليبي أن الاحتجاجات الحالية لم تعد مرتبطة فقط بأزمة الكهرباء، بل أصبحت تعبر عن تراكم أزمات اقتصادية وخدمية وإدارية امتدت لسنوات، وأن استمرارها قد يزيد الضغوط على مختلف الأجسام السياسية، بما فيها المجلس الأعلى للدولة، لدفعها نحو تقديم حلول عملية تتجاوز إدارة الأزمات اليومية.
كما يشير مراقبون إلى أن تجديد رئاسة المجلس الأعلى للدولة قد يمنح المؤسسة فرصة لإعادة ترتيب أولوياتها والانخراط بصورة أكثر فاعلية في الملفات السياسية المطروحة، إلا أن نجاح ذلك سيظل مرتبطًا بقدرة مختلف الأطراف على تجاوز الانقسامات والتوصل إلى تفاهمات أوسع مع مجلس النواب وبقية المؤسسات المعنية.
وفي موازاة ذلك، تتواصل أيضًا الاحتجاجات القطاعية، إذ أعلنت النقابة العامة لموظفي العدل والهيئات القضائية استمرار اعتصامها حتى التنفيذ الفوري لقانون زيادة المرتبات، رافضة قرار حكومة الوحدة الوطنية تشكيل لجنة لدراسة آلية التنفيذ، ومؤكدة تعليق العمل في المحاكم والنيابات والهيئات القضائية إلى حين الاستجابة لمطالبها.
ويعكس هذا التحرك، بحسب متابعين، اتساع دائرة المطالب الاجتماعية والوظيفية بالتوازي مع الاحتجاجات الشعبية، بما يزيد من حجم الضغوط الواقعة على الحكومة في وقت تواجه فيه تحديات مرتبطة بالخدمات العامة والأوضاع الاقتصادية، فضلًا عن استمرار التجاذبات السياسية.
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة ستختبر قدرة المؤسسات الليبية على استثمار الاستقرار النسبي داخل المجلس الأعلى للدولة في تحريك الملفات السياسية، خصوصًا تلك المتعلقة بالانتخابات والتوافقات الدستورية، بالتوازي مع ضرورة التعامل السريع مع الأزمات المعيشية التي باتت تشكل المحرك الرئيس للاحتجاجات.
وبينما يمثل انتخاب تكالة تطورًا مهمًا داخل أحد أبرز الأجسام السياسية في البلاد، فإن تأثيره العملي سيظل مرهونًا بمدى انعكاسه على مسار التوافقات الوطنية، وقدرة الأطراف السياسية على ترجمة الدعوات إلى الاستقرار والانتخابات إلى خطوات تنفيذية، في وقت يواجه فيه الشارع الليبي أزمات خدمية ومعيشية متفاقمة، تجعل أي تأخير في المعالجة مرشحًا لإبقاء الاحتجاجات مفتوحة على مزيد من التصعيد.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *