تلعب «برتا» في مسرحية الوحش بفيض من الحب وترى الثقافة عدالة وإنسانية
بيروت ـ «القدس العربي»: ممثلة من طينة خاصة. يبحث عنها المخرجون لتجسيد الأدوار المركبة، نظراً لمؤهلاتها الكبيرة، وصدقها المُطلق في أداء الدور. كارول عبود سيدة مسرح بامتياز، واختياراتها في السينما تبقى حاضرة في الذاكرة. فهي ممثلة تعيش الدور المسند إليها بكل جوارحها. تُجسد شخصيات تنطق حتى وإن صمتت مؤديتها، أو توقفت عن الحركة.
من يراقبها في عروض مسرحية «الوحش» في مسرح مونو يُدرك مدى تفاعلها مع الشخصيات التي تحمل بعداً إنسانياً وعاطفياً. والشخصيات التي تطلق عليها تعريف المتشظية كما «برتا». تلك الشخصية الحاملة للكثير من الانكسارات والكثير من الرغبة بالأمان والحب والخلاص الوحدة. وضع المخرج جاك مارون في مسرحية «الوحش» كل من برتا «كارول عبود» وداني «دوري سمراني» في قالب ليس ببعيد عن حياتنا. وجدنا فيهما نسخة عن بشر كثر نعرفهم في الحياة. بشر يتوقون للخروج من شرنقة ضيقة وموجعة وجدو ذاتهم فيها مرغمين.
كارول عبود تلعب «برتا» بحب وأعطتها الكثير من ذاتها.
معها هذا الحوار:
○ هل خطر لك بعد هذه السنوات العودة للعب شخصية «برتا» في مسرحية الوحش؟
• يحتفظ الممثل بداخله بنثرات من شخصيات لعبها ولا تغادره. فما بالك إذا كانت شخصية شديدة التكثيف، وشديدة العنف كشخصية برتا؟ لدى إعداد المسرحية ومن ثمّ تقديمها سنة 2019 وضعت في «برتا» الكثير من الأحاسيس والحب. ولم يكتب للمسرحية آنذاك ان تخرج من المحترف الخاص بالمخرج حيث قدمنا ما يقارب الخمسين عرضاً، إلى فضاء أكبر. الآن، وبعد سبع سنوات، نعرض في مسرح كبير وفي زمن مختلف، فقد مرّ الكثير على لبنان والمنطقة منذ 2019.
○ مع التسليم باختلاف الزمن نسألك عن الاختلاف بين عروض الغرفة كما في محترف الممثلين ومسرح مونو الكبير؟
• الاختلاف كبير ويتوزع بين الإيجابي والسلبي وسأذكرهما. أعرب المخرج جاك مارون عن رغبته منذ إطلاق الوحش في محترف الممثلين بعرضها في مسرح كبير. العرض في مسرح مونو يعني الوصول إلى جمهور واسع يقصد المسرح كفعل اجتماعي. ففي الجانب السلبي ومع عرض مسرحي يفيض بالمشاهد الإنسانية، ويعالج موضوعاً شائكاً، أو دقيقاً، فقد يواجه الممثل في المسرح الكبير مخاطر محتملة، إن لم يكن المتفرج متلقياً وبحب لكل جملة ترد في المسرحية. إذاً يكمن الاختلاف في الجمهور. فمن قصد مسرح جاك مارون في الأشرفية جذبته حميمية المكان وموضوع العرض. وهو بالطبع مختلف عن جمهور أي مسرح آخر واسع. بكل الحالات المسرح الواسع كسب وسيكسب المزيد من المتفرجين الجدد، وهذا لا يلغي مخاطر منتظرة لدى معالجة المسرحيات لعناوين وتفاصيل بعينها.
○ وهل تتابعين ردود الفعل على وسائل التواصل؟
• وهي لافتة جداً. والدتي وشقيقتي شاهدتاني لأول مرة في مسرح مونو، فلم يتسن لهن الحضور إلى محترف الممثلين. قالت لي شقيقتي واصلت التفكير بهذا العرض لليوم التالي لشدة ما هو مشحون وقوي.
○ هل قابلت قرار بدء التمارين تحضيراً لعروض مونو بأعصاب باردة؟
• أكيد لا. مررنا وما نزال في سنوات سبع من أصعب ما يكون، وواقعنا يزداد صعوبة. لهذا أجد في المسرح المكان الوحيد الذي ينسيني نسبياً حالنا الصعب. قرر جاك مارون بأن نسير بالتمارين رغم ما يحصل لأن المسرح فرصة لنا للتواصل مع الآخر وبإسم الإنسانية، بعد أن تمّ اجتثاثها على نطاق واسع.
○ مرّات متعددة شاهدت الوحش بين محترف الممثلين ومونو وفي كل مرة أجد لدى برتا وداني جديداً ومزيداً من الشحن الداخلي. ما السبب برأيك؟
• السبب المباشر هو سحر المسرح الذي يتجدد مع كل مشاهدة. في الجانب الحرفي أظن بأن الممثل يبدأ بتلمُس حال الجمهور بالتدريج بدءاً من عرض الافتتاح إلى العروض التالية. كممثلين نحتاج لاختبار الجمهور، واختبار ذاتنا في الوقت عينه. والاختبار المهم يكمن في الـ»بلات فورم» الذي اقترب جداً من الجمهور، والوقوف على وضعية التلقي مع هذه الفكرة الجديدة. ومع كل عرض جديد يكتسب الممثل قوة في تجسيد الشخصية المسندة له، ويوماً بعد يوم تتغلغل الشخصية فيه. أما التغيير الذي لمسته كمتفرجة بين عرض وآخر حقيقي، فالعروض لا تتشابه مُطلقاً، ولن يكون الممثل هو ذاته بين الأمس واليوم. تختلف مشاعره ومزاجه من لحظة خروجه من بيته وصولاً إلى المسرح، وكذلك يتبدّل الجمهور. إنها حلاوة المسرح، فليس لنا تعليبه وإخراجه كما هو لحظة نشاء. هو ليس فيلماً سينمائياً، بل هو حياة وإحساس، أي هو حي، وكل حي متغير.
○ بعد كل عرض للوحش كم تبقى برتا ساكنة في مفاصلك؟
• في سلوكيات ما بعد العروض المسرحية حيث تكون طاقة الممثلين في أعلى درجاتها نتيجة ارتفاع نسبة هورمون الإدرينالين، يخرجون للقاء الناس وربما للنقاش عن العرض. أنا شخصياً يستغرقني أكثر من ساعتين من الوقت لأتمكن من الاسترخاء الجسدي، وتالياً الركون إلى الوسادة. هذا طبعاً بعد الاطمئنان بأن العرض كان جميلا ووصل إلى الناس.
○ وما هو جوابك لمن وصف برتا بالوحش وليس داني؟
• وهل يكفي أن تضرب برتا كفين لداني لتصبح وحشاً؟ غير صحيح. برتا وداني شخصيتان متشظيتان، لفظهما المجتمع وحشرهما في الزاوية. هناك جملة في العرض تعنيني شخصياً وقد اخترتها من بين الجمل التي اقترحتها المترجمة ارزة خضر، عندما برتا تخبر داني عن شظايا القذائف التي كانت تجمعها عندما كانت صغيرة. نحن جيل حرب، وكلمة شظايا أو قذائف هي من صلب قاموسنا.
○ ما هو الدرس الذي تعلمته من الوحش على الصعيد الإنساني؟
• تأكدت بأن المسرح لا يكون بدون حب. على سبيل المثال، يطلب المسرح من الصبايا اللواتي يغيرن الديكور أن يكنّ مؤمنات بالمسرح وبالمسرحية التي نقدّمها. فهن لسن عاملات تقنيات لتغيير الديكور، بل هنّ جزء من العرض. لا مسرح يقف على رجليه من دون حب يجمع كافة من يصنعه.
○ وهو الحب الذي روّض الوحش؟
• صحيح، ومكّنه من الحلُم. الحب شكّل لحظة تغيير حقيقية في حياة برتا وداني. لحظة الحب هذه شكّلت معجزة في العرض. نعم معجزة حقيقية أن تسقط دمعة من عين رجل يعتقد أنه قتل رجلاً قبل قليل. وجهه مشوه، والدم يتسرّب من يده، ويقول لإمرأة «إذا قررنا فينا».
○ ما هو أصعب مشهد؟
• إنه الفصل الثالث من العرض، وفيه تتمتع برتا بكامل وعيها وراحتها النفسية، خالية من تأثير الكحول، وأعصابها في غاية الراحة بعد نوم عميق، كما وليست تحت تأثير الحب أو الجنس. هي بكامل وعيها وفي ضوء النهار. ولهذا تسأل داني «كيف لقيتني ع ضو؟» جملة تثير ضحك الصالة، لكنها محطة أساسية في العرض. قد تخشى برتا آثار العمر على وجهها، أو قد تظهر إنسانة عادية بعد ليلة طغى عليها الحلم.
○ إن كان للمخرج تفسيره في مسببات أنسنة الوحش فما هو التفسير بالنسبة لك لمسرحية اُلبست الحنان بين عروض سنة 2019 والآن؟
• أظن بأن المخرج لمس حاجة الناس للدفء في هذه المرحلة الصعبة، وأن كلٍ منا يحتاج للآخر. رغب باستبدال بعض من العنف الموجود لدى الشخصيتين بالحنان. وترك هذا الدفء يتحوّل إلى حلُم رومانسي في المشهد الثاني من العرض. كثيرون باتوا راغبين بليلة في حانة تشعرهم بالعودة للإنسانية. إنه رابط إنساني أقامه المخرج مع الجمهور، بعد أن أصبحنا كائنات تعيش وحدة تزداد عمقاً يوماً بعد يوم. وكلما زاد حضور وسائل التواصل بين الناس كلما زادت العزلة عمقاً. بفعل وسائل التواصل سيصبح كل منا كائناً وحيداً. وتناقص عدد الناس في حياتنا مستمر، إما لسبب إنساني، أو لسبب سياسي. كشفت وسائل التواصل مدى انغماس الناس في المادة بعيداً عن القيم الإنسانية والأخلاقية والفكرية.
○ كارول الفنانة والإنسانة المرهفة الاحساس والحاملة حكماً لقيم العدالة الإنسانية، ما هو العامل المباشر الذي يقول لك بإسقاط هذا أو ذاك من حياتك؟
• لن يكون الإسقاط لسبب عابر. بل تفضي إليه مواقف وتحليلات تجاه قضايا كبرى سواء في لبنان أو المنطقة بشكل عام. انتظر من الآخرين التمسك بذرة من إنسانيتهم، وأن يتحصنوا بذرة من الوعي السياسي. الجهل يتمدد وهو الوحش الذي يفترس إنسانية بعضنا. هل من الصواب أن يتغافل بعض الناس عن التاريخ والجغرافيا ويطلقون مواقف لا صلة لها بالماضي والحاضر؟ هل يُعقل أن يضع الإنسان ذاك القفص على وجهه ويحدد مدى رؤيته بخط مستقيم يسلكه؟
○ تشهد مهرجانات الفن بمختلف أنواعه ومنها بينالي البندقية تظاهرات مُنطلقها إنساني، قيمي وأخلاقي تدعو لمنع الكيان الصهيوني من المشاركة. ما هو الأثر الذي تتركه تلك التظاهرات برأيك؟
• لا شك سيكون لها أثر. في ظل غسل الدماغ الذي يجتاح العالم عبر آلة دعائية تمتلك امكانات كبرى للوصول. غسل الدماغ الثقافي والمعرفي والإعلامي وعبر مختلف الوسائل الحديثة. أريد للشعوب ان لا تهتم لما يحصل خارج مساحاتها الفردية. فكيف لها أن تهتم بما يعيشه شرقنا؟ وكيف لها أن تفرّق بين المعتدي والمُعتدى عليه؟
○ هل للثقافة والفن أن تخلو من الإنسانية والعدالة؟
• وتلك يُشبّه لها بأنها ثقافة. لا إلفة لي مع تعبير ثقافة بحد ذاته، وذاك الذي يقرأ أو تقرأ الكتب. نحتاج للوعي. والأعمال الفنية غير المعنية بالقيم الإنسانية والأخلاقية تبقى في دائرة الشك.
○ وهل للفن أن يُجهّل الفاعل؟
• مطلقاً. وإن كانت البوصلة الحالية في واقع خلل، فالتاريخ لا يرحم. على أمل بهذا التاريخ بأنه لن يرحم.
○ أين مكانة الدراما والتلفزيون في حياتك كممثلة؟ وما هي معايير الاختيار؟
• بات له مكان، وبتُّ معه على موعد سنوي شبه ثابت في شهر رمضان. معيار الاختيار للدراما التلفزيونية يختلف كلياً عن المسرح. في التلفزيون الإنتاج هو نقطة الارتكاز، بين أن يكون سخياً أو مفصلاً على مقاس ضيق. ولا أقصد بالسخاء التبذير، بل ما يتيح نصاً ومخرجاً وممثلين على درجة رفيعة ويؤدي إلى النتيجة المرجوة. نتيجة مماثلة لما تعرضه نتفليكس والعالم أجمع. شروط المبارزة صعبة حتى في الإطار العربي. منصة شاهد تبحث عن الجودة والأعمال المقنعة المتكاملة. وكذلك الأمر بالنسبة للشاشات العربية. لقد ارتفع مستوى التقنيات المطلوبة.
○ وهل وصلت الدراما اللبنانية إلى هذا القدر من التقنية؟
• بالتأكيد، وتُعرض على منصات عالمية، وبعضها شاركت بتمثيله كما مسلسل «للموت»، المتميز بإنتاج سخي، وشاركت فيه أسماء معروفة إلى جانب إخراج جميل. أحبّ المشاهدون هذا المسلسل واشترته نتفليكس. بات لي مشاهدين في الصين يعرفون شكلي وهويتي اللبنانية.
○ آخر حضور مميز لك في السينما كان في فيلم «بركة العروس»؟
• صحيح. تزامن تصويره يوم بدء ما سمي بالثورة سنة 2019، وعُرض سنة 2022 في مهرجان القاهرة السينمائي حيث نلت جائزة أفضل ممثلة. وهي جائزة اعتزّ بها. ونال الفيلم جائزة لجنة التحكيم الخاصة. السينما في لبنان الآن في حال تريث وتهيب.
○ هل تحبين الجوائز؟
• ومن لا يحبها؟ إنها اعتراف بالعمل الجميل.
○ كإنسانة وفنانة تعتزين بالمحبين الذين يحيطون بحياتك. فماذا عنهم؟
• صحيح. كل من يتابعني يحبني وهم كثر. حتى الأدوار الشريرة تجد قبولاً وحباً، الحمد لله. المتغير والمستجد أن الناس باتت تُعبّر من حبها من خلال وسائل التواصل. تفاعل الجمهور عبر وسائل التواصل مفرح. الناس هم الحكم بغياب المعايير والنقد المحترف.