رومانسية النجمة الأيرلندية جيسي باكلي في مأساة شكسبير


لا يزال الكاتب الإنكليزي الأشهر وليام شكسبير مُلهماً بإبداعات جديدة تخرج عن حيز الفن المسرحي الذي خلد اسمه فصار رمزاً للثقافة الرفيعة، وعنواناً لجُل الأسئلة الوجودية الحائرة الباحثة عن أجوبة.
في طرح هو الأحدث، استلهمت الكاتبة الأيرلندية ماجي أوفاريل أحداث روايتها المهمة «هامنت» من عالم شكسبير المسرحي، فكان التركيز في الرواية البديعة على مأساة الفقد التي مُني بها الكاتب الكبير إثر فقدانه ابنه هاملت، ولأن الأم كانت هي جوهر المأساة الحقيقية، حيث جاءت إصابتها في ابنها أكثر إيلاماً ولوعة، فقد جعلت كاتبة الرواية آلامها وأحزانها محوراً للأحداث، فجمعت بين ما أبدعه شكسبير الأب عن ذات المأساة في مسرحيته المعروفة «هاملت» وبين أصداء العمل المسرحي الكبير عند الأم الثكلى.
ومن خلال توليفة ذكية تداخلت فيها الخيوط الدرامية الروائية، مع الخلفية المسرحية للمأساة التاريخية التي وثقها وليم شكسبير، صُنعت تفاصيل فيلم «هامنت» للمخرج الأيرلندي كلوي تشاو والذي أضافت له المؤلفة أبعاداً مُختلفة، مع مُلاحظة تغيير عنوان المسرحية الأصلية من هاملت إلى هامنت، وكلا الاسمين للبطل الصغير الذي مات إثر إصابته بمرض الطاعون وهو لا يزال طفلاً في عمر الزهور.
الحدث الأقوى في حياة الكاتب المسرحي الكبير لم يدعه يمر مروراً عادياً كحادث عابر، وإنما صنع منه أسطورة تاريخية ألهمت كُتاب العالم كله بإبداعات كثيرة موازية، حيث اللغز الذي حاول شكسبير حله طوال حياته، كان جديراً من وجهة نظرهم بالبحث والتقصي والاستفسار عن السر الذي لم يتوصل الإنسان إليه برغم التقدم العلمي الهائل الذي تحقق عبر السنوات والأزمنة الطويلة، كونه ما زال مُرتبطاً بقُدرة الخالق وحده وسيظل إلى أن تقوم الساعة وهذا هو الإعجاز بعينه.
لقد لخص الفيلم المأخوذ عن رواية هامنت للكاتبة ماجي أوفاريل، مفهوم الحياة عند شكسبير، وسر الموت الذي تتوقف أمامه كل المحاولات والحيل، فلا يستطيع كائناً من كان مهما بلغت ثقافته وعلمه أن يوجد له تفسيراً مادياً أو معنى مُحددا، غير أنه قرار إلهي وإرادة لا قبل للإنسان بتحديد موعدها أو ميقاتها أو التدخل فيها.. هكذا جاء التعريف الضمني للموت داخل سياق الفيلم برغم بذل أقصى ما في الوسع من جانب المؤلفة والمخرج وكل صُناع العمل لفلسفة الفقد كقدر محتوم لا مناص منه.
تبدو القصة في هذا الطرح الشكسبيري الجديد مقصورة بشكل أكبر على مأساة الأم، حيث نجح المخرج كلوي تشاو في تسليط الضوء بقوة على مشاعر البطلة الأيرلندية جيسي باكلي أو «جينيس» ذات السادسة والثلاثين عاماً، وهي مُمثلة ومُغنية تمتلك مشاعر شديدة الحساسية والرهافة، مكنتها من تجسيد دورها بإمكانية مُنقطعة النظير، ليس على مستوى الانفعال الخارجي للشخصية بفداحة الموت، وإنما بمستوى داخلي عميق ودال على ثقل الموهبة وتغلغلها.
كذلك لم يكن البطل الذي لعب دور شكسبير بول ميسكال أقل موهبة وكفاءة من نظيرته، فالاثنان تباريا في الأداء وأخرج كل منهما أقوى ما لديه من صدق المشاعر وقُدرات التقمص الكامنة، فجاء أداؤهما تلقائياً وطبيعياً للغاية، مُستفيدين في ذلك من مستويات الكتابة الروائية المُركبة التي بفضلها تجسدت حياة الأبطال وازدادت عمقاً على عُمقها الأصلي.
وما يُمكن التوقف عنده طويلاً هو وصف الرواية بأنها رومانسية تاريخية، وللحقيقة فإن التوصيف اللائق بالأحداث والأجواء هو أنها تاريخية مأساوية مؤلمة بامتياز، فالبُعد الرومانسي لم يُمثل سوى خيط رفيع، انقطع سريعاً بموت الابن هاملت فتحول الحُب الرومانسي إلى لعنة أحاطت بحياة الزوجين بعد أن صارت أيامهما ولياليهما كابوساً وافتقدا السعادة التي كانت تغمرهما.
ولعل الجزء الأخير من الفيلم الذي مزج فيه المخرج بين الرؤية المسرحية لشكسبير والرؤية السينمائية، كان معنياً بتوثيق الحالة الكابوسية المأسوية، فالأم ظلت إلى آخر لحظة تتخيل عودة ابنها المفقود على المسرح وهو يُحييها بابتسامة بريئة، ثم يذوب في غياهب العدم، أما وليام شكسبير نفسه مُبدع القصة وأبو الطفل، فقد بات يوهم نفسه وجمهور المُحيطين به على خشبة المسرح بأن ابنه لم يمت، بل سافر بعيداً وعما قريب سينتظره إلى أن يلتقيا.
إنها قمة الحكمة في فلسفة الغياب الأبدي ومحاولة إراحة النفس وطمأنة القلب بأن الموت ليس هو نهاية المطاف.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *