الرباط «القدس العربي»: ركّز عشرات المسؤولين الحكوميين والخبراء الاقتصاديين الذين شاركوا، السبت، في منتدى عالمي بمدينة طنجة المغربية، على البحث عن أجوبة لإشكال جوهري، يتمثل في كيفية بناء اقتصاد عالمي أكثر إنسانية، يقوم على الثقة والأخلاق وحوار الحضارات.
وأكد المشاركون في المنتدى الذي حمل اسم»ELI Morocco 2026» أن قيم الاحترام المتبادل والتفاهم الثقافي ضرورية لضمان استدامة الشراكات الدولية وتحقيق التنمية المشتركة، مشددين على أن «الحوار هو وحده الكفيل ببناء المستقبل».
كما سعى المنتدى الذي انصبّ على موضوع «رؤية المغرب 2030 وآفاق الفرص في إفريقيا»، إلى ترسيخ موقع هذا البلد الواقع شمال القارة الإفريقية كجسر للتواصل والتعاون بين القارات.
ويحث المشاركون الذين يمثّلون هيئات اقتصادية وسياسية مغربية ودولية، الفرص الاستثمارية التي تتيحها الرباط، كبوابة اقتصادية بين إفريقيا وأوروبا، في مختلف القطاعات الاقتصادية، آخذًا بعين الاعتبار التطورات التي تشهدها البلاد على مستوى البنيات التحتية والطاقات المتجددة واللوجستيك والصناعة والسياحة. كما شدد المتحدثون على ضرورة اعتماد منصة عملية لإطلاق مشاريع وشراكات اقتصادية جديدة، وتعزيز التواصل بين الفاعلين الاقتصاديين من مختلف الدول المشاركة.
وتناولت عدة مداخلات الانعكاسات الاقتصادية والاستثمارية التي يتيحها تنظيم كأس العالم لكرة القدم عام 2030، بتنظيم مشترك بين المغرب وإسبانيا والبرتغال، مبرزة الأثر المتوقع لهذا الحدث على مختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، وكذا الفرص المرتبطة بهذه الدينامية لتطوير البنى التحتية وتعزيز الجاذبية الاستثمارية للمغرب وتوسيع إشعاعه الدولي.
«رؤية المغرب 2030 وآفاق الفرص في افريقيا»
وتمحورت جلسة أخرى حول سبل توظيف الذكاء الاصطناعي في آليات التمويل العمومي الدولي، إذ ناقش المشاركون إمكانات استخدام التقنيات الذكية في تسهيل الوصول إلى مصادر التمويل والمنح العالمية وتحسين نجاعة إدارة مشاريع التنمية. واعتبر متحدثون في المائدة المستديرة أن الذكاء الاصطناعي صار عاملاً أساسياً في تطوير آليات التخطيط والتمويل ومواكبة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
وسلّط وزير التجهيز والماء المغربي، نزار بركة، الضوء على الوُرَش الكبرى للبنيات التحتية التي أطلقها المغرب منذ أكثر من ربع قرن، والتي شهدت تسارعاً ملحوظاً في وتيرة الاستثمار العمومي خلال السنوات الأخيرة. وأوضح أن حجم الاستثمار العمومي في المغرب انتقل من 240 مليار درهم مغربي (حوالي 26 مليار دولار أمريكي) سنة 2022 إلى 380 مليار درهم حاليًا (حوالي 41 مليار دولار)، وذلك رغم تداعيات الأزمة في أوكرانيا وآثار الجفاف والقيود الاقتصادية الدولية المختلفة.
وأشار إلى أن هذا الاختيار الاستراتيجي يندرج ضمن الرؤية التي يقودها العاهل المغربي محمد السادس، والتي تعتبر البنيات التحتية رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية وركيزة لتموقع المغرب كقوة إقليمية.
وفيما يتعلق بمحاور هذه السياسة، توقّف الوزير عند الاستراتيجية المائية الجديدة المعتمدة في مواجهة سبع سنوات متتالية من الجفاف، والتي ترتكز على مزيج مائي يجمع بين السدود وتحلية مياه البحر وإعادة استعمال المياه العادمة والربط بين الأحواض المائية. وفي مجال الموانئ، أكد نزار بركة أن المغرب يرسّخ موقعه كمنصة استراتيجية في حوضي المتوسط والأطلسي. وذكّر، في هذا الإطار، بالأداء الذي يحققه ميناء طنجة المتوسط، باعتباره أول ميناء في إفريقيا وحوض البحر الأبيض المتوسط، بعدما بلغ حجم رواجه 11 مليون حاوية، واحتل المرتبة الخامسة عالمياً. كما أشار إلى إطلاق ميناء الناظور غرب المتوسط بطاقة أولية تصل إلى 5,5 ملايين حاوية.
أما على الواجهة الأطلسية، فتطرّق الوزير المغربي إلى مشروع ميناء «الداخلة الأطلسي» الذي بلغت نسبة إنجازه 72 في المئة، ويُرتقب دخوله الخدمة سنة 2028، في إطار «المبادرة الملكية الأطلسية» الهادفة إلى تعزيز الاندماج الإقليمي وتيسير ولوج بلدان الساحل الإفريقي إلى المحيط الأطلسي. وأوضح أن هذا المشروع يتضمن أيضًا منطقة صناعية ولوجستية كبرى، إضافة إلى آفاق مرتبطة بمشروع «أنبوب الغاز نيجيريا ـ المغرب» وتطوير «الهيدروجين الأخضر»، بما يعزز موقع المغرب كفاعل رئيسي في الانتقال الطاقي. وتوقّع الوزير المغربي أن تسهم هذه البنيات التحتية في تقوية سلاسل القيمة الدولية ودعم الصادرات المغربية، خاصة نحو الأسواق الإفريقية والأوروبية.
واختتم المنتدى الدولي أعماله بجلسة حملت عنوان «بناء الثقة»، خُصّصت لبحث دور حوار الحضارات في تعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول والشعوب، حيث جرى التشديد على أن الاقتصاد العالمي في حاجة إلى ترسيخ قيم الثقة والاحترام والمتبادل والتفاهم الثقافي، باعتبارها شروطًا ضرورية لضمان استدامة الشراكات الدولية وتحقيق التنمية المشتركة.
وكان نبيل بركة، رئيس منتدى «ELI Morocco 2026»، ألقى خلال جلسة الافتتاح كلمة أكّد فيها أهمية بناء جسور جديدة للتعاون بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط والفضاء الأطلسي، مشددًا على أن المغرب أصبح مؤهّلاً للقيام بدور محوري في تعزيز الشراكات الاقتصادية والحضارية بين هذه الفضاءات.