الخرطوم – “القدس العربي”: تتسارع وتيرة الحراك السياسي في السودان مع اقتراب اجتماعات مرتقبة للقوى السياسية والمدنية مطلع يوليو/ تموز المقبل، في وقت تتكثف فيه المبادرات الإقليمية والدولية لإنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من ثلاث سنوات.
ويأتي هذا الزخم في ظل تداخل مسارات متعددة بين قوى مدنية وتحالفات سياسية سودانية وأطراف إقليمية ودولية، ما يرى المراقبون أنه يعكس مشهداً انتقالياً غير مكتمل تتنافس داخله رؤى متباينة حول طبيعة العملية السياسية، وحدود الدور الدولي، وآليات إنهاء النزاع.
وبينما تتقاطع معظم الأطراف حول أولوية وقف الحرب ومعالجة الكارثة الإنسانية، فإن الاختلافات تبرز بوضوح في تفاصيل هندسة المرحلة الانتقالية، وترتيب المسارات السياسية والأمنية، وشكل المشاركة في الحوار الوطني، ومدى استبعاد أو إدماج بعض القوى السياسية، إلى جانب جدل متصاعد حول ملكية العملية السياسية.
وشكلت المشاورات التي استضافتها العاصمة الإثيوبية أديس أبابا خلال الفترة من 3 إلى 4 يونيو/ حزيران الجاري نقطة ارتكاز مهمة في المشهد السياسي، حيث أعلنت قوى سياسية ومدنية سودانية التوصل إلى رؤية مشتركة لتدشين مسار سلام سوداني جديد.
وتقوم هذه الرؤية على إطلاق عملية سياسية عبر لجنة تحضيرية تتولى تصميم الحوار الوطني، باعتباره مدخلاً لإنهاء الحرب وإطلاق انتقال سياسي شامل. وأكدت المخرجات أن العملية السياسية يجب أن تتعامل مع جذور الأزمة السودانية لا مظاهرها فقط، وأن تنطلق من مقاربة متكاملة تربط بين المسار الإنساني ووقف إطلاق النار والمسار السياسي.
كما شددت على ضرورة أن يقود المسار السياسي إلى مصالحة وطنية شاملة، وعقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والمساواة، ومعالجة التهميش، وتبني العدالة الانتقالية والمساءلة عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة.
وعلى الرغم من التوافق المجمل بين القوى الموقعة على بيان أديس أبابا والتي كان أبرزها تحالف “صمود” ومجموعة من مكونات الكتلة الديمقراطية حول عناوين التسوية العريضة، إلا أن التفاصيل ما تزال التحدي أمام التوافق الواسع.
وبعد اجتماعات أديس أبابا، انخرطت المجموعات السياسية والحركات المسلحة في اجتماعات داخل تحالفاتها.
وفي السياق، عقد المكتب التنفيذي لتحالف “صمود” اجتماعاً حضورياً في العاصمة الكينية نيروبي، اختتمت أعماله الثلاثاء، قدم خلاله رؤية تفصيلية للعملية السياسية، تقوم على اعتبار وقف الحرب أولوية عاجلة، مع الدعوة إلى هدنة إنسانية تمهيداً لوقف دائم لإطلاق النار.
وترتكز رؤية “صمود” على مقاربة متعددة المسارات تشمل المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي، بحيث تدار جميعها ضمن إطار متكامل لا يسمح بتجزئة الحل. ويرى التحالف أن الكارثة الإنسانية ليست نتيجة جانبية للحرب، بل جزء من جوهر الأزمة، وبالتالي يجب أن تكون في قلب أي تسوية.
وتشدد الرؤية على أن العملية السياسية يجب أن تكون مملوكة للسودانيين، مع حصر دور المجتمع الدولي في الدعم والتيسير دون فرض أجندات أو تحديد أطراف. كما تدعو إلى استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما من النظام السابق، من أي ترتيبات سياسية مستقبلية، باعتبار ذلك جزءاً من استحقاقات الثورة السودانية.
وفي الجانب المؤسسي، تدعو الرؤية إلى إعادة بناء الدولة على أسس مدنية ديمقراطية، وتفكيك ظاهرة تعدد الجيوش، وبناء جيش قومي مهني واحد يخضع للسلطة المدنية، إلى جانب إطلاق مسار شامل للعدالة الانتقالية وجبر الضرر.
كما تؤكد “صمود” على أهمية إجراءات تهيئة المناخ، بما في ذلك إطلاق سراح المعتقلين، وفتح الفضاء المدني، وضمان حرية العمل السياسي، وتوفير رقابة إقليمية ودولية على أي هدنة محتملة.
في حين، طرح حزب الأمة القومي، خلال اجتماعه الثلاثاء، رؤية تركز على أن وقف الحرب يمثل المدخل الوحيد لأي تسوية سياسية، مع الدعوة إلى إطلاق عملية سياسية شاملة تعالج جذور الأزمة السودانية.
ويرى أن العملية السياسية يجب أن تكون سودانية خالصة بملكية كاملة للقوى الوطنية، وأن يقتصر دور المجتمع الدولي على التيسير والدعم. كما يدعو إلى مشاركة واسعة تشمل الشباب والنساء والقوى المدنية، مع استبعاد المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية من أي ترتيبات مستقبلية.
ويشدد على ضرورة إعادة بناء الدولة على أساس المواطنة وسيادة القانون والعدالة، وإخضاع المؤسسة العسكرية للسلطة المدنية المنتخبة، بما يضمن إنهاء دورها السياسي التقليدي.
الفصل بين مسارين
في المقابل، تبنت الكتلة الديمقراطية مقاربة مختلفة نسبياً، تقوم على الفصل بين المسار السياسي والمسار الأمني، باعتبار أن دمجهما قد يؤدي إلى تعقيد الحلول.
وترى الكتلة أن المسار السياسي يجب أن يكون سودانياً خالصاً، بينما يظل المسار الأمني إطاراً تفاوضياً بين أطراف النزاع وفق ترتيبات مستندة إلى إعلان جدة، بما يؤدي إلى إنهاء التمرد وترتيبات أمنية واضحة.
كما تؤكد أن المجتمع الدولي يجب أن يقتصر دوره على الدعم والتيسير دون التدخل في تحديد الأطراف أو الأجندة، مع رفض أي مقاربات تساوي بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.
وتشدد الكتلة على أن الهدف النهائي يجب ألا يقتصر على وقف الحرب، بل بناء سلام مستدام يعالج جذور الأزمة ويحافظ على وحدة الدولة.
عملية سياسية
أما حركة “جيش تحرير السودان” بقيادة عبد الواحد محمد نور، فقد قدمت تصوراً يعتبر العملية السياسية مشروعاً وطنياً شاملاً لإعادة تأسيس الدولة، وليس مجرد تسوية للحرب.
وتقوم رؤيتها على 3 مسارات متزامنة: إنساني، ووقف إطلاق النار، وسياسي ضمن مقاربة متكاملة.
وتشدد على ضرورة تهيئة المناخ عبر إطلاق الأسرى، وحماية المدنيين، وفتح الممرات الإنسانية، وضمان حرية العمل المدني والسياسي.
وترى الحركة أن العملية السياسية يجب أن تعالج جذور الأزمة المرتبطة بالتهميش وعدم العدالة، وأن تؤدي إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والمساواة، وإعادة بناء الدولة على أسس ديمقراطية مدنية، مع استبعاد القوى المرتبطة بالحرب، وفي مقدمتها المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية.
إعادة تأسيس الدولة
وفي السياق ذاته، يطرح الحزب الشيوعي رؤية تقوم على أن الأزمة السودانية ليست أزمة حرب فقط، بل أزمة دولة تاريخية فشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية المتوازنة.
ويرى أن أي عملية سياسية يجب أن ترتكز على تفكيك بنية الدولة القديمة وإعادة تأسيسها على أسس ديمقراطية جذرية، تضمن سيادة الشعب على السلطة والثروة، وتضع حداً لهيمنة المؤسسة العسكرية والاقتصادية على السياسة.
كما يؤكد على أن السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق دون معالجة جذور التهميش، وإعادة توزيع السلطة والثروة، وضمان حقوق الطبقات الفقيرة والمهمشة، مع بناء دولة مدنية ديمقراطية تعبر عن الإرادة الشعبية الحقيقية.
دعم الانتقال المدني
على المستوى الدولي، برزت مواقف داعمة لمسار تسوية سياسية في السودان، من بينها بيان مشترك لعدد من الدول الغربية إلى جانب المجموعة الخماسية، دعا إلى وقف الحرب ودعم انتقال مدني ديمقراطي.
وأكدت هذه المواقف ضرورة حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية تقودها سلطة مدنية مستقلة، مع استبعاد الجماعات المتطرفة من المشهد السياسي.
كما شددت على أن الأزمة السودانية لا يمكن حلها عسكرياً، وأن الحل المستدام يتطلب عملية سياسية شاملة تعكس تطلعات السودانيين.
نشر قوات دولية
وبالتزامن مع الحراك السياسي الواسع، أقرت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب الأمريكي، أمس، مشروع قانون جديد تحت مسمى “قانون الانخراط الأمريكي في السلام السوداني”، يهدف إلى تعزيز الدور الأمريكي في دعم جهود إنهاء الحرب وحماية المدنيين.
وينص مشروع القانون على استخدام نفوذ الولايات المتحدة داخل الأمم المتحدة للمساعدة في نشر قوة تابعة للأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي، أو قوة متعددة الجنسيات تتولى حماية المدنيين وتأمين وصول المساعدات الإنسانية ودعم ترتيبات مراقبة وقف إطلاق النار داخل السودان.
ودعا مشروع القانون إلى استمرار العقوبات الأمريكية المفروضة على قوات “الدعم السريع”، كما طالب بتوسيع حظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور ليشمل جميع أنحاء السودان، في إطار جهود الحد من تدفق السلاح إلى مناطق النزاع.
ورغم إجازته من لجنة الشؤون الخارجية، لا يزال مشروع القانون بحاجة إلى موافقة مجلسي الكونغرس الأمريكي، قبل أن يدخل حيز التنفيذ بشكل رسمي.