النفط لم يعد كافياً.. العراق يبحث عن اقتصاد أكثر استدامة


متابعة/المدى

تتجه الحكومة العراقية نحو رسم ملامح رؤية اقتصادية طويلة الأمد تمتد حتى عام 2050، في محاولة لمواجهة التحديات المزمنة التي يعاني منها الاقتصاد الوطني وتقليل الاعتماد على الإيرادات النفطية، بالتزامن مع إطلاق إطار وطني للنمو الأخضر، واستمرار الجهود الحكومية لتطوير السياسات المالية وتعزيز الشراكات الاقتصادية الدولية.

وترأس رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي، اليوم الأربعاء، الجلسة الثانية لمجلس الاستقرار المالي، حيث ناقش المجتمعون الأطر العامة لعمل المجلس وآليات تنفيذ الخطط والاستراتيجيات المالية والنقدية، إضافة إلى السبل الكفيلة بتنشيط القطاعات الاقتصادية المختلفة وتعزيز مساهمتها في النمو الاقتصادي وتوفير فرص العمل.

وذكر بيان لمكتب رئيس الوزراء، تلقته (المدى)، أن الزيدي أكد أهمية المجلس بوصفه إطاراً مؤسسياً يعزز التنسيق بين السياستين المالية والنقدية، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار الاقتصادي ودعم مسارات التنمية.

وأشار رئيس الوزراء إلى أن الحكومة تتجه نحو إعداد رؤية اقتصادية شاملة للعراق حتى عام 2050، تستند إلى تنويع مصادر الدخل، وتشجيع الاستثمار، ورفع كفاءة إدارة الموارد، بما يضمن بناء اقتصاد أكثر قدرة على مواجهة الصدمات والتقلبات المستقبلية.

وشهد الاجتماع التأكيد على أهمية توحيد الجهود بين المؤسسات المعنية لضمان الاستقرار المالي والحفاظ على سلامة الاقتصاد الوطني وتعزيز مرونته أمام المتغيرات المحلية والدولية.

النمو الأخضر.. خارطة طريق جديدة

بالتوازي مع ذلك، كشف مرصد العراق الأخضر عن إطلاق “إطار النمو الأخضر”، الذي يمثل خارطة طريق للتحول الاقتصادي والبيئي في البلاد خلال العقود المقبلة.

وأوضح المرصد أن الإطار أُطلق بالتعاون بين وزارة التخطيط ووزارة البيئة، ويهدف إلى بناء اقتصاد منخفض الانبعاثات وأكثر استدامة، بما ينسجم مع رؤية العراق 2030 وخطة التنمية الوطنية للأعوام 2024-2028 والالتزامات البيئية الدولية للعراق.

وبحسب المرصد، فإن الخطة تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة في إنتاج الكهرباء إلى ما لا يقل عن 33 بالمئة بحلول عام 2030، إضافة إلى توفير نحو خمسة ملايين وظيفة خضراء، مع التركيز على فئتي الشباب والنساء.

وأشار إلى أن الرؤية طويلة الأمد تهدف إلى تحويل العراق بحلول عام 2050 إلى نموذج إقليمي في التنمية منخفضة الكربون والقادرة على التكيف مع التغيرات المناخية، مع تعزيز الابتكار واستخدام الموارد بكفاءة أكبر.

وأكد المرصد أن الإطار يعتمد على مبدأ “الانتقال العادل”، بما يضمن استفادة الفئات الأكثر هشاشة، وفي مقدمتها الشباب والنساء والمزارعون والمجتمعات المتضررة من النزاعات والتغير المناخي.

ويتضمن البرنامج مجموعة من الأولويات التنفيذية تشمل إصلاح السياسات المالية والبيئية، وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، والاستثمار في البنى التحتية المستدامة، فضلاً عن تطوير الزراعة الذكية مناخياً وتعزيز التعليم والتدريب المهني المرتبط بالاقتصاد الأخضر.

تحديات اقتصادية وبيئية متراكمة

ويأتي إطلاق هذه المبادرات في ظل جملة من التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، أبرزها الاعتماد الكبير على النفط كمصدر رئيس للإيرادات العامة، إلى جانب التحديات البيئية المتفاقمة المرتبطة بندرة المياه والتصحر والتغير المناخي.

ويعد العراق من أكثر الدول تأثراً بالتغيرات المناخية، حيث تواجه البلاد تراجعاً في الموارد المائية وارتفاعاً في درجات الحرارة وزيادة في معدلات التصحر والعواصف الترابية، ما ينعكس بصورة مباشرة على القطاع الزراعي والأمن الغذائي.

كما تعاني قطاعات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والنقل من ضغوط متزايدة نتيجة النمو السكاني والحاجة إلى تطوير البنى التحتية، الأمر الذي يفرض الحاجة إلى استثمارات واسعة النطاق في مشاريع أكثر كفاءة واستدامة.

هرمز يكشف هشاشة الاعتماد النفطي

وتزامنت هذه التحركات الاقتصادية مع تداعيات التوترات الإقليمية الأخيرة والحرب الأمريكية – الإسرائيلية مع إيران، وما رافقها من اضطرابات في حركة الملاحة وإغلاق مضيق هرمز، وهو ما أعاد تسليط الضوء على هشاشة الاعتماد العراقي على مسار تصديري واحد للنفط.

فعلى الرغم من ارتفاع أسعار النفط العالمية من مستويات تراوحت بين 50 و60 دولاراً إلى نحو 100 دولار للبرميل، فإن العراق لم يتمكن من الاستفادة من هذه الزيادة نتيجة تعطل جزء من الصادرات النفطية المرتبطة بالممرات البحرية في الخليج.

ويحذر مختصون من أن استمرار الاعتماد على المنافذ الجنوبية فقط يجعل الاقتصاد العراقي عرضة للصدمات الجيوسياسية، خصوصاً في ظل ارتباط أكثر من 90 بالمئة من الإيرادات العامة بعائدات النفط.

وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات إلى تنويع منافذ التصدير النفطية عبر تفعيل المسارات البديلة مع تركيا وسوريا والأردن والسعودية، بما يضمن استمرار الصادرات وتقليل المخاطر المرتبطة بالأزمات الإقليمية.

ويرى خبراء أن تطوير هذه المسارات، رغم كلفته المرتفعة، يمثل استثماراً استراتيجياً ضرورياً لحماية الاقتصاد العراقي من الأزمات المستقبلية وتقليل آثار أي اضطرابات قد تصيب الممرات البحرية التقليدية.

إصلاحات مالية وشراكات دولية

وفي إطار التحركات الحكومية لإصلاح الإدارة المالية، بحث وزير المالية فالح ساري، مع القائم بالأعمال الأمريكي لدى العراق جوشوا هاريس، آفاق التعاون الاقتصادي بين بغداد وواشنطن وسبل تعزيز الشراكة مع المؤسسات المالية الأمريكية.

وأكد ساري، خلال اللقاء، أن الحكومة وضعت الملف الاقتصادي ضمن أولوياتها، وتسعى إلى تنفيذ إصلاحات مالية وهيكلية تستهدف معالجة التحديات الاقتصادية بصورة جذرية.

وكشف عن توجه حكومي للانتقال التدريجي نحو نظام “موازنة البرامج” بدلاً من الموازنات التقليدية، بهدف رفع كفاءة الإنفاق العام وربط التخصيصات المالية بالأهداف والنتائج الفعلية.

من جانبه، أكد القائم بالأعمال الأمريكي دعم بلاده لمسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية في العراق، واستعداد واشنطن لتعزيز التعاون الاقتصادي بما يسهم في دعم الاستقرار وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *