عاموس هرئيل
قال ترامب في شهادته بأنه أوقف الليلة الماضية غارة إسرائيلية مخططاً لها على ضاحية بيروت، وإنه سيوجه لوقف آخر لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. وجاءت خطوته هذه بعد أن هددت إسرائيل بشن هجوم على الضاحية وهددت إيران بمهاجمة إسرائيل.
لقد جاءت تهديدات إسرائيل عقب سلسلة متواصلة من الهجمات بالمسيرات المتفجرة التي شنها حزب الله على قوات الجيش الإسرائيلي جنوبي لبنان. وكانت إسرائيل تأمل، من خلال الضغط في بيروت، بدفع حزب الله إلى الزاوية، وربما الربط بين تسوية في لبنان ووقف إطلاق النار الذي يلوح في الأفق بين الولايات المتحدة وإيران في الخليج الفارسي. وأعلن ترامب إجراءه “مكالمة هاتفية مثمرة” مع نتنياهو، و”محادثة غير مباشرة إيجابية” مع حزب الله، وبعد ذلك قرر الطرفان التريث في إطلاق النار.
وقد سبق إعلانه تصعيد كبير في الصراع العسكري في لبنان، ما هدد بجر الأطراف في الخليج إلى صراع جديد. وحتى إن إيران أعلنت بعد ظهر أمس تعليق المفاوضات مع الولايات المتحدة في محاولة لمنع المزيد من الضربات الإسرائيلية ضد حزب الله. ومع توسع العمليات البرية إلى ما وراء نهر الليطاني في القطاع الأوسط، أبلغ الجيش الإسرائيلي عن المزيد من القتل. فقد قتل ستة جنود في الخدمة النظامية، وأصيب عشرات في ستة أحداث منفصلة في الأسابيع الأخيرة، معظمها بسبب الطائرات المسيرة المفخخة.
حزب الله انسحب بالتدريج من المنطقة التي سيطرت عليها الفرقة 36، لكنه رد على تقدم الفرقة بزيادة نطاق وكثافة هجمات الطائرات المسيرة. ويعترف الجيش بصعوبة إيجاد حل دفاعي وتقني مناسب للطائرات المسيرة التي تعمل بالألياف الضوئية. وإذا كان الرأي السائد حتى الأسبوع الماضي بأن حزب الله لا يستخدم الطائرات المسيرة في القتال الليلي بسبب صعوبة تركيب أجهزة الرؤية الليلية عليها، فإن الحدثين الأخيرين اللذان تسببا بقتلى كانا بالتحديد في ساعات الظلام (رغم وجود احتمال بأن أعضاء الحزب استغلوا ضوء القمر الخافت).
لكن لماذا تشغل هذه الصراعات الحكومة؟ لقد أعلن نتنياهو بأن الإسرائيليين سيعودون إلى قلعة الشقيف في وقت أصبحنا فيه أقوى وأكثر وحدة من أي وقت مضى (مشكوك فيه أن يتفق معه حتى لو 1 في المئة من مواطني إسرائيل على الأقل فيما يتعلق بالوحدة). في الوقت نفسه، وجه وزير الدفاع يسرائيل كاتس تهديداً آخر. وقال أمس إن “قانون الضاحية في بيروت هو نفس قانون مستوطنات الشمال في إسرائيل”. بل أصدر كل من نتنياهو وكاتس بياناً رسمياً جاء فيه بأنهما أصدرا أمراً للجيش الإسرائيلي بمهاجمة الضاحية. كانت تصريحات جوفاء حتى قبل تدخل ترامب.
لقد تم نقل جزء كبير من نشاطات حزب الله من الضاحية أثناء الحرب، وشن سلاح الجو هجمات عليها عشرات المرات، بما في ذلك اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله في أيلول 2024. كان لهذه التحركات أثر في السابق، لكن خلافاً للانطباع الذي يحاول الحزب إظهاره الآن، فإنه لا يتوقع اتخاذ أي قرار استراتيجي في أعقابها.
في الفترة الأخيرة، تسرب لوسائل الإعلام خطاب حنين عن أيام المنطقة الأمنية في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، وكأن الانسحاب منها بقرار من رئيس الحكومة في حينه إيهود باراك في العام 2000، لم يكن نتيجة مباشرة لعجز عن استخدام المنطقة لتوفير الحماية الفعلية لمستوطنات الشمال.
إضافة إلى ذلك، بدا التحدي هذه المرة أكثر تعقيداً؛ لأن الطائرات المسيرة التي يشغلها حزب الله تصيب القوات الموجودة داخل المنطقة الأمنية، ويصعب اعتراضها عند عبورها الأراضي الإسرائيلية. باستثناء السيطرة التكتيكية، من مرتفعات علي طاهر وقلعة الشقيف إلى هضبة النبطية المجاورة، يصعب إدراك أي قيمة عسكرية خاصة في الاستيلاء على قلعة الشقيف. في هذه المرحلة، لا صلة بين التحرك على الأرض والهدف المجهول من القتال كله. واللافت بشكل خاص، هو التناقض بين ما يحدث على الأرض وتصريحات متخذي القرارات.
خلافاً للانطباع السائد، العملية في لبنان لا تشمل قوات كبيرة؛ فرقتان فقط تعملان هناك، الفرقة 36 والفرقة 91 (الجيش الإسرائيلي أعلن عن انسحاب الفرقة الثالثة، 146). كل فرقة تابع لها عدة ألوية قتالية، معظم هذه القوات نظامية، وقوات الاحتياط قليلة جداً في لبنان الآن. ورغم الخطابات الرنانة، هذه ليست خطوة كبيرة، بغض النظر عن فرح نتنياهو الزائد، الذي من المؤكد أنه على دراية تامة بهذه التفاصيل. يزعم مسؤولون كبار في الجيش الإسرائيلي، للمرة الثانية، بأن وضع حزب الله أسوأ مما يبدو ظاهرياً، وأن استمرار الضغط العسكري قد يؤدي إلى مزيد من النتائج في الأيام القادمة. هذا وارد، لكن علينا تذكر كم مرة سمعنا مثل هذه التوقعات المتفائلة (بما في ذلك خلال فترة المنطقة الأمنية في التسعينيات) ولم تتحقق بالكامل. ميزان القوة بين الطرفين واضح، وكذلك ضعف حزب الله والهجمات التي تعرض لها، لكن الحقيقة أن الحزب كشف عن نقطة ضعف في إسرائيل (هشاشتها أمام الطائرات المسيرة)، وهو يستغلها جيدا.
في غضون ذلك، يجدر مراقبة ما يحدث في ساحات أخرى. ففي الأيام الأخيرة، تصاعدت استفزازات نشطاء اليمين المتطرف في الحرم. في هذا الأسبوع، التقطت لهم صور وهم يرفعون الأعلام قرب قبة الصخرة، ودعا الحاخام شموئيل إلياهو إلى إقامة كنيس في الحرم. مرتين، في 2021 (عملية حارس الأسوار) وفي 2023 (مذبحة 7 أكتوبر)، استغلت حماس استفزازات اليهود في الحرم. وفي الحالة الثانية، استغلت الخطوات التي اتخذتها الحكومة هناك كذريعة لإشعال النار من قطاع غزة. وقد يتكرر هذا الأمر، وفي عدة اتجاهات، لا سيما مع دخول إسرائيل فترة الانتخابات.
إغلاقات وجنازات
أُعلن مساء أمس عن اسم النقيب أوري يوسف سلفستر (30 سنة)، طبيب كتيبة في “جفعاتي”، الذي قتل بطائرة مسيرة مفخخة. وبعد ظهر أمس، تم دفن جثامين ضحايا الأحداث السابقة في لبنان. وأقيمت في عسقلان جنازة الرقيب مايكل تيوكن، جندي دورية “جفعاتي” الذي قتل السبت بطائرة مسيرة مفخخة قرب قلعة الشقيف. وتم دفن الرقيب آدم تسرفاتي، الجندي في وحدة “ماجلان”، الذي قتل في حادثة مشابهة عشية الإثنين، في المقبرة العسكرية برأس العين.
وقد بثت بلدية رأس العين تحذيراً للجمهور إذاعياً وعبر نشرة أخبار المساء، يفيد بحدوث تأخير في الوصول إلى الجنازة بسبب المظاهرات التي قد تشمل إغلاق الشوارع في المنطقة. ويمكن للمستمعين توقع ما سيحدث بعد ذلك: هذه مظاهرات ينظمها اليهود الحريديم، الغاضبون من الحكومة، التي منحتهم أكثر مما منحته أي حكومة سابقة، لكنها تتباطأ الآن في تمرير الترتيب الذي سيمكنهم من التهرب المطلق من التجنيد برعاية القانون.
هآرتس 2/6/2026