إن وحدة الساحات التي بنتها طهران خلال السنوات الأخيرة تجعل مهمة الرئيس الأمريكي أكثر تعقيدًا، كما أن الحذر الذي قد يتبعه ترامب في التعامل مع هذه الملفات قد يصب في مصلحة حزب الله.
ورغم أن تفاصيل المفاوضات مع إيران لا تزال غامضة وغير واضحة، فإن التهديد باستخدام القوة العسكرية ضد طهران بات أقل تأثيرًا وقوة مما كان عليه في السابق.
التقرير الأولي الذي نُشر أمس (الجمعة) حول توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق بشأن صيغة “مذكرة تفاهم” بانتظار مصادقة ترامب، لا يوضح ما الذي تم التوصل إليه فعليًا، وما هي القضايا التي لا تزال موضع خلاف، وما هو جدول أعمال المفاوضات التي يُفترض أن تستمر طوال فترة وقف إطلاق النار البالغة 60 يومًا، وما إذا كانت إيران مستعدة لإخراج اليورانيوم المخصب من أراضيها، وما هي المقابل الذي ستحصل عليه.
ويبدو أن تبادل الضربات بين إيران والولايات المتحدة خلال الأيام الثلاثة الماضية لا يُعتبر حتى الآن خرقًا لوقف إطلاق النار، الذي يتسم –كما هو الحال في لبنان وغزة– بقدر من المرونة يهدف إلى التوفيق بين الحاجة التكتيكية لإظهار “الحزم العسكري”، حتى لو لم يكن هناك هدف استراتيجي واضح في نهاية المطاف، وبين الرغبة في عدم إعاقة فرص مسار سياسي لا تزال معالمه ضبابية.
في الساحة الإيرانية، يستمر حوار دبلوماسي مكثف. تُتبادل المسودات بين الطرفين، وتُنشر بعض بنودها بشكل جزئي ثم تُنفى خلال ساعات أو حتى دقائق، ولا يزال من غير الواضح ما هي النقاط التي تم الاتفاق عليها
في الساحة الإيرانية، يستمر حوار دبلوماسي مكثف. تُتبادل المسودات بين الطرفين، وتُنشر بعض بنودها بشكل جزئي ثم تُنفى خلال ساعات أو حتى دقائق، ولا يزال من غير الواضح ما هي النقاط التي تم الاتفاق عليها وما هي القضايا التي تُعتبر خطوطًا حمراء لا يمكن التنازل عنها.
أما في الساحة اللبنانية، فمن المتوقع أن تُستأنف اليوم المحادثات العسكرية بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني، فيما يُفترض عقد لقاء سياسي إضافي في الثاني من يونيو/حزيران. وهنا أيضًا لا تزال مواقف الولايات المتحدة غير واضحة، كما لا يُعرف ما هو الإنجاز المطلوب تحقيقه.
وفي غزة، تواصل إسرائيل السيطرة على مزيد من الأراضي داخل القطاع، بينما يواجه ما يسمى بـ “مجلس السلام” خطر الانهيار المالي بسبب نقص التمويل. وفي المقابل، لا تنوي حماس التخلي عن سلاحها أو طرح آلية لنزعه، كما لا يُعرف ما إذا كانت الولايات المتحدة قد قررت بالفعل التخلي عن “المشروع” وما هي حدود الصلاحيات التي ستمنحها لإسرائيل إذا فشلت الجهود الدبلوماسية.
تركيز هائل للقوات العسكرية لم يحقق أهدافه
كل هذه الساحات بدأت بطموحات كبيرة تتعلق بإبرام اتفاقيات وتحالفات وإحداث تغييرات في الأنظمة السياسية وإعادة تشكيل المنطقة. لكن حتى الآن لم تحقق سوى إنجازات تكتيكية محدودة لم ترتقِ إلى مستوى “التحول الجيوسياسي الكبير” الذي كان مأمولًا.
وليست إسرائيل وحدها التي تعاني من غياب استراتيجية واضحة تجاه هذه الملفات، فالولايات المتحدة أيضًا غارقة في حملة عسكرية مرتبكة لا تعرف اتجاهها. ففي كل ساحة من هذه الساحات تُطرح القوة العسكرية كتهديد يُفترض أن يُنفذ إذا لم يتم التوصل إلى حل سياسي، إلا أن هذا التهديد فقد على ما يبدو قدرًا كبيرًا من تأثيره، خصوصًا بعد استخدامه عمليًا دون أن يحقق النتائج المرجوة.
فالحشد العسكري الأمريكي الضخم، الذي يُعد الأكبر في تاريخ المنطقة، كان يفترض أن يشكل عامل ردع وضغط على إيران حتى ترضخ للمطالب الأمريكية. لكن النتيجة كانت حربًا لم تؤد إلا إلى تعقيد الموقفين الأمريكي والإسرائيلي.
كما تبين أن العديد من الافتراضات الأساسية كانت خاطئة، مثل إمكانية إسقاط النظام الإيراني، أو انهيار الاقتصاد الإيراني، أو خروج الجماهير الإيرانية لإسقاط مؤسسات الحكم وإقامة نظام جديد. وبدلًا من ذلك، تمكنت إيران من فرض سيطرتها على مضيق هرمز وتحويله إلى ورقة استراتيجية أجبرت ترامب على التراجع عن معظم أهداف الحرب الأصلية، والاكتفاء بالسعي إلى تقليص القدرات النووية الإيرانية.
وهي، بحسب الكاتب، هدف ربما كان من الممكن تحقيقه عبر استمرار جولات المفاوضات التي كانت تُعقد قبيل اندلاع الحرب. أما الآن، فلم يتبقَّ لترامب سوى التهديد بـ “التدمير”، لكنه تهديد يهدف أساسًا إلى دفع المسار الدبلوماسي نحو الحصول على وثيقة ليست حتى اتفاقًا نهائيًا، بل مجرد مذكرة تفاهم، تمثل مقدمة غير مضمونة لاتفاق مستقبلي، في ظل تعقيدات ما زالت بلا حل في مضيق هرمز.
أمام الإنجازات في تقليص القدرات العسكرية لإيران، تلقّى ترامب تقليصًا في قدراته السياسية، وتآكلًا عميقًا في مدى النفوذ الأمريكي حتى على سياسات حلفائه في الخليج.
ومن الأدلة الصادمة على ذلك التهديد الذي أطلقه هذا الأسبوع بـ “تفجير عُمان” إذا وقّعت اتفاقًا لإدارة مشتركة لمضيق هرمز مع إيران. فعُمان ليست فقط حليفة للولايات المتحدة، بل هي عضو في مجلس التعاون الخليجي، وكانت وسيطًا مركزيًا في كل جولات المحادثات.
صحيح أن دول الخليج لم ترد علنًا على هذا التهديد، لكنها تدرك أن أي تهديد أمريكي ضد واحدة منها يُعد بمثابة تهديد لها جميعًا. وستتضح المفارقة عندما يضطر ترامب نفسه، في إطار المفاوضات، إلى توقيع نوع من “الترتيب” مع إيران من أجل استئناف حركة الملاحة في المضيق.
وحتى إذا افترضنا أن الجهد الدبلوماسي سينهار ولن ينتج حتى “اتفاق تفاهم”، فما هي الخطوة العسكرية التي يعتقد الرئيس أنها ستُحدث التحول في إيران؟ وكيف سيمنع تلغيم الخليج أو فتح أنابيب النفط الإيرانية بما يؤدي إلى تلويث مياه الخليج والتسبب بكارثة بيئية خارجة عن السيطرة؟
وقد حدثت أمور مشابهة من قبل، فبعد حرب إيران والعراق واحتلال الكويت من قبل العراق، أمر صدام حسين عام 1991 بسكب ملايين براميل النفط في مياه الخليج لمنع إنزال قوات أمريكية على سواحله عبر البحر.
حتى من دون هذا التهديد، اعترف ترامب نفسه بأنه امتنع عن مهاجمة إيران ومنح وقف إطلاق النار مهلة إضافية بناءً على طلب كل من السعودية والإمارات وقطر، التي كانت ولا تزال تخشى ردًا إيرانيًا قد يؤدي إلى تعطيل محطات تحلية المياه وشبكات الكهرباء، واستهداف المفاعلات النووية ومحطات الطاقة والمطارات.
فهل ينوي ترامب تجاهل حلفائه الذين تعهدوا باستثمار تريليونات الدولارات في الولايات المتحدة؟
إن جمع كل أدوات الضغط هذه، إلى جانب انعدام اليقين بشأن نتائج أي عملية عسكرية واسعة ضد إيران، يدفع ترامب إلى التركيز على الهدف الوحيد الذي تمسك به طوال الوقت، وهو إخراج اليورانيوم من إيران، وهو هدف لا يزال تحقيقه محل شك حتى الآن.
وهذا هدف بالغ الأهمية، ويمكن القول إن أي تنازل يُقدَّم من أجل تحقيقه قد يكون مبررًا ومشروعًا. لكن السؤال المطروح هو: ألم يكن بالإمكان تحقيق هذا الهدف لو أُعطيت جولات المفاوضات التي سبقت الحرب فرصة للاستمرار والتطور وصولًا إلى اتفاق ربما يكون أفضل من ذلك الذي بدأت ملامحه تتشكل الآن؟
ومن الجدير بالذكر أن إيران كانت قد أوضحت، حتى قبل اندلاع الحرب، أنها مستعدة لتخفيف مستوى تخصيب اليورانيوم الذي بحوزتها، كما وافقت على مناقشة إمكانية إنشاء كونسورتيوم إقليمي لتخصيب اليورانيوم يكون بمثابة آلية رقابية تشرف على عمليات التخصيب وتشارك فيه إيران أيضًا.
إلا أن الشرط الذي وضعته طهران، والذي أدى في نهاية المطاف إلى إسقاط هذه الفكرة، كان أن تستمر عمليات تخصيب اليورانيوم على أراضيها، حتى في إطار هذا الكونسورتيوم الذي كان من المفترض أن يعمل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
إن حصر الأهداف في هدفين رئيسيين فقط، هما الملف النووي الإيراني وإعادة فتح مضيق هرمز، مع التخلي عن مطلب تجميد أو تقييد برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني وقطع الصلة بين إيران ووكلائها في العراق ولبنان واليمن، جعل ترامب أسيرًا لمعادلة “وحدة الساحات” وفق الرؤية الإيرانية.
وهذه المعادلة تعني، من بين أمور أخرى، أن أي وقف لإطلاق النار – إذا تم التوصل إليه – سيشمل جميع الساحات، بما في ذلك الساحة اللبنانية التي تشهد حربًا محدودة النطاق، تُحدد حدودها مسبقًا، وحتى العمليات التكتيكية فيها تحتاج إلى موافقة أمريكية مسبقة.
وهذا الواقع يثير علامة استفهام كبيرة حول طموح ترامب للدفع نحو اتفاق سياسي وأمني شامل بين إسرائيل ولبنان، لأن هذا المسار ينطوي على تناقض داخلي يصعب التوفيق بين طرفيه.
ترامب يطالب الحكومة اللبنانية بنزع سلاح حزب الله، وهي خطوة تعني عمليًا اندلاع مواجهة عسكرية شبه مؤكدة بين الجيش اللبناني والحزب.
وفي المقابل، فإن الحكومة اللبنانية، التي تبنت بالفعل سياسة غير مسبوقة تنزع الشرعية العسكرية عن حزب الله وتتمسك بمبدأ احتكار الدولة للسلاح، تسعى إلى التوصل لاتفاق مع الحزب، وهو أمر لا يبدو واقعيًا في الوقت الراهن.
لكن ترامب يهدد بأنه إذا لم تتحرك الحكومة اللبنانية لنزع سلاح حزب الله، فإنه سيسمح لإسرائيل بـ “فتح أبواب الجحيم” على لبنان.
غير أن ترامب سيجد نفسه عندها مرة أخرى أمام فيتو إيراني قد يهدد بتجميد المفاوضات المتعلقة بالملف الإيراني. وعندها قد تواجه إسرائيل رئيسًا أمريكيًا مضطرًا إلى الاختيار بين التوصل إلى اتفاق مع إيران أو المضي في نزع سلاح حزب الله.
ويختم الكاتب بالقول إن ترامب قد أعطى عمليًا إجابته على هذا السؤال مسبقًا، عندما حيّد الخيار العسكري الواسع ضد إيران وجعله أقل تهديدًا وتأثيرًا، ما يوحي بأن أولوية الاتفاق مع إيران قد تتقدم على قضية نزع سلاح حزب الله.
لا يزال من غير المعروف ما إذا كان الاتفاق بشأن “ورقة التفاهم”، والذي يتضمن وقفًا لإطلاق النار لمدة 60 يومًا، يشمل أيضًا الساحة اللبنانية، وما هو نطاق ذلك.
لكن إذا ألزمت إيران، في إطار هذا الاتفاق، حزب الله بوقف إطلاق النار، فربما تجد إسرائيل نفسها مجددًا أمام واقع تعرفه جيدًا من جولات القتال السابقة في لبنان، أي حالة من وقف إطلاق النار المتبادل.
قد يكتفي ترامب بذلك ويعرض الجبهة اللبنانية باعتبارها ساحة إضافية نجح فيها في فرض “السلام”، لكن إسرائيل ستبقى، وفق رؤية الكاتب، رهينة للمفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، بينما سيتمكن حزب الله من استغلال فترة الهدوء لإعادة بناء قوته، والاستعداد للجولة المقبلة، وتهديد استمرار المفاوضات بين إسرائيل ولبنان.
والنتيجة حتى الآن هي أنه بدلًا من إطلاق مسار استراتيجي قد يقود إلى اتفاق بين إسرائيل ولبنان، أصبح ترامب نفسه جزءًا من “حلقة النار” التي تحمي أهم أذرع إيران في لبنان.
ومع ذلك، يرى الكاتب أن ترامب لا يزال قادرًا على كسر هذه الحلقة إذا قرر تعزيز الحكومة اللبنانية، ومنح الجيش اللبناني مساعدات عسكرية ومالية كبيرة، وفرض جدول أعمال لاتفاق بين لبنان وإسرائيل يتضمن، من بين أمور أخرى، مراحل لانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.
وفي مرحلة أولى، ينبغي -بحسب الكاتب- أن يوضح ترامب أن الوجود الإسرائيلي في لبنان ليس “أبديًا”، بل مرتبط بالترتيبات والتفاهمات التي يمكن التوصل إليها بين الدولتين.
ويرى الكاتب أن مثل هذه الخطوة لن تؤدي إلى نزع سلاح حزب الله مباشرة، لكنها قد تُكمل عملية فك الارتباط الرسمي بين لبنان وإيران.
لكن المؤشرات الحالية، بحسب المقال، تدل على أن ترامب يختار الخيار التكتيكي، الذي يجعل من نزع سلاح حزب الله الهدف الأعلى والأولوية القصوى، رغم أن تحقيق هذا الهدف لا يبدو واقعيًا في الظروف الحالية.
هآرتس2026/5/30