مزاج ترامب المتقلّب وحروب نتنياهو الثابتة!


بعد الأنباء التي نقلتها وكالات الأنباء العالمية، أول أمس الخميس، عن وصول الطرفين الأمريكي والإيراني إلى مذكرة تفاهم تعالج أهم النقاط الرئيسية المختلف عليها، نقلت قناة سي إن إن عن مسؤولين أمريكيين «مطلعين» أن الرئيس دونالد ترامب يريد بضعة أيام ليقرر ما إذا كان سيوقع الاتفاق المحتمل، وفسّر أحد مستشاريه الأمر بأنه لن يوقع حتى يتلقى تأكيدا قاطعا بأن المرشد الأعلى الإيراني، مجتبى خامنئي، أعطى موافقته على الوثيقة.
في اليوم السابق على ذلك، وخلال اجتماع حكومي برئاسته، أطلق ترامب تصريحا مثيرا للدهشة قال فيه إن سلطنة عُمان «ستتصرّف مثل الجميع وإلا سنضطر إلى تفجيرها»، وهو تصريح لا يدخل في أي سياق، فالسلطنة هي حليف قديم للولايات المتحدة، وكانت الوسيط الرئيسي الموثوق بين أمريكا وإيران (قبل أن تنتقل المهمة لباكستان وقطر حاليا). قدّم مقال نشرته صحيفة «إندبندنت» البريطانية تحليلا لافتا لذلك الاجتماع الذي تنقل فيه ترامب بين مواضيع الانتخابات النصفية والسياسة الخارجية ومشاريع ترميم في واشنطن، والحديث عن وزير حربه بيت هيغسيث بالقول «إنه يحب الحرب… أنا لا أحبها، لكنه يحبها»، ليندفع بعدها هيغسيث في خطاب حماسي عن القنابل والطائرات و»الفتك» وعملية «الغضب الملحمي» في إيران، وعن «القوة والدمار»، بحيث بدا الاجتماع، كما تقول الكاتبة هولي باكستر مثل «حلقة من فوكس نيوز تحت تأثير المخدرات»، خالصة إلى أن أمريكا تبدو وكأنها تدار «وفق إيقاع رجل يتنقل بين نشرات الأخبار ومواقع الترميم» جارّا العالم معه!
يظهر أن تأثير الاجتماع الآنف بقي مستمرا لدى هيغسيث الذي خرج بتصريح أمس (ومن فوكس نيوز نفسها) يقول فيه إن أمام إيران خيارين، إما التخلي عن برنامجها النووي بالتفاوض «أو عبر قواتنا»، وقابله تصريح مشابه، من الجهة المعاكسة، لأحمد وحيدي، القائد العام للحرس الثوري الإيراني (ومن قناة التلفزيون الإيراني الرسمية) يقول فيه: سنكسر الحصار بالمفاوضات وإن لم يحدث ذلك فبالتحرك المباشر، ليخرج ترامب بعد ذلك، مفاجئا العالم (ونفسه ربما) معلنا رفع الحصار البحري عن إيران!
في هذه الأثناء، كانت القوات الإسرائيلية تتابع غاراتها على غزة وتدمير مربعات سكنية وخيام للنازحين، وتغلق الحرم الإبراهيمي بالكامل، وذلك بعد يوم من تصريحات لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يطلب فيها من قواته توسيع احتلالها في قطاع غزة إلى 70 في المئة، في انتهاك جديد لوقف إطلاق النار، وتتابع اغتيال قادة «حماس»، بعد أيام من وقائع مهاجمتها «أسطول الصمود»، وظهور الوزير إيتمار بن غفير وهو يتباهى بالتنكيل بنشطائه مما أثار موجة عالمية من الاستنكار.
وفي لبنان، شهدنا نتنياهو، أمس الجمعة، وهو يطلق تصريحات من الحدود تتحدث عن اجتياز قواته لنهر الليطاني، واستمرارها بضرب «حزب الله» بـ»شدة» عبر كامل الجبهة، مع تتابع أعمال القصف وإنذارات التهجير والإخلاء، واقتراب آلة السحق والتدمير الإسرائيلية باتجاه مدن الجنوب الرئيسية كصور والنبطية، بعد معارك شديدة في بنت جبيل، مع استمرار القصف في البقاع والضاحية الجنوبية ومناطق أخرى، بشكل يُفرغ المباحثات مع لبنان التي بدأت أمس في واشنطن من مضمونها، ويوجّه السلاح إلى رأس المفاوضين اللبنانيين.
ينسحب المشهد أيضا، بتدرّجات مختلفة، مع سوريا، التي تعرّضت، بمجرّد سقوط نظام بشار الأسد، في 8 كانون أول/ ديسمبر 2025، لهجمات كبيرة حطّمت الجزء الأكبر من ترسانتها الجوية والبحرية والأرضية، ليصبح التوغّل والتوسع في مناطقها الجنوبية وقتل واعتقال مواطنين سوريين روتينا يوميا متكررا.
لا يتوقّف الأمر، بالنسبة لإسرائيل، على من تعتبرهم خصومها، بل ينسحب أيضا على الأردن، الذي تجمعه «معاهدة وادي عربة» مع إسرائيل، منذ عام 1994، والذي يتعرّض لضغوط شديدة سياسية واقتصادية وأمنية، تتراوح بين الابتزاز المالي والاقتصادي والتلويح بمخططات التهجير والوطن البديل وتقويض الوصاية الهاشمية وتهميش الدور الأردني والتضييق الدبلوماسي والأمني، كما ينسحب على مصر، التي تعود اتفاقيتها للسلام مع إسرائيل إلى عام 1979، ولكنها تتعرّض بدورها لضغوط شديدة، من السيطرة على محور فيلادلفيا، وملف التهجير واللاجئين، كما أنها تتلقى تهديدات صريحة من مسؤولين وشخصيات إسرائيلية، كان آخرها، مطلب الجاسوس الأمريكي جوناثان بولارد (الذي استطاعت إسرائيل إطلاقه من السجن) الاستعداد لحرب مع مصر وتركيا.
قد يؤدي إعلان الرئيس الأمريكي عن وقف الحصار وبدء تنفيذ الاتفاق مع إيران إلى تبريد للجبهات في المنطقة التي أشعلتها الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، لكن الأكيد أن نتنياهو، ونسبة غالبة من الإسرائيليين، يريدون مواصلة الحروب في غزة ولبنان وإيران، في حرب، كما قالت افتتاحية صحيفة هآرتس أمس «لا تهدف إلا إلى إحصاء جثث الطرف الآخر» في «حرب لن تشبع أبدا».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *