حين تأتي المحاسبة إلى إسرائيل كيف سيكون شكلها؟


هناك الضربة النظيفة، مجزرةٌ واحدة تُنفَّذ من علٍ، وقد يكون القتلى قلّةً أو كثرة، حسب الهدف، دراجة نارية، سيارة، سيارة إسعاف، طابورا من طالبي المعونة، مبنى، حقلا، خيمة أو مخيما. ثم هناك الضربات المزدوجة والثلاثية: الضربة الأولى التي تحصد الحصيلة الأولية، والثانية التي تقتل المسعفين الأوائل، والثالثة التي تستهدف أولئك الذين امتلكوا من الجرأة ما يدفعهم إلى الاندفاع للمساعدة.
وفي ما بينهم، لا بد أن منفّذي عمليات القتل يرون في هذا مكسباً صافياً. هناك الاتصالات الهاتفية التي تعلن موتاً مُسبقاً. الصوت على الطرف الآخر من الخط يملي تعليماته على الرجل الذي يوشك أن يوصل ابنته إلى المدرسة، أو على الرجل الذي يقود سيارته إلى مكان ما مع عائلته، “أوصل ابنتك إلى المدرسة ثم ابتعد”، يأمره الصوت. نبرته تقريرية، محايدة، تكاد تكون آلية. “إمّا أن تموت مع عائلتك أو وحدك”، يقول الصوت للرجل الآخر: الخيار لك.
يمتثل الرجلان. يوصل الأول ابنته، يقود مبتعداً، وبعد ثوانٍ يُفجَّر. أمّا الثاني، فيوقف السيارة ويركض نحو الحقل بأقصى ما يستطيع. تتبعه طائرة مسيّرة وترديه قتيلاً.
ولا بد أن منفّذي القتل، بمن فيهم المتصل نفسه، يربّت بعضهم على أكتاف بعض ابتهاجاً بهذا القتل “الرحيم”.
هناك حفلات العودة التي تُقام للجنود، أيامٌ من الاحتفال الصاخب؛ موسيقى عالية وشاشات عملاقة تعرض للجنود المتباهين وعائلاتهم مقاطع من الخراب الذي خلّفوه. هناك الراهبات اللواتي يمشين إلى الكنيسة في القدس، يرافقهن متطوعون لحمايتهن من حشود المستوطنين الإسرائيليين الذين يرقصون حولهن ويرددون هتافات الكراهية. هناك أساطيل المساعدات المتجهة إلى غزة التي تُهاجَم في المياه الدولية، والناشطون الذين يُعتقلون ويُنقلون إلى إسرائيل ويُضرَبون ويُذَلّون، ثم يُعرَضون على الشاشات بتشفٍّ، في استعراض موجّه إلى العالم المتفرّج. هناك اغتصاب المعتقلين الفلسطينيين وتعذيبهم، على اختلافهم، في جريمة حرب لا تميّز بين ضحاياها. ثم هناك الكلاب، هي نفسها مُعنَّفة، جرى تدريبها على اغتصاب الضحايا.
هناك المشنقة (على شكل دبابيس تُعلَّق على الياقات أو مطبوعة على قوالب كيك أعياد الميلاد) في انتظار الأعناق الفلسطينية. «حلمٌ يتحقق»، بالنسبة إلى وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. وقد أُقرّ «قانون عقوبة الإعدام للإرهابيين» الذي طرحه بأغلبية 62 مقابل 48 في الكنيست في 30 مارس. إنها تصميمٌ ذكيّ، هذه المشنقة؛ قلبٌ للشريط الأصفر الذي ارتداه المتضامنون مع الإسرائيليين، الذين احتجزتهم حماس رهائن في 7 أكتوبر 2023.
بدأتُ تدوينها لأنها بدت، في نظر شهودها المنهكين، تفاصيل متفرقة في إقليمٍ يعيش الحرب. تجتاحنا كعاصفة رملية هوجاء، تُبلّد الإحساس وتشتّت الفكر. لكنها لم تكن يوماً مجرد وقائع عابرة.. إنها جوهرية، بالمعنى الذي يكون فيه اغتصاب وقتل الفتاة البدوية في رواية عدنية شبلي «تفصيل ثانوي» أمراً جوهرياً. لا شيء عشوائياً، أو اندفاعياً، أو بلا قصد فيها. إنها التفاصيل التي تتكوّن منها المأساة الكبرى نفسها. خطيئةٌ أصلية من أربعة فصول. اقتلاعُ شعبٍ بأكمله، ثم، في حملات تنظيف النقب اللاحقة من عرب فلسطين، أسرُ فتاةٍ بدوية على يد الوحدة الإسرائيلية المكلّفة بمهمة التطهير. اغتصابُها على أيدي الجنود وقائدهم في الكوخ الذي صار سجنها. وأخيراً، محوُ الجريمة بالطريقة الوحيدة الممكنة لمحوها: قتلُ الفتاة ودفنُها في رمال الصحراء. لكن هذه الخطيئة لم تتوارَ يوماً في عتمة الليل الدامس. على امتداد العقود، ظلّت تتكرر في تمثيلات متعاقبة تُحاكي الشرّ الأصلي وتبتكر عليه. وفي القصة الحقيقية التي استلهمت منها عدنية شبلي روايتها، والتي كشفتها «هآرتس» عام 2003، اجتمع الجنود الإسرائيليون مساء أسر الفتاة البدوية. أعطاهم قائدهم خيارين: إما أن تُكلَّف الفتاة بالعمل في المطبخ، أو أن “يتناوبوا عليها”. فهتف معظمهم بصوت واحد: “نريدها لنا”.

بقدر ما اجتهد الإسرائيليون الأوائل في مواراة خطاياهم، يمعن هذا الجيل الأخير في التباهي بها. وبقدر ما كافح أسلافنا لاستخراج هذه التفاصيل الجوهرية، نكافح نحن اليوم لمجاراة سيلها

ومنذ ذلك الحين، وهم يهتفون بصوت واحد.
كان التستّر على الاغتصاب والقتل رديئاً بقدر رداءة دفن الفتاة في قبرٍ ضحل لا يتجاوز عمقه ثلاثين سنتيمتراً. كانت هناك محاكمة سرية، وأحكام، وبضع إدانات مخففة، ظلّت كلها لعقود حبيسة صندوق أسود. لم تكن الفظاعة استثناءً ولا فعلاً شاذاً. كانت خطيئة الجنود نسخةً مصغّرة من الخطيئة الصهيونية نفسها: فكما دُفن اقتلاع الفلسطينيين تحت ألف كذبة، دُفن أيضاً اغتصاب الفتاة البدوية وقتلها في أعماق الأرشيفات الإسرائيلية. لذلك بدا الأمر كما لو أنه مجرد تفصيل ثانوي، لكنه لم يكن كذلك قط. وكذلك ليست اليوميات التي تملأ دفاتري.
إن الجيل الإسرائيلي الأول، من دافيد بن غوريون إلى غولدا مائير وسواهما، يدرك تماماً أن مصير الفتاة البدوية، لو انكشف بوصفه نمطاً لا حادثة معزولة، كفيلٌ بأن يفكّ خيوط سردية صهيونية خرافية كانت تُنسَج بعناية من محض الخيال؛ سردية قامت عليها خدعة تاريخية استهدفت العالم الخارجي بقدر ما استهدفت أصحابها أنفسهم، ولكي تبقى إسرائيل، كان لا بد من دفن ما لا يُغتفر.
وبينما كنتُ أقلّب صفحات يومياتي، أخذتني الهوّة بين أولئك وخلفهم؛ بيننا وبين أسلافنا. فبقدر ما اجتهد الإسرائيليون الأوائل في مواراة خطاياهم، يمعن هذا الجيل الأخير في التباهي بها. وبقدر ما كافح أسلافنا لاستخراج هذه التفاصيل الجوهرية، نكافح نحن اليوم لمجاراة سيلها.
الحقيقة أن الزمن قاسٍ، ففي السنوات الأولى، كان بوسع الدولة اليهودية أن تنسج بسهولة ما كان العالم يتوق إلى تصديقه، لكن المشروع الصهيوني ازداد وقاحة، فيما أخذت ذرائعه تزداد خواءً، والعالم أقلّ رغبةً في التصديق. والآن يبدو الأمر، كما لو أن إسرائيل نفسها ضاقت ذرعاً بكل هذا التمويه. فهي تُغدق بسخاء بالكثير من الأدلة على جرائمها الحربية، فيما تدين بصورة انعكاسية الغضب الذي تستجرّه. نسمع تفسيرات كثيرة لهذا الانفلات الكامل لدى الإسرائيليين. في أقصى أحد الطرفين تقف العقيدة الصهيونية الفصامية التي ترى في الهيمنة شرطاً للبقاء. وفي الطرف الآخر، هياج دولة مسيانية تسابق الزمن لفرض وقائعها الاستيطانية على الأرض. وما يسند هذه التبريرات كلها، وما بينها من تبريرات أخرى، هو الاقتناع بأنه لن تكون هناك محاسبة، مهما تعاظم الاستهجان. لكن ما يتصاعد اليوم ليس سوى الارتجاج الأول للمحاسبة الآتية. ولم يبقَ سوى سؤالين: متى، وكيف سيكون شكلها؟
*كاتبة لبنانية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *