هذا الكتاب المهم الذي ألفه الإعلامي والسياسي الجزائري الكبير الأستاذ امحمد بوعزارة، لم ينبع من فراغ، ولكنه ثمرة مخاض تأليفي سابق له. فقد جاء بعد خبرة طويلة في مجال الكتابة ضمن مدونة الأستاذ امحمد بوعزارة العديدة والمتنوعة. وهو ما يؤهله لأن يكون منتجاً مهماً بغض النظر عن النوع الذي اختاره الكاتب له وجمع فيه بين الشهادة والسيرة الذاتية.
مجموعة من الصفات تفرض نفسها على قارئ الأستاذ محمد بوعزارة. الصفة الأولى، تتعلق بديناميكية الإنتاج الكبيرة، إذ هو في حركية دائمة وتأملات مستمرة في الذات والمجتمع، من خلال ما يكتبه من مقالات وشهادات وانطباعات. هو بهذا العمل، شاهد على العصر الجزائري والعربي وما يعانيه من مصاعب في تحولاته التاريخية، لأن مقالات الأستاذ امحمد بوعزارة لا تنشر في الصحافة الوطنية وحدها، ولكن أيضاً في الصحافة العربية، مما يجعل شعاع تأثيره ممتداً. فهو رجل مهني ومتمرس في الصحافة والإعلام عموماً؛ فقد تولى مديرية المحطة الجهوية للتلفزيون بورقلة، وترأس تحرير مجلة الشاشة الصغيرة في منتصف التسعينيات، في زمن الصمت والخوف. وهو ما أهّله لأن يكون واحداً من أهم الإعلاميين المنتجين فعلياً والمناقشين للتحولات الحاصلة في بلادنا وفي في محيطها العربي. الصفة الثانية لا تقل أهمية عن الأولى، وهي الوفاء لجيل سبقه وقدم للذاكرة الوطنية الكثير، مثلما فعل في هذا الكتاب تحديداً، إذ أهداه لمجموعة من الأساتذة الذين كان لهم الفضل في تعلمه. في الابتدائي تذكر جهود حسن لحضيري، والشيخ سعيدان، وأحمد كاتي، وصالح قراش، ومحمد المقراني، وآخرين. يضاف لهم معلموه في الثانوية من أمثال الشيخ محمد الصالح الصديق، وعبود عليوش، وعبد القادر يحياوي، كما لم ينس أساتذة الجامعة مثل الدكتور زهير إحدادن، والدكتور أبو القاسم سعد الله، والدكتور محفوظ قداش والدكتور سعد زهران، الدكتور الزبير سيف الإسلام، ومحمد فضيل، وأحمد بجاوي، هذا دون أن ينسى رجالات السياسة وعلى رأسهم عبد الحميد مهري، ومحمد الشريف مساعدية، وبوعلام بن حمودة الذي مثلوا جبهة التحرير في نقائها، كما يقول، وصفائها، الذين اختلف مع الكثير منهم ولكنه ظل وفياً لأفكارهم الكبرى، مثل: عبد العزيز بلخادم وعلي بن فليسي. فهم يشكلون النخبة الوطنية ثقافياً وسياسياً في تعدديتها وتنوعها. ولا ينسى أن يضيف إلى ذلك كله قراءاته التي شكلت سنداً ثقافياً وأدبياً وفكرياً له في فترة شبابه، ومنها روايات نجيب محفوظ، ويوسف السباعي، وإحسان عب القدوس، إضافة المجلات والجرائد المصرية التي كانت تدخل إلى الجزائر بكثافة في السبعينيات، ومقالات كبار الصحافيين، من أمثال فكري أباظة، مصطفى أمين، محمد حسنين هيكل، أنس منصور، صالح جودت وغيرهم من عمالقة الصحافة المصرية. لعبت الثقافة الأجنبية دوراً مهماً في تكوينه، فقد اطلع على كتابات أندري جيد، وهمنغواي، وبوشكين، وتولستوي. أعتقد أن المكونات التي استفاد منها الأستاذ بوعزة كانت قوية، ومهمة، ولها رؤية شمولية مهما كانت رؤانا السياسية والثقافية في الممارسات التي طبعت مساراتها. هذا كله لم يمنعه من إدراج نقده بين الأسطر ضد المؤسسة السياسية التي اخترقها من لا علاقة لهم بالفعل الثقافي والسياسي الوطني. في هذا السياق، يورد مثال الإعلامي الكبير المرحوم حراث بن جدو (مدير التلفزيون بالأبيض والأسود) من خلال طرفة موحية أترك الفرصة للقارئ لاكتشافها، بين حراث بن جدو وأحد وزراء الإعلام السابقين. يرفض بوعزارة أن يقفز على الذاكرة الجمعية مستعيداً لحظاتها المشعة ولحظاتها الرمادية التي آلت إليها في الكثير من الحالات.
قد يبدو اختيار الكتاب عنوانين لمؤلفه غريباً شيئاً ما، ولكنه يشرحه باستفاضة ويبرره. العنوانان يقودان نحو نفس الهدف في نهاية المطاف. نحن أمام حالة مشتركة شديدة الالتصاق ببعضها، وغير منفصلة. حتى ولو استفاض الأستاذ بوعزارة شرح آليات العنوانين، إلا أن الأمر يكاد يكون طبيعياً؛ فهو ابن هذه التحولات من داخل جبهة التحرير الوطني، فقد كان حضوره في الإعلام إذاعة وصحافة مكتوبة ومرئية كبيراً. وكان في خضم السياسية، وبرلمانياً ممثلاً لتيار إصلاحي داخل الجبهة. وهذا ساعد الكتاب على الخروج من حين لآخر من دائرة السيرة الذاتية الضيقة أو الشهادة الخاصة باتجاه تحولات ومسارات بلاد استطاع توصيفها بقوة في مختلف صورها الإيجابية والسلبية. والتنوع داخل النص الواحد صفة ثابتة عند الأستاذ امحمد بوعزارة؛ من السيرة، إلى الشهادة، إلى الكتابة التحليلية، لظاهرة أو لطبيعة الصراعات التي مست البلاد في العمق. تتضمن هذه الأفكار بعداً نقدياً ليس معلناً في كل الحالات، ولكنه يتجلى من بين السطور. من هنا تصبح الكتابة عند الأستاذ امحمد بوعزارة موقفاً حياً وتأملياً فعلياً. الصحافة كما يراها ليست تطبيلاً وتزميراً، ولكنها رسالة نبيلة تستحق الجهد الذي يبذله الإنسان لإيصالها إلى الآخرين، أما السياسة فهي فعل يتسم بالنبل وأحياناً بغير ذلك. فهي تكون مسبوقة بقصدية جماعية ليست فردية، أي خدمة المجتمع في تعدديته، وتقديم ما يستحقه، بالخصوص الحالة الجزائرية التي ما تزال قسوة الثورة والخراب الذي خلفه الاستعمار والضياع الهوياتي، حاضرة إلى اليوم في حياة الناس وتحتاج إلى عمل التزامي سياسي جبار. جراحات تحتاج إلى سياسة حقيقية ترتقها. ولا يغمض الكاتب، كما ذكرت سابقاً، عينيه عن السلبيات وربما كانت هذه الإشارات واحدة من نقاط القوة في هذا الكتاب، في نقد النخب الانتهازية التي تولت الحكم، واحتلت مناصب كثيرة، وركبت الجبهة من أجل مصالحها الخاصة. اللوبيات المالية التي تكونت عبر الزمن، لوبيات المال والمصالح التي انتهت إلى ميليشيات وعصابات أثرت على القرار السياسي للبلاد، لولا الحراك الذي هز عرشها الحراك (2019) لسارت بالجزائر نحو الهاوية. وكان الهدف من وراء ذلك أن تتوقف ما سمّاه الكاتب بـ «الصعلكة السياسية» والعودة إلى نظام الدولة بحفظ مؤسساتها واحترامها. وخص هذه المجموعات التدميرية بمساحات نقدية واسعة. والكتاب بهذا الشكل، أصبح وثيقة مفتوحة أمام القارئ الهدف من ورائها كشف ما خفي. وعندما لاحظ الكاتب والبرلماني السابق الأستاذ امحمد بوعزارة، سطوة الانتهازين (الغاشي) وتسلقهم داخل أجهزة الدولة، قدم استقالته بعد أن شغل دورتين برلمانيتين (1997-2002، 2007-2012) مهمتين في حياته وحياة البلاد.
لا ينسى الكاتب أن يعرج على الكثير من التفاصيل الحياتية الخاصة مثل علاقته بالبحر، واكتشافه له وهو ابن الرمال، وصيد الغزلان وبراري الصحراء. ويبدو أن الطرفة هي ملح الكتاب عبر كل مساراته. فقد استطاع هذا الصحراوي الفذ أن ينقذ طفلة من غرق أكيد، ليلى بنت أخت زوجة خاله ربيحة، ومنحها فرصة أن تعيش وهي اليوم أم لستة أولاد. كان ذلك في سنة 1916. كما تصدى في الكتاب لمزايا القراءة في تكوين الإنسان واهتمامه بالسياسة في وقت مبكر. ويذكر في هذا السياق رأياً للشيخ العلامة محمد الصالح الصديق، أطال الله في عمره، الذي كان أول مكتشفيه في سنة 1965 عندما قال له: سيكون لك شأن عظيم في السياسة. قادته قراءاته إلى اكتشاف شخصيات عظيمة جزائرية وعربية، مثلاً قصة أحمد رامي الذي ظل على حب أم كلثوم حتى وفاته. ذكرتني هذه القصة بقصة أخرى بين الشيخ القصبجي وأم كلثوم وكان عواداً عظيماً. جمدت أصابعه على عوده حتى وفاته لأنها رفضت أن تقاسمه عواطفها.
فقد بني الكتاب بطريقة فعالة وحيوية وجميلة من خلال التفاصيل الصغيرة التي تؤنسن الخطاب السياسي وتقربه من الناس. مثلاً قصته مع الباكالوريا وسقوطه في الدورة الأولى ونجاحه في الثانية على الرغم من عدم جدوى الشهادة. هذه المجموعة من التفاصيل الحياتية وغيرها منحت الكتاب مصداقية وذاتية تتقاطع مع مجتمع هو بدوره كان يعيش مخاضاً صعباً وعسيراً.