صفاء العربية ونقاؤها


من المهم الحفر – من المنظور الأنثروبولوجي- في تاريخ اللغة العربية في الجاهلية، للنظر في دور الإنسان العربي لإنضاج لغته المثلى، الذي تم ضمن عملية استصفاء ذائقي، ولساني بحت، من دون وجود أي شكل من الاغترار بلهجة ما أو الاحتقار للهجة ما. وكأن حاسة الإنسان العربي الجاهلي جعلته ينبذ ألفاظا مستقبحة، ولوازم لغوية مستهجنة، وتعبيرات مستوحشة؛ لتكون العربية -على حد قول عمر فرّوخ- دالة على اسمها المشتقة منه، وهو الإعراب، أو العروبة أو العروبية؛ أي الفصاحة والوضوح والبيان. من أجل ذلك، سمَّى العربُ أنفسهم عرَبا، وسمّوا سائر الأمم عَجما، أي لا يُفهم عنهم ما يقولون. فاللغة العربية من أقدم اللغات الحية، فليس ثمة في العالم لغة محكية أقدم منها، ولا تزال اللغة العربية تحتفظ بالإعراب تاما كاملا (في منطوقها الفصيح وكتابتها الصحيحة المشكولة)، كما كان شأن جميع اللغات قديما، أما معظم اللغات الأخرى، فقد فقدت الإعراب.
تظل طروحات الأنثروبولوجيا نظرية، وعند التطبيق على مجتمع ما، أو ثقافة ما، ستكون هناك رؤى مختلفة، فكل لغة لها خصيصة في تكوّنها. فعند تطبيق الأنثروبولوجيا اللغوية على مجتمع الجزيرة العربية قبل الإسلام، وقراءة حياة العربي في بادية الجزيرة العربية، وفي قراها ومدنها، وواقع الحياة، وتكوّن اللغة العربية، والنظر في كيفية انعكاسها على مفرداتها، ستتضح آفاق واسعة أمامنا، ستفيدنا حتما في فهم مسيرة المعجمية العربية، التي وصلتنا منذ تراثنا العربي، وما حملته من دلالات، سواء في بيئة تكوّنها، أو في مسيرتها الحضارية.

يقدّم عبد الرحمن بن خلدون في تاريخه صورة عن واقع الحياة في مجتمع الجزيرة العربية، التي تنهض دليلا يمكن قراءته في ضوء الأنثروبولوجيا اللغوية. ففي حقبة ما قبل الإسلام، اتسم بدو الجزيرة العربية «بالصبر والاحتمال، والقدرة على حمل الأثقال، لأن طعامهم هو لحوم الإبل، وألبانها، وتنشأ أمعاؤهم أيضا على نسبة أمعاء الإبل في الصحة والغلظ، فلا يطرقها الوهن ولا الضعف، ولا ينالها من مضار الأغذية ما ينال غيرها، فأهل البدو هم المنتحلون للمعاش الطبيعي، من الفلح والقيام على الأنعام، وأنهم مقتصرون على الضروري من الأقوات والملابس، والمساكن، وسائر الأحوال والعوائد، ومقصرون عما فوق ذلك، من حاجيّ أو كماليّ، يتخذون البيوت من الشعر والوبر أو الشجر، أو من الطين والحجارة غير منجدة، إنما قصد الاستظلال والكَنِّ، لا ما وراءه، وقد يأوون إلى الغيران (جمع الغار) والكهوف، أما أقواتهم فيتناولون بها يسيرا بعلاج أو بغير علاج البتة إلا ما مسته النار… والعرب أبعد نُجعةً وأشد بداوة، لأنهم مختصون بالقيام بالإبل فقط.. فجيل العرب طبيعي، لا بد منه في العمران»، علما أنه كانت هناك بقاع عمرانية في القرى والمدن العربية.

إننا إزاء جغرافيا شديدة القسوة، ألزمت ساكنيها الاكتفاء بالضروري، والعيش على حد الكفاف، فالتربة جافة إلا قليلا، والسماء شحيحة إلا يسيرا، والحجر صلد ثابت، والبشر متغيرون عليه، لأنهم في حالة تنقّل بحثا عن الماء والكلأ، فأينما وجدوا التربة مخضرَّة وسماءها ممطرة، توافدوا عليها، حتى إذا أصابها الجفاف، رحلوا عنها، تاركين ذكريات، يتغنى بها الشعراء، في مطالع قصائدهم، عندما يبكون على الأطلال.
صحيح أن البيئة قفراء، ولكن اللغة ثرية، والإبداع جزل، والشعر فوّار معبر عما تختزنه النفوس. رغم أن بدو الجزيرة العربية توزعوا في قبائل ما بين نجد والحجاز، واليمن ونجران، واليمامة والحيرة، وكل قبيلة لها لغتها الخاصة، ولكن القاسم المشترك لغويا هو العربية الفصيحة، وإن اختلف النطق، وتنوعت المفردات والدلالات.
ويعلل ابن خلدون نقاء اللسان العربي فيرجعه إلى الحياة في البادية العربية، حيث كانت عزلة القبائل سببا في توارث اللغة جيلا بعد جيل، دون فساد في اللسان، وينطلق في ذلك من نظريته عن اكتساب اللغة بكونها «ملَكة صناعية»، أي يتم تعلّمها من خلال وجود في الفرد في بيئة تعلّمه مهارات اللغة بشكل مباشر وبتطبيق عملي..»، فالمتكلم من العرب، حين كانت ملَكته اللغة العربية، موجودة فيهم؛ يسمع كلام أهل جيله، وأساليبهم في مخاطباتهم، وكيفية تعبيرهم عن مقاصدهم، كما يسمع الصبي استعمال المفردات في معانيها، فيلقّنها أولا، ثم يسمع التراكيب بعدها فيلقّنها كذلك، ثم لا يزال سماعهم لذلك يتجدد في كل لحظة، ومن كل متكلم، واستعماله يتكرر إلى أن يصير ذلك ملكة وصفة راسخة، ويكون كأحدهم.. وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع..، ثم فسدت هذه الملكة لمضر، بمخالطتهم الأعاجم». فما أروع أن ينشأ الطفل العربي في بيئة نقية اللسان، صافية المصدر.

فالبادية العربية كانت محضنا لغويا لكل أهلها، بحكم انعزال أبنائها في أعماق الصحراء، وندرة مخالطتهم لغيرهم، فظلت ألسنتهم على نقائها، وصفاء نطقها، وما فسدت إلا بارتحال القبائل بعد ذلك إلى بلاد الأعاجم، وكثرة المخالطة لغير العرب؛ وهذا ما يعلل إرسال أهل الحضر والمدن في الجزيرة العربية لأبنائهم إلى البادية، حتى يتعلموا الفروسية، والعربية، ويشتد عودهم في حياة الصحراء، وهذا في الجاهلية، واستمر الأمر بعد الإسلام، فقد كان الخلفاء الأمويون يستقدمون المؤدبين لأولادهم، فيروونهم شعر العرب، لتستقيم ألسنتهم، وتسلم من داء اللحن والعجمة، وربما أرسلوا أبناءهم إلى البادية ليسمعوا اللغة من مصدرها، ما دفع الرواة إلى الحرص على حفظ الشعر واللغة لنيل الحظوة عند أولئك الخلفاء، حيث كانت هناك قبائل عربية في الجزيرة، لم تهاجر، ولم تخالط الأعاجم، وحافظت على منطوقها اللغوي، وحياتها التقليدية الصحراوية، بكل جفافها، فكانت مقصدا لجامعي اللغة.

والعجيب أن قسوة الطبيعة أنتجت أخلاقا مضادة، لا تعرف بخلا، ولا غدرا، وإنما ظهرت سمات الشخصية العربية النموذجية في شخصية الفارس، الذي تفاخر بحريته وكرمه، وتعففه عند المغنم، وتغنى أيضا بنرجسيته، ومواجهته أعداء القبيلة، وقهرهم، وجعلهم يشربون الماء طينا، وقبيلته تشربه صفوا، وترنم بأبيات الصبابة، متغزلا بمحبوبته، مستخدما كثيرا من عناصر الطبيعة حوله: الحيوانات والطيور والنباتات، والشمس والقمر والنجوم؛ في بناء خياله الشعري. ومن الثابت في الدراسات اللغوية عن حقبة الجاهلية؛ أن هناك مجموعتين رئيسيتين عظيمتين من لغات العرب الباقية؛ إحداهما حجازية غربية، وتسمى أحيانا قرشية، والأخرى نجدية شرقية، أو كما تدعى تميمية.

تلك القسمة هي الحد الأدنى لتلك المجموعة الواسعة من لهجات القبائل التي كانت وحدات لغوية منعزلة، وإن ارتقت لهجة قريش، بفعل عوامل سياسية ودينية واجتماعية واقتصادية، لتصبح اللغة العربية الفصيحة المقصودة، ولم تكن في جميع حالاتها أقوى من لهجة تميم، ولكن القرشية كانت أغزرها مادة، وأرقاها أسلوبا، وأغناها ثروة، وأقدرها على التعبير الأنيق الدقيق الجميل، في أفانين القول المختلفة. وقد اصطنعت لهجة قريش وحدها في الكتابة والتأليف والشعر والخطابة، فكان الشاعر من غير قريش يتحاشى خصائص لهجته، ويتجنب صفاتها الخاصة، في بناء الكلمة وفي إخراج الحروف، وتركيب الجملة، ليتحدث إلى الناس بلغة ألفوها، وتواضعوا عليها، بعد أن أسهمت عوامل كثيرة في تهذيبها، وصقلها، بما يعني أن الزمن والمخالطة بين القبائل العربية كانا من عوامل الاصطفاء اللغوي، ويضاف لهما عامل الشعرية العربية التي كانت بمثابة اللغة الإبداعية والتواصلية الموحّدة بين القبائل، فكل من قال الشعر، ووجد استحسانا، وقبولا، فإن القبائل المرتحلة، والقوافل السائرة، ستنقل نصوصه الشعرية، في أنحاء الجزيرة.
ومن المنطقي – وفق علم الاجتماع اللغوي – وجود لهجات متباينة في الإقليم الواحد، فلكل أمة لغتها الخاصة، التي قد تكون لهجة لغوية، ثم تطورت، وفرضت نفسها على غيرها من اللهجات، التي صارعتها في المجتمع، وتقهقرت أمامها بقية اللهجات، حتى سادت وتركت لها المجال لتصبح لغة رسمية، وهو ما انطبق على لهجة قريش التي أضحت الفصحى المعتمدة نطقا، والأمر نتج عن تواصل لغوي وإبداعي، من دون هيمنة أو تسلط.

كاتب مصري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *