«العدالة والتنمية» يكشف عن لائحة مرشحيه للانتخابات المقبلة


الرباط – «القدس العربي»: وضع حزب «العدالة والتنمية» المشهد الحزبي المغربي أمام ضغط كبير بإعلانه المبكر عن اللائحة الكاملة لوكلاء ووكيلات لوائحه المحلية والجهوية، برسم الانتخابات المقررة في 23 أيلول/سبتمبر من هذا العام.

وقبل نحو أربعة أشهر من موعد الاقتراع، كشف الحزب الإسلامي عن أسماء مرشحيه لهذه الانتخابات التي يعوّل عليها في استعادة بريقه السياسي الذي فقده عام 2021، مما فتح الباب أمام قراءات مختلفة لتوجهات الحزب ومحاولة فهم الرهانات التي يطرحها في المشهد السياسي الحالي.
ويبدو أن أنصار الحزب ومنهم بعض مرشّحيه قد احتفوا بما وصفوه بـ «درس في الشفافية وديمقراطية التزكيات» الذي تم «بلا إتاوات ولا رشوة ولا محسوبية»، وفق تعبير الإعلامي والمحلل الاقتصادي سمير شوقي، في تدوينة على «فيسبوك».
وعلى الرغم من أن الصحافي المذكور أحد مرشحي الحزب في الدار البيضاء، بمعنى أن لديه كل الأسباب للدفاع عن «العدالة والتنمية»، فإن خطوة «العدالة والتنمية» جاءت في سياق المكاشفة والشفافية، خاصة أن العادة جرت في المشهد السياسي المغربي على أن تتأخر الأحزاب في الحسم في تزكياتها إلى الأسابيع أو الأيام الأخيرة التي تسبق فتح باب الترشيحات رسميا، بسبب كثرة الخلافات والصراعات الداخلية حول التزكيات.
ولوحظ في لائحة «العدالة والتنمية» غياب الأمين العام عبد الإله بن كيران عنها. ويرى بعض المحللين أن هذا الغياب، وإن كان متوقعا بالنظر إلى موقع الرجل كزعيم وقائد للمرحلة يفضّل الإشراف والتوجيه من موقع القيادة الحزبية، فإنه يحتمل قراءات مختلفة من حيث دلالته السياسية.
وكان بن كيران قد انتُخب نائبًا برلمانيًا عن في مدينة سلا المجاورة للعاصمة الرباط خمس مرات، خلال استحقاقات 1999 و2002 و2007 و2011 و2016. ودخلت الانتخابات سنة 2016 وفريق حزب «العدالة والتنمية» في مجلس النواب يبلغ 107 وخرج منها بـ 125 مقعدا.
يرى البعض أن غياب بن كيران عن انتخابات 2026، يمثل نوعا من الخوف من الفشل الانتخابي بعد تراجع مكانة حزبه خلال الانتخابات الأخيرة، لكن في تفسير أنصاره فإن عدم ترشح القيادي نفسه يعكس الرغبة في الدفع بأسماء ووجوه معروفة وأخرى شابة لتصدّر المواجهة المباشرة في الدوائر. بينما يعتبر آخرون أن هذا الغياب لا يقلل من الحضور الرمزي لبن كيران الذي يبقى لسان الحزب الأقوى والمحرك الأساس لخطابه السياسي طوال الحملة الانتخابية المقبلة.
وبخلاف غياب بن كيران، تظهر اللائحة رهانا على ما يصطلح عليه في الأدبيات السياسية بـ «الحرس القديم»، ومن بينهم وزراء سابقون وأسماء بارزة أخرى. وبحسب محللين، يتضح من خلال توزيع الدوائر المحلية أن الحزب قرر النزول بثقله القيادي كواجهة لمعركته الانتخابية. وفي هذا الإطار، تندرج إعادة ترشيح وزراء سابقين وأعضاء بارزين من الأمانة العامة في دوائر قوية، حيث يبرز اسم مصطفى الخلفي (وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة السابق) وكيلاً لدائرة «المحيط» في العاصمة الرباط، وهي الدائرة التي يصطلح عليها محليا بـ «دائرة الموت» بسبب التنافس الشديد فيها بين قادة الأحزاب، والتي عرفت سقوط أسماء بارزة، من بينها الأمين العام السابق للحزب نفسه، سعد الدين العثماني، في انتخابات عام 2021.
وقريبا من الرباط، رشح الحزب إدريس الأزمي الإدريسي (الوزير المنتدب المكلف بالميزانية سابقا، والرئيس السابق للمجلس البلدي لمدينة فاس) وكيلاً لدائرة «الصخيرات ـ تمارة»، ليغادر بذلك «العاصمة العلمية» إلى مدينة تقع في ضواحي العاصمة الإدارية. بينما حافظ عبد الله بووانو (رئيس المجموعة النيابية الحالية للحزب نفسه والرئيس السابق للمجلس البلدي لمدينة مكناس) على موقعه وكيلاً لدائرة «مكناس» (وسط البلاد)، وهي المدينة التي يترشح فيها عادة.
وتطل من اللائحة أيضا وجوه أخرى عُرفت بنشاطها المكثف في النقاش العمومي ومن بينها: أمينة ماء العينين التي تمت تزكيتها وكيلة للائحة المحلية في دائرة «عين الشق» بالدار البيضاء. كما يحضر المقرئ الإدريسي أبو زيد، البرلماني ذو التوجه الفكري والخطابي المعروف، وكيلاً لدائرة «الجديدة». وتضمنت اللائحة كذلك اسم عزيز هناوي (الناشط البارز والمناهض للتطبيع) وكيلاً لدائرة «سلا الجديدة». ما يعني أن ترشيح هذه الوجوه يعكس رغبة الحزب في الحفاظ على هويته وخطابه الرقابي المعهود.
ولم تخل اللائحة من «المفاجآت»، كما وصفها البعض، حيث حضرت وجوه إعلامية وفنية كانت محط أخبار وتعليقات كثيرة فور الكشف عنها، بما يجسد رغبة الحزب الإسلامي في الانفتاح على نخب وكوادر من خارج النواة التنظيمية الكلاسيكية. ومن بينها يبرز اسم سمير شوقي، الصحافي والمحلل الاقتصادي، الذي تم ترشيحه وكيلا لدائرة «الحي الحسني» في الدار البيضاء. وكذلك ترشيح فاطمة وشاي، الفنانة والممثلة المغربية المعروفة بمواقفها ومقاطعها المصورة التي تنتقد الظواهر الاجتماعية، والتي زكاها الحزب وكيلة للائحة الجهوية لجهة «الدار البيضاء – سطات».
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات الانتخابية، يرى ملاحظون أنه يمكن وضع هذا الإعلان المبكر عن اللائحة في سياق سعي الحزب إلى جعل «نظافة اليد» والمساطر التنظيمية الصارمة شعارًا سياسيًا رئيسيًا في هذه الانتخابات، مستفيدًا في ذلك من المقارنة الضمنية مع ملفات المتابعات القضائية التي طالت بعض منتسبي الأحزاب الأخرى في قضايا فساد مالي خلال السنوات الاخيرة.
ويبقى الحسم المبكر والسبق في إعلان اللائحة كاملة أحد عناصر القوة التواصلية لدى حزب «العدالة والتنمية»، رغم ما يمكن أن يقال بشأن بعض الأسماء المثيرة للجدل، أو حول تغيير المواقع الجغرافية لقياديين ونقلهم من دوائرهم القديمة إلى دوائر جديدة بعد تراجع تأثيرهم في مواقعهم الأصلية. لكن الأهم، بالنسبة إلى عدد من المراقبين، هو أن «إخوان بن كيران» جسدوا خطابهم بشأن «الشفافية» عمليا عبر الإعلان عن لائحتهم قبل نحو أربعة أشهر من موعد الاقتراع، وبذلك يدخلون غمار استحقاقات أيلول/سبتمبر 2026 بوجه مغاير يجمع بين نخبته التاريخية المعروفة، وجرأة نشطائه الإعلاميين، والامتداد الشعبي لبعض الوجوه الفنية.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *