نواكشوط –«القدس العربي»: أظهرت موريتانيا في إحيائها الذكرى الثالثة والستين لتأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، أبعاداً سياسية ودبلوماسية تجاوزت الطابع الاحتفالي التقليدي، نحو سعي لتثبيت حضورها داخل المشهد الإفريقي المتحول، بعد أشهر قليلة من انتهاء رئاستها الدورية للاتحاد الإفريقي خلال عام 2024.
وجددت الحكومة الموريتانية، في بيان صادر عن وزارة الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي، تمسكها بما وصفته «القيم المؤسسة للعمل الإفريقي المشترك»، وفي مقدمتها التضامن واحترام سيادة الدول وتعزيز التعاون والتكامل بين البلدان الأعضاء، مؤكدة أن موريتانيا ما تزال تعتبر نفسها جزءاً من المشروع الوحدوي الإفريقي الذي انطلق منذ تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية في 25 أيار/مايو 1963. «يوم إفريقيا» هذا العام في ظرف إقليمي ودولي شديد التعقيد، حيث تواجه القارة أزمات متداخلة تشمل تصاعد التهديدات الأمنية في منطقة الساحل، واستمرار الحروب والنزاعات الأهلية، والانقلابات العسكرية، إضافة إلى التحديات الاقتصادية المرتبطة بالديون والتضخم والتغير المناخي وشح الموارد المائية.
وفي هذا السياق، بدا البيان الموريتاني أقرب إلى قراءة سياسية لموقع البلاد داخل القارة، منه إلى مجرد خطاب بروتوكولي بالمناسبة، خصوصاً مع تركيزه على ما اعتبره «الجهود النوعية» التي بذلتها نواكشوط خلال رئاستها للاتحاد الإفريقي بقيادة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني.
وأكد البيان أن موريتانيا ساهمت خلال تلك المرحلة في «تعزيز حضور القارة وتوحيد مواقفها تجاه التحديات المشتركة ودعم السلم والاستقرار وإعطاء زخم جديد لأولويات التنمية والاندماج القاري»، وهي عبارات تعكس رغبة رسمية في تقديم التجربة الموريتانية باعتبارها نموذجاً للدبلوماسية الهادئة والتوازن السياسي داخل فضاء إفريقي يشهد استقطابات متزايدة.
ويرى متابعون لهذا الشأن أن نواكشوط تحاول منذ سنوات تكريس موقعها كحلقة وصل بين أقاليم المغرب العربي وغرب إفريقيا والساحل، مستفيدة من موقعها الجغرافي وعلاقاتها المتوازنة مع مختلف القوى الإقليمية والدولية، إضافة إلى نجاحها النسبي في الحفاظ على الاستقرار الأمني مقارنة بعدد من دول الجوار الساحلي.
ويكتسب هذا التوجه أهمية أكبر في ظل التحولات العميقة التي تشهدها منطقة الساحل، حيث تتراجع أدوار قوى دولية تقليدية، بينما تتصاعد المنافسة الدولية على النفوذ والموارد والممرات الاستراتيجية، في وقت تبحث فيه دول المنطقة عن نماذج جديدة للشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية.
كما حرص البيان الموريتاني على إبراز التمسك بالاتحاد الإفريقي وأجندته الاستراتيجية 2063، التي تحمل شعار «إفريقيا التي نريد»، باعتبارها الإطار الجامع لتحقيق التنمية والاندماج الاقتصادي والسلم داخل القارة.
وتعتبر أجندة 2063 واحدة من أكثر المشاريع الطموحة في تاريخ العمل الإفريقي المشترك، إذ تراهن على تحويل إفريقيا إلى فضاء اقتصادي متكامل، وتعزيز البنى التحتية القارية، وتحقيق الاكتفاء الغذائي، وتطوير التجارة البينية، فضلاً عن دعم الديمقراطية والحكم الرشيد.
وفي بيان أصدره رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، محمود علي يوسف، بمناسبة يوم إفريقيا 2026، شدد المسؤول الإفريقي على أن القارة «تحتفل بثلاثة وستين عاماً من الوحدة والاندماج والتنمية»، مؤكداً أن المناسبة ليست مجرد احتفال رمزي، بل فرصة لتجديد الالتزام بأهداف أجندة 2063 وبناء «إفريقيا التي نريد».وأشار المسؤول الإفريقي إلى أن القارة باتت تكتسب حضوراً متزايداً في الساحة الدولية، مستشهداً بالحصول على العضوية الدائمة للاتحاد الإفريقي داخل مجموعة العشرين، وهو ما اعتبره «محطة تاريخية» تتيح لإفريقيا المشاركة بصورة أكبر في صياغة القرارات الاقتصادية العالمية والمساهمة في معالجة قضايا المناخ والأمن الغذائي والتنمية المستدامة.
كما أكد أن القارة ما تزال موحدة في مطالبتها بإصلاح النظام الدولي، وخاصة مجلس الأمن الدولي، من أجل تصحيح ما وصفه بـ»الظلم التاريخي» الذي تعاني منه إفريقيا داخل منظومة الأمم المتحدة.وفي بعد رمزي آخر، أشاد رئيس المفوضية الإفريقية بتصاعد النقاش العالمي حول العدالة التعويضية والإرث التاريخي للاستعمار والعبودية، منوهاً بالجهود التي تقودها غانا داخل الأمم المتحدة لإعادة طرح ملف التعويضات التاريخية على المستوى الدولي.
كما حمل البيان الإفريقي إشارات تعكس تنامي الثقة الإفريقية بالذات، حيث أشار إلى مشاركة تسعة منتخبات إفريقية في نهائيات كأس العالم المقبلة، وهو الرقم الأعلى في تاريخ القارة، معتبراً ذلك دليلاً على صعود الجيل الإفريقي الجديد واتساع الحضور الإفريقي في المشهد العالمي.
وفي لفتة تعكس التحول المتزايد نحو قضايا البيئة والمناخ، نوهت موريتانيا بموضوع سنة 2026 داخل الاتحاد الإفريقي، والمتعلق بضمان التوفر المستمر للمياه وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063.
ويعكس اختيار هذا الملف إدراكاً إفريقياً متنامياً بأن الأمن المائي أصبح واحداً من أخطر التحديات المستقبلية في القارة، خصوصاً في مناطق الساحل والقرن الإفريقي التي تواجه موجات جفاف متكررة وتراجعاً في الموارد الطبيعية، مع ما يرافق ذلك من نزاعات اجتماعية وهجرات داخلية وضغوط اقتصادية.
وتتلاقى هذه الرؤية مع الخطاب الإفريقي الجديد الذي يربط بين المياه والتنمية والاستقرار، ويعتبر أن قضايا المناخ لم تعد ملفات بيئية منفصلة، بل تحولت إلى عنصر أساسي في الأمن القومي الإفريقي.
كما استحضر البيان الإفريقي روح «أوبونتو» الإفريقية الشهيرة، والتي تقوم على فكرة «أنا موجود لأننا موجودون»، باعتبارها فلسفة تؤسس للتضامن والتعاون الإنساني في عالم يتجه نحو مزيد من الاضطراب والانقسام.
ورغم الخطاب الوحدوي المتفائل، يقر مراقبون بأن القارة لا تزال تواجه تحديات معقدة، أبرزها الإرهاب في الساحل، والأزمات السياسية، وضعف البنى الاقتصادية، والتبعية للخارج، إضافة إلى التنافس الدولي الحاد على الثروات الإفريقية.
لكن، وبرغم تلك التحديات، تبدو موريتانيا حريصة على استثمار رصيدها الدبلوماسي الأخير داخل القارة لتعزيز صورتها كفاعل إفريقي معتدل وقادر على لعب أدوار توافقية في منطقة تتزايد فيها الأزمات والتجاذبات.
واختتمت الحكومة الموريتانية بيانها بشعار «عاشت إفريقيا حرة مزدهرة… عاشت الوحدة الإفريقية»، في استعادة لروح المشروع الوحدوي الإفريقي الذي ما يزال، رغم التحديات والانقسامات، يمثل أحد أبرز الأحلام السياسية في تاريخ القارة السمراء.