طهران-«القدس العربي»: مع بداية الحرب الإسرائيلية-الأمريكية ضد إيران، أصبح لافتاً للانتباه في شوارع طهران شيء أكثر من أي شيء آخر، وهو اللافتات والصور الضخمة التي تُنصب في عدد من الساحات الرئيسية والمزدحمة في العاصمة، والتي تتغير كل بضعة أيام، إلى جانب كتابة الشعارات المناهضة للولايات المتحدة وإسرائيل، والداعمة للجمهورية الإسلامية وحربها وصمودها ضد «الأعداء»، إلى جانب شعارات كُتبت أيضاً ضد والإمارات وبريطانيا وغيرها على جدران سفارات هذه الدول، بسبب موقفها من الحرب الأخيرة ضد إيران.
تقوم مؤسسات حكومية بتصميم هذه الصور الكبيرة وطباعتها، ثم تُنصب بالتعاون مع بلدية طهران. وتعكس هذه الجداريات العملاقة التحولات السياسية في إيران.
وتتغير هذه الصور وتُحدَّث بالتزامن مع التطورات السياسية والحرب؛ فمن مقتل المرشد آنذاك علي خامنئي إلى اختيار ابنه مجتبى خامنئي مرشداً جديداً، ومن إغلاق مضيق هرمز إلى الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيّرة، يمكن مشاهدة كل هذه التطورات في اللافتات والصور الضخمة المنتشرة في شوارع طهران. وتُعد هذه الصور، إلى حدّ ما، تعبيراً عن موقف إيران خلال الحرب والهدنة التي أعقبتها.
في إحدى هذه الجداريات في ساحة «ولي عصر» بطهران، تظهر صورة للرئيس الأمريكي ترامب، وقد صُوِّر فمه على هيئة الخليج وبحر عُمان، لكن عند منطقة مضيق هرمز يبدو الفم مخيطاً ومغلقاً. والمعنى المقصود هو أن إيران، عبر إغلاق مضيق هرمز، قد أغلقت فم ترامب. وكُتب على هذه الجدارية بالفارسية: «به تنگ آمده» (مغلق أو مختنق). ولهذه الجملة معنيان: الأول يشير إلى إغلاق مضيق هرمز، والثاني يعني أن ترامب وقع في ضيق ومأزق وهو تحت الضغط.
وقد نُصبت هذه الجدارية في ساحة «ولي عصر»، وهي واحدة من أكبر وأهم ساحات وسط طهران، والتي تشهد كل ليلة تجمعات كبيرة لأنصار ومؤيدي النظام والمرشد الجديد. ففي كل ليلة يجتمع عدد كبير من الناس في هذه الساحة مرددين شعارات تعلن دعمهم للجمهورية الإسلامية الإيرانية والقوات العسكرية والمرشد الجديد.
توجد أهم وأكبر الجداريات في طهران، التي تتغير باستمرار واكتسبت أهمية كبيرة خلال فترة الحرب وما بعدها من هدنة، في ساحة «ولي عصر» وساحة «انقلاب» (الثورة الإسلامية) وساحة «فاطمي»، وجميعها تقع في وسط طهران.
وأمام الجدارية العملاقة في ساحة ولي عصر تُقام فعالية «حمل العلم». وفي هذه الفعالية يُرفع علم ضخم على مدار الساعة بواسطة شخص واحد. ويقوم أشخاص مختلفون متطوعون بالتسجيل المسبق لحمل العلم لفترة زمنية محددة، مثل ساعة أو ثلاثين دقيقة، حيث يقفون ممسكين به ومُبقينه مرفوعاً. ويستمر هذا الوضع طوال الأربع والعشرين ساعة يومياً، إذ يسجل المتطوعون مسبقاً لحمل العلم في ساعات مختلفة.
بعد اختيار وتقديم مجتبى خامنئي بوصفه المرشد الجديد، نُصبت جدارية في ساحة «انقلاب». وتُظهر الجدارية صورة غرافيكية للمرشد الجديد، إلى جانب قادة الجيش والحرس الثوري في غرفة الحرب. وكُتب إلى جانب الجدارية: «بار دگر خامنه ای شد ولی – تا در خیبر شکند چون علی» (أصبح خامنئي من جديد ولياً لكي يكسر باب خيبر كالإمام علي). وهي إشارة إلى قيام الإمام علي بتحطيم باب حصن خيبر اليهودي في صدر الإسلام.
وفي الآونة الأخيرة أُقيم أيضاً في ساحة «انقلاب» حفل توديع لاعبي المنتخب الإيراني قبل سفرهم إلى الولايات المتحدة للمشاركة في كأس العالم لكرة القدم. وبهذه المناسبة نُصبت جدارية ضخمة في هذه الساحة. وتُعد جدارية ساحة «انقلاب»، التي تبلغ مساحتها 1400 متر مربع، أكبر جدارية في إيران. وتُظهر صورة صف لاعبي المنتخب الوطني لكرة القدم وهم يؤدون التحية العسكرية بأيديهم. وفي مقدمتهم يظهر أمير قلعه نويي، مدرب المنتخب الإيراني، وهو يتسلم علم الجمهورية الإسلامية الإيرانية من فتى يافع، بينما تُرى خلفه حشود كبيرة من الإيرانيين يحملون الأعلام الإيرانية.
وقد أُعدّت هذه الجدارية ونُصبت من قبل «منظمة الدعاية الإسلامية»، وهي مؤسسة تعمل تحت إشراف المرشد الأعلى، ويُعيَّن رئيسها من قِبله، وتختص بالترويج للقضايا والموضوعات الإسلامية.
إضافة إلى ذلك، تُنصب أيضاً جداريات في ساحة «فلسطين» بطهران، لكنها – مقارنة بغيرها – تتغير عادة بفواصل زمنية أطول. ومن إحدى أقدم وأشهر اللوحات الجدارية في طهران تلك الموجودة على جدران مبنى السفارة الأمريكية السابق في طهران، والتي تتضمن رسومات مناهضة لأمريكا وتصور هزيمة الجيش الأمريكي.
وفي جدارية أخرى يظهر شعار الجمهورية الإسلامية، وفي مركزه صاروخ. وخلال الحرب التي استمرت 12 و40 يوماً، تواصلت الهجمات الصاروخية الإيرانية بلا توقف. ويعتبر مسؤولو الجمهورية الإسلامية القدرات الصاروخية الإيرانية أحد الجوانب الدفاعية المشرِّفة والناجحة لإيران.
وفي جدارية أخرى تظهر عدة طائرات مسيّرة انتحارية من طراز «شاهد» الإيرانية وهي تستهدف وتحطم رمز نجمة داوود (رمز إسرائيل)، في تصوير للهجمات المسيّرة الإيرانية ضد إسرائيل.
أما جدارية أخرى فتشير إلى التجمعات الشعبية الداعمة للجمهورية الإسلامية والدولة والمرشد الجديد، حيث يظهر أناس يحملون أعلام الجمهورية الإسلامية وصور المرشد الراحل، الذي استُهدف في الهجمات الإسرائيلية خلال الأيام الأولى من الحرب التي استمرت أربعين يوماً.
وفي جدارية أخرى يمكن رؤية قبضات مشدودة، تتوسطها صورة علي خامنئي، المرشد السابق، وهو يقبض يده. وكانت قبضة يد علي خامنئي المشدودة معروفة. كما أن ابنه، المرشد الجديد، قال في إحدى رسائله إنه عندما رأى جثمان والده كانت قبضته ما تزال مشدودة.
وفي جدارية تتعلق بمضيق هرمز والخليج، يظهر عدد من الجنود الإيرانيين وهم يمسكون بشبكة صيد تشبه شكل الخليج وبحر عُمان، وقد علقت فيها سفن وطائرات مسيّرة ومقاتلات للعدو. وكُتب أعلى الصورة: «سيبقى مضيق هرمز مغلقاً».
جدير بالذكر أنه كانت هناك منذ السابق جداريات شهيرة في مناطق مختلفة من طهران. ففي الماضي كانت تُنفذ على هيئة رسوم جدارية تبقى لسنوات طويلة وما زالت موجودة حتى اليوم. أما في السنوات الأخيرة فأصبحت تُطبع على ألواح بلاستيكية ضخمة ويتم تغييرها كل أسبوع أو أسبوعين.
وقد رُسمت أولى الجداريات في طهران عقب اندلاع الحرب العراقية ضد إيران عام 1980، وكانت تتضمن صوراً للجنود الإيرانيين و»شهداء» الحرب، وخاصة القادة العسكريين الذين قُتلوا فيها.
وفي الوقت نفسه، كانت بعض الجداريات الأخرى مخصصة لمسؤولين بارزين في الجمهورية الإسلامية قُتلوا في عمليات اغتيال أو أحداث مختلفة خلال العقد الأول من عمر الجمهورية الإسلامية. ومنهم «محمد بهشتي»، رئيس المحكمة العليا (السلطة القضائية)، الذي قُتل في تفجير بالقنابل 28 يونيو/حزيران 1981، وتظهر صورته في ساحة «هفت تير» وسط طهران. وقد سُمّيت الساحة بهذا الاسم نسبة إلى ذكرى يوم الانفجار.
وكذلك محمد علي رجائي ومحمد جواد باهنر، رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء آنذاك، اللذان قُتلا في تفجير مكتب رئاسة الجمهورية في هجوم بالقنابل 30 أغسطس/آب 1981.
وفي أنحاء متفرقة من طهران يمكن أيضاً مشاهدة جداريات للإمام الخميني، قائد ثورة عام 1979 التي أطاحت بحكم الشاه، ومؤسس الجمهورية الإسلامية وأول مرشد لها، إلى جانب علي خامنئي، المرشد الثاني. ومن ذلك جدارية قرب ساحة «انقلاب» يظهر فيها الخميني وعلي خامنئي على جانبي الصورة، بينما تتوسطها مجموعات من قوات الباسيج وصفوف المعزين في «عاشوراء» ومقتل الإمام الحسين.
ومن أقدم وأشهر الجداريات في طهران تلك الموجودة على جدران مبنى السفارة الأمريكية السابقة في طهران، والتي أصبحت الآن تحت سيطرة الحرس الثوري وقسمه الطلابي. وتصف السلطات الإيرانية السفارة الأمريكية السابقة بأنها «وكر التجسس الأمريكي السابق». وعلى جدران المبنى يمكن رؤية رسومات وشعارات مناهضة للولايات المتحدة وتُظهر هزيمة الجيش الأمريكي.