«الشمس تشرق أيضا».. بعد مئة سنة


حادثة سرقة تتكرر مثيلاتها كل يوم، نتج عن تداعياتها أثر أدبي خالد ترك بصمته العميقة على أدب القرن العشرين. أصل الحكاية أن هادلي ريتشاردسون زوجة صاحب نوبل أرنست همنغواي، أرادت الالتحاق بزوجها في سويسرا لقضاء عطلة عيد الميلاد معه سنة 1922، وفي محطة القطار الباريسية تركت حقيبتها للحظة لتشتري زجاجة ماء، وفي لمح البصر اختفت الحقيبة تماما، سرقة عادية تحدث كثيرا لكن غير العادي أن الحقيبة كانت تحوي مسودة أول رواية لهمنغواي مع عشرات القصص والقصائد في نسختيها الأصلية والكربونية معا، أي تاريخ همنغواي الأدبي كاملا حتى سن الثالثة والعشرين من عمره.

وصف همنغواي فقدان حقيبته بأنه يشبه بتر أحد أطرافه، وانعكست هذه الحادثة على زواجه فلم يغفر لهادلي خطأها أبدا، رغم أنه كان يظهر لها عكس ذلك حتى انتهت علاقتهما بالطلاق بعد ذلك بسنوات.
انصرف همنغواي بعد هذا الفقد المادي لتاريخه الأدبي كما قال، إلى فقد من نوع آخر مع مجموعة من أصدقائه الأمريكيين والإنكليز المغتربين في باريس، ما بين حانات باريس ورحلة مثيرة إلى مهرجان «سان فيرمين» لمصارعة الثيران في بامبلونا الإسبانية برفقة هادلي قبل انفصالهما، واتخذ همنغواي من رفاق رحلته «فئران تجارب» أدخلهم مختبره الروائي، ليكتب واحدة من أهم روايات القرن العشرين «The Sun Also Rises» التي اختلف العرب في ترجمة عنوانها -كاختلافهم في كل شيء- ما بين «ولا تزال الشمس تشرق» و»سوف تشرق الشمس» و»الشمس تشرق أيضا» و»الشمس تشرق من جديد» وللمترجمين في عناوينهم شؤون.

كانت رواية «الشمس تشرق أيضا» التي نشرها همنغواي سنة 1926 ـ وهذه السنة تحلّ ذكراها المئوية – قطيعة بين طريقته السابقة في الكتابة وولادته الجديدة، ففيها ظهر أول مرة أسلوبه المعروف بالجبل الجليدي، الذي انتهجه طول حياته، حيث ابتعد عن الأسلوب الزخرفي والجمل البلاغية الممطوطة، وأصبح يميل إلى الاقتصاد اللغوي والتكثيف والجمل القصيرة الحادة والإيحاء بدل الشرح، وكأنه يكتب بالحذف أكثر من تعبيره بالكلمات، لخص ذلك في ما بعد بقوله «إذا كان الكاتب يعرف ما يكتبه جيداً، يمكنه أن يحذف أشياء كثيرة مما يعرفه، والقارئ سيشعر بها كما لو كان الكاتب قد قالها».

وقد أثر أسلوبه هذا بعد ذلك في أجيال من الكتاب الأمريكيين والأوروبيين، لذلك لم يكن عجيبا أن هذه الرواية التي كتبها همنغواي في شقته الباريسية في ستة أسابيع فقط واقفا كما هي عادته في الكتابة، ليس عجيبا أن تتحول إلى أيقونة أدبية أحدثت أثر الفراشة في الأدب العالمي. رغم أنها أغضبت بعض أصدقائه الذين وجدوا أنفسهم مصوَّرين في أحداثها، فروبرت كوهن مثلا أحد أبطال الرواية ليس سوى صديقه الكاتب هارولد لوب، الذي رفع قضية تشهير ضد همنغواي ولم يسامحه طوال حياته بسبب القسوة التي صُوّر بها في الرواية.

ترسم «الشمس تشرق أيضا» لوحة دقيقة ومعقدة لجيل خرج من الحرب العالمية الأولى سليم الجسد نسبيا لكنه معطوب الروح، مثقل بالفراغ والخيبة واللامعنى، «يضحك كثيراً كي لا يسمع صوت انهياره الداخلي»، يُغرق نفسه في الملذات التي كانت باريس تتيحها آنذاك ويُسكت أوجاعه بصخب الحانات الغارقة في الدخان، فنلتقي في بداية الرواية بالصحافي الأمريكي «جيك بارنز»، الجندي السابق الذي يحمل في جسده جرحاً حربياً غائراً جرّده من فحولته، ويحمل في قلبه حباً مستحيلاً لـ»الليدي بريت آشلي» تلك المرأة البريطانية المتحررة الجميلة والممزقة، التي تبادله حبا عاجزاً عن التحقق بسبب عاهته، فتتنقل «بريت» بين الرجال باحثة عن معنى لا تجده، من خطيبها السكير مايك كامبل، إلى روبرت كوهين الكاتب الحالم الذي يتعلق بها بعاطفة عمياء.

يعيش بارنز وبريت ضمن دائرة من المغتربين والمنفيين الذين يداوون خيباتهم بالترحال والسهر الطويل والشراب الذي لا ينقطع. ثم تنتقل المجموعة لحضور مدينة بامبلونا الإسبانية لحضور مهرجان «سان فيرمين» لمصارعة الثيران، وهناك تنفجر المشاعر المكبوتة فتقع بريت في شباك «بيدرو روميرو» مصارع الثيران الشاب ابن الـ19 عاماً، الذي يمثل النقاء والشجاعة الفطرية، وكل ما افتقده ذلك الجيل الضائع. وتحتدم بين المجموعة الصراعات وتنهار الصداقات تغذيها تلك الغيرة فتهرب بريت مع المصارع الشاب، بينما يلعب بارنز دور العرّاب الذي يراقب تفتت الجميع من خلف ستار صمته، مثل أب عاجز يدفع أبناءه المدمرين نحو مصيرهم.

سمى أرنست همنغواي روايته أول الأمر «فييستا» أي احتفال بسبب أجواء الاحتفالات في مهرجان بامبلونا، لكنه استقر على عنوانها الحالي باقتراح من ناشره وقد استمده من اقتباس من سفر الجامعة أحد أسفار العهد القديم جاء فيه «جيل يمضي وجيل يأتي والأرض باقية إلى الأبد. تشرق الشمس أيضا وتغرب وتعود مسرعة إلى حيث أشرقت». وصدّر الرواية بوصف سمعه من صديقته الكاتبة غرترود شتاين حين قالت عنه وعن أصحابه يوما بأنهم جيل ضائع، فتبنى همنغواي المصطلح، وحوّل ضياعه وضياع جيله إلى تجربة جمالية، فهذا الجيل الذي فقد إيمانه بالمبادئ والدين والوطنية، بعد أهوال الحرب العالمية الثانية، وبالغ في الشرب لنسيان مواجعه، والسفر للهروب من فراغه الروحي، كتب همنغواي هواجسه وتشوهاته النفسية ورجولته المهشمة (التي جعل من بارنز العاجز أمام متطلبات بريت الجسدية نموذجا له).

وفي عبارة إعجازية لخص همنغواي الانهيار النفسي والحضاري لجيل كامل، فحين يسأل جيك صديقه «كيف أفلست؟» يجيبه «بطريقتين: تدريجيا ثم فجأة»، وقد أصبحت هذه العبارة في ما بعد من أكثر الاقتباسات تداولا في الأدب الأمريكي. وبلغ من تأثير شخصيات الرواية على الشباب الأمريكي خاصة النساء أن أصبحت بريت ملهمة للصبايا فقصصن في جميع أنحاء أمريكا شعورهن على طريقتها، أي قصة شعر قصيرة، وارتدين ثيابهن بأسلوب صبياني معتمد على عناصر الموضة الرجالية، دلالة على التمرد ورفض الأنوثة على الطريقة الفيكتورية، فقد ساهمت الرواية في تعميم صورة المرأة العصرية المستقلة من خلال الليدي بريت آشلي.

في مقابل هذا الجيل الضائع الذي جعل همنغواي من باريس مسرحا عبثيا له، يستغل الروائي هوسه برياضة مصارعة الثيران التي كان يعتبرها طقسا فلسفيا قائما على الشجاعة والموت والكرامة، وينقلنا إلى مسرح آخر هو مدينة بامبلونا حيث الجيل الجديد ممثلا في المصارع روميرو الذي لم يبلغ العشرين بعد، فهو ليس مجرد شاب وسيم يثير إعجاب بريت آشلي، بل يمثل النقاء والقوة الداخلية التي فقدها جيل ما بعد الحرب. يتحرك بثقة وهدوء، بينما يعيش الآخرون في فوضى عاطفية دائمة. هو المعادل الموضوعي المكتمل الرجولة في مقابل جيك بارنز الراوي الجريح جسديا ونفسيا، لهذا فإن انجذاب بريت إلى روميرو لا يحمل بعدا عاطفيا فقط، بل يكشف توق الشخصيات إلى استعادة شيء مفقود من المعنى والاكتمال.

لذلك تحمل مصارعة الثيران في الرواية دلالات أعمق تتصل بالصراع الأبدي بين الحياة والموت. فالثور ليس مجرد حيوان هائج، بل رمز للقوة البدائية والطبيعة الجامحة، بينما يمثل المصارعُ الإنسانَ الذي يحاول أن يفرض النظام والجمال على الفوضى، ولهذا تتحول الحلبة عند همنغواي إلى مسرح أسطوري يختبر فيه الإنسان قدرته على الاحتمال. وفهم رمزية مصارعة الثيران هو المفتاح الحقيقي لفهم رواية «الشمس تشرق أيضا» فالحلبة ليست مجرد مكان داخل الرواية، بل هي مركزها الروحي والفلسفي، حيث تتقاطع الأسئلة الكبرى عن الحب، والموت، والرجولة والضياع. لقد أدرك همنغواي أن الإنسان الحديث، بعد أهوال الحرب، لم يعد يملك يقينا دينيا أو أخلاقيا ثابتا، ولذلك بحث عن معنى جديد في لحظة المواجهة نفسها. وهكذا تحولت مصارعة الثيران في الرواية إلى طقس وجودي يكشف هشاشة البشر، لكنه يكشف أيضا قدرتهم النادرة على الوقوف بشجاعة في وجه الشمس وهي تغرب ثم تشرق من جديد.

يختتم همنغواي روايته بقفلة عدّها النقاد واحدة من أجمل خواتيم الروايات، فحين تقول بريت لجيك بحسرة: «أوه، جيك.. كان يمكننا أن نقضي وقتاً رائعاً معاً»، يجيبها جيك بالجملة الختامية الشهيرة للرواية:»نعم.. أليس من الرائع التفكير في ذلك؟»، إنها ليست مجرد إجابة عابرة، بل هي إعلان موتٍ لتلك اليوتوبيا التي تمنياها معاً. إنها الاعتراف المر بأن الجرح أعمق من أن يلتئم، وأن بعض الحكايات لا تكتمل لأنها ولدت أصلاً من رحم الانكسار. هكذا تشرق الشمس دائماً، وتستمر الحياة، لكنها تترك وراءها بشراً يقتاتون على مجرد «روعة التفكير» في ما كان يمكن أن يكون.

شاعرة وإعلامية من البحرين



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *