مراكز قيادة وإمداد قوات “حميدتي” في مرمى نيران الجيش… ما المواقع المستهدفة؟


الخرطوم – “القدس العربي”: في وقت يواصل فيه الجيش السوداني تكثيف طلعاته الجوية في إقليم دارفور، غرب البلاد، نفذ الطيران الحربي غارات جوية جديدة استهدفت مواقع تابعة لقوات الدعم السريع في مدينتي الضعين في ولاية شرق دارفور والجنينة بولاية غرب دارفور، سبقتها ضربات مكثفة على مدينة نيالا خلال اليومين الماضيين.

وأفادت مصادر محلية بسماع دوي انفجارات قوية في أكثر من منطقة داخل المدينتين، مع تصاعد أعمدة الدخان في بعض الأحياء الطرفية. وقالت مصادر عسكرية لـ”القدس العربي” إن الغارات التي نفذت على الضعين والجنينة تركزت على مواقع تضم تجمعات عسكرية ومخازن إمداد، مشيرة إلى أن هذه الاستراتيجية تعتمد على ضرب مراكز القيادة والإمداد أكثر من المواجهات البرية المباشرة، في ظل صعوبة العمليات الأرضية واتساع رقعة الانتشار العسكري.

تعكس الضربات الأخيرة، وفق مراقبين، استمرار تحول الحرب في السودان إلى نمط يعتمد بشكل متزايد على التفوق الجوي والطائرات المسيرة

وتعكس الضربات الأخيرة، وفق مراقبين، استمرار تحول الحرب في السودان إلى نمط يعتمد بشكل متزايد على التفوق الجوي والطائرات المسيرة، في ظل تعقد المعارك البرية وتغير خطوط السيطرة بشكل مستمر بين الطرفين. كما تشير إلى توسع رقعة العمليات لتشمل معظم مدن دارفور التي كانت تخضع لمنظومة تأمين وتشويش حديثة حيدت الطيران الحربي للجيش لأكثر من عامين، بما فيها نيالا والضعين والجنينة، التي باتت تشكل مراكز ثقل عسكري رئيسية لقوات الدعم السريع.

ويأتي هذا التطور بعد يومين من هجمات جوية مماثلة استهدفت مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، والتي تعد أحد أهم مراكز تمركز قوات “الدعم السريع” في الإقليم. وقد أفادت مصادر ميدانية حينها بأن الغارات طالت مواقع عسكرية ومناطق تضم مخازن أسلحة وتحركات لوجستية، بالإضافة إلى محيط مطار المدينة، وسط حالة من التوتر الأمني وفرض قيود على الحركة داخل بعض الأحياء. وجاء الهجوم بالتزامن مع وجود زعيم قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو “حميدتي” وقيادات بارزة في المجموعة المسلحة خلال تحضيرات لاجتماع قيادي محاط بسرية كبيرة.

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن الجيش السوداني كثف خلال الفترة الأخيرة من استخدام سلاح الجو في استهداف مواقع “الدعم” في مدن دارفور الرئيسية، في محاولة للضغط على قوات “الدعم” التي تسيطر على أجزاء واسعة من الإقليم.

وفي سياق متصل، أعلن تحالف تأسيس – الجناح السياسي لقوات الدعم السريع- سقوط قتلى وجرحى، بينهم مدنيون، بالإضافة إلى أضرار في عدد من المرافق داخل المدينتين.

كما تحدث مصدر طبي في مستشفى الضعين لـ”فرانس برس” عن وصول “6 قتلى جراء قصف المسيرة”، كما أوقعت الهجمات “5 جرحى، 3 منهم في حالة خطرة”.

تكتسب الضعين أهمية استراتيجية باعتبارها نقطة ربط بين شرق دارفور وبقية الإقليم، بالإضافة إلى كونها مركزاً لخطوط إمداد وتحركات عسكرية نشطة

وتكتسب مدينة الضعين أهمية استراتيجية باعتبارها نقطة ربط بين شرق دارفور وبقية الإقليم، بالإضافة إلى كونها مركزاً لخطوط إمداد وتحركات عسكرية نشطة وموقع ثقل قبلي لقوات الدعم السريع. أما الجنينة، الواقعة قرب الحدود مع تشاد، فقد ظلت خلال العامين الماضيين من أكثر مدن السودان اضطراباً، وشهدت موجات عنف متكررة وعمليات عسكرية أدت إلى نزوح واسع للسكان نحو الحدود الغربية. ويتحدث الجيش السوداني عن استخدام الحدود التشادية مع ولاية غرب دارفور لتوصيل الإمدادات العسكرية واللوجستية لقوات الدعم السريع.

وفي المقابل، تتهم قوات “الدعم السريع” الجيش السوداني بتكثيف القصف الجوي على مناطق مأهولة بالسكان، بينما يؤكد الجيش أن عملياته تستهدف مواقع عسكرية وإمدادات عسكرية تابعة للقوات المناوئة. ويستمر الجدل حول طبيعة الأهداف في ظل صعوبة التحقق الميداني وغياب التغطية الإعلامية المباشرة من داخل مناطق الاشتباك.

ومع استمرار التصعيد العسكري في دارفور، تتزايد المخاوف من اتساع نطاق العنف وازدياد الضغط على المدن التي تشهد تواجداً عسكرياً مكثفاً، في ظل غياب أفق واضح لوقف إطلاق النار أو استئناف مسار سياسي يحد من تدهور الوضع الأمني والإنساني في الإقليم.

تحذيرات من تقسيم البلاد

يأتي ذلك في وقت حذر التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” مما وصفه بتسارع وتيرة “تمزيق السودان” مع دخول الحرب عامها الرابع، مشيراً إلى أن البلاد باتت تعيش حالة من “التقسيم الفعلي” لمناطق النفوذ بين الأطراف المتحاربة، في ظل تصاعد خطابات الكراهية والتحريض العرقي، بما يهدد النسيج الاجتماعي ويعمق الانقسامات داخل المجتمع السوداني.

وقال التحالف إن هذه التطورات “لا تجري بمعزل عن إرث سياسي سابق”، متهماً أطرافاً لم يسمها بأنها كانت وراء تقسيم البلاد في السابق وتواصل اليوم، بحسب التحالف، الدفع في الاتجاه ذاته عبر مشروع سلطوي ضيق لا يعترف بتنوع السودان وتعدده الثقافي والاجتماعي والديني، ويميل إلى فرض رؤى أيديولوجية مغلقة.

وأكد “صمود” رفضه القاطع لأي مشاريع تستهدف تقسيم السودان، أياً كان مصدرها أو دوافعها، محذراً من أن الرهان على التفتيت كوسيلة لتحقيق النفوذ أو السيطرة “لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار”، مشيراً إلى أن تاريخ البلاد يظهر أن التقسيم لم يكن يوماً حلاً للنزاعات، بل ساهم في تعقيدها وتفاقمها.

ومنذ يوليو/ حزيران الماضي، أعلنت قوات “الدعم” حكومة موازية في مناطق سيطرتها في إقليم دارفور، غرب البلاد  لم تحظ باعتراف دولي إلا أنها مؤخراً تعمل على رهن دخول المساعدات الإنسانية الأممية بـ”موافقة حكومية” تمنح بطلب رسمي من “الحكومة الموازية”.

منذ يوليو/ حزيران الماضي، أعلنت قوات “الدعم” حكومة موازية في مناطق سيطرتها في إقليم دارفور، غرب البلاد  لم تحظ باعتراف دولي

واعتبر التحالف أن الحرب الحالية، التي اندلعت في 15 أبريل/ نيسان 2023، تمثل أحد أبرز الشواهد على فشل الخيارات العسكرية في معالجة الأزمات السياسية، لافتاً إلى أن استمرار النزاع يعمق الأوضاع الإنسانية ويزيد من معاناة المدنيين، ويؤدي إلى تآكل متسارع في البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة.

وشدد على أن المخرج الوحيد من الأزمة الراهنة يتمثل في اعتماد مسار سياسي سلمي شامل، يقوم على حوار حقيقي بين مكونات المجتمع السوداني المختلفة، ويؤدي إلى صياغة عقد اجتماعي جديد قائم على المواطنة المتساوية دون تمييز، وعلى العدالة والمساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب، بما يضمن بناء دولة تعبر عن جميع مواطنيها دون استثناء.

ورفض التحالف ما وصفه بـ”الرهان على الحلول العسكرية”، معتبراً أنها أثبتت فشلها تاريخياً، وأن استمرار الحرب يعني المزيد من الخسائر البشرية والدمار واتساع فجوة الانقسام المجتمعي، داعياً إلى تحرك عاجل لوقف النزاع.

ودعا “صمود” إلى وقف فوري وشامل وغير مشروط لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، على أن يتم دعم ذلك بآليات مراقبة إقليمية ودولية فعالة لضمان عدم تجدد الأعمال القتالية.

مسار سياسي مدني

كما طالب بفتح مسار سياسي تقوده قوى مدنية سودانية، يربط بين وقف إطلاق النار وتقديم المساعدات الإنسانية والحوار السياسي بصورة متزامنة، دون فصل أو تأخير لأي من هذه المسارات، معتبراً أن أي معالجة مجتزأة للأزمة لن تحقق الاستقرار المنشود.

دعا “صمود”  إلى اعتماد مسار شامل للعدالة الانتقالية، يشمل كشف الحقائق حول الانتهاكات

وفي رؤيته، طرح التحالف تصوراً لبناء دولة مدنية ديمقراطية ذات نظام فيدرالي، تعكس تنوع البلاد وتضمن مشاركة عادلة لجميع مكوناتها، إلى جانب تشكيل جيش واحد قومي ومهني، يكون بعيدًا عن الانخراط في السياسة والاقتصاد، وخاضعًا للسلطة المدنية. كما دعا إلى اعتماد مسار شامل للعدالة الانتقالية، يشمل كشف الحقائق حول الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين عنها، وجبر الضرر للضحايا، وتسليم المطلوبين للمحكمة الجنائية الدولية، مع إصلاح منظومة القضاء وتعزيز استقلاليتها، لضمان عدم تكرار الانتهاكات مستقبلًا.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *