فيلم «مينوتور».. روسيا متاهة يلتهم فيها الجميع بعضهم بعضاً


كان – «القدس العربي»: في أفلام المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف، لا يأتي الخراب على هيئة انفجار كبير، ولا عبر مشاهد حرب صاخبة، بل يتسلل ببطء داخل البيوت، إلى غرف النوم والمطابخ والممرات الباردة، حتى يصبح العنف جزءاً عادياً من الحياة اليومية. في أفلامه مثل «ليفاياثان» و»بلا حب»، ظل زفياغينتسيف يصور روسيا بلدا فقد روحه بالتدريج، بلداً تتآكل فيه العلاقات الإنسانية تحت وطأة السلطة والفساد والقسوة. لكن فيلمه الجديد «مينوتور»، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان في دورته التاسعة والسبعين (12 إلى 23 مايو/أيار الجاري) يبدو أكثر أفلامه مرارةً حتى الآن، ليس فقط لأنه يأتي في ظل حرب أوكرانيا، بل لأنه يصور مجتمعاً لم يعد يعرف الفرق بين الخلاص والنجاة، وبين استغلال النفوذ والاحتيال للحصول على النتيجة المرجوة.
العنوان وحده يفتح باب التأويل على مصراعيه. «المينوتور» في الأسطورة الإغريقية هو ذلك الكائن نصف الإنسان ونصف الثور، المحبوس في متاهة، والذي كانت تُقدَّم له القرابين البشرية بانتظام. أما هنا، فإن المتاهة ليست سوى روسيا الحديثة نفسها، والقرابين هم البشر العاديون الذين يُدفع بهم إلى الحرب أو إلى الفساد أو إلى الخيانة، كي تستمر المنظومة في الدوران.
يقتبس زفياغينتسيف الإطار الأساسي لأحداث الفيلم من فيلم «خائنة» لإدريان لين (2002) ومن قبله فيلم «امرأة خائنة» للمخرج الفرنسي كلود شابرول (1969)، لكنه يحوله إلى شيء أكثر قتامة وتعقيداً. فالأحداث التي كانت تصويراً لدراما عن الغيرة الزوجية والخيانة، تصبح هنا تشريحاً أخلاقياً لدولة كاملة. وكأن المخرج يقول، إن الاستبداد والفساد والظلم لا تبدأ من أروقة الحكم، بل من داخل منزل الأسرة ذاته، من الطريقة التي يتعامل بها الرجل مع زوجته، أو مع ابنه، أو مع موظفيه، ومن اعتياد الجميع على الكذب حتى يفقدوا القدرة على رؤية الحقيقة.

المخرج الروسي أندريه زفياغينتسيف

غليب، الزوج، الذي يؤدي دوره ديميتري مازوروف أداء هادئا يخفي غضباً حبيساً، ليس وحشاً بالمعنى التقليدي، إنه رجل أعمال ناجح، يعيش في منزل حديث أنيق وسط غابة، يقود سيارة فاخرة، ويوفر لعائلته كل الرفاهيات المادية. لكنه أيضاً رجل فرغ من أي معنى داخلي. زفياغينتسيف بارع دائماً في رسم شخصيات تبدو من الخارج متماسكة ومحترمة، بينما تنهار روحياً من الداخل. غليب لا يبدو لنا شخصاً دموياً عنيفاً، بل نراه أنيقاً منمقاً هادئاً، لكن هذه الواجهة الراقية تخفي إنساناً اعتاد القسوة إلى درجة أنها أصبحت بالنسبة إليه أمراً طبيعياً، مثل تناول العشاء أو الذهاب إلى العمل.
زوجته غالينا، التي تؤدي دورها إيريس ليبيديفا بحضور مذهل، تبدو منذ اللحظة الأولى كأنها شبح يعيش داخل حياته لا شريكة له. امرأة غارقة في اكتئاب صامت، تتحرك داخل البيت كما لو كانت محاصرة داخله. هي امرأة أنيقة جميلة تحيا حياة مرفهة، ولكنها تشعر بوحدة خانقة وتخلو حياتها من أي نوع من أنواع الإشباع النفسي أو العاطفي. لا يحتاج الفيلم إلى حوارات طويلة كي يشرح برودة زواجهما؛ لقطة واحدة لها وهي تطفئ الضوء وتستدير بعيداً عنه في السرير تكفي لفهم سنوات كاملة من الخيبة والخواء العاطفي. وحين تدخل في علاقة مع مصور فوتوغرافي شاب، لا يبدو الأمر فضيحة أخلاقية، بقدر ما يبدو محاولة يائسة للشعور بأنها ما زالت حية. إنها امرأة تعيش فراغاً خانقاً، وتبحث عن أي بهجة وسط عالم فقد معناه.
«مينوتور» ليس فيلماً عن الخيانة الزوجية، بقدر ما هو فيلم عن الخيانة بوصفها نظاماً للحياة. ففي خلفية كل مشهد تقريباً تحضر الحرب الروسية في أوكرانيا. صور الجنود، أخبار التعبئة العسكرية، مواكب دبابات، زوجات وأمهات يودعن الرجال الذاهبين للقتال، الخوف الذي يخيّم على الجميع. وفي أحد أهم مشاهد الفيلم، يُستدعى غليب مع رجال الأعمال المحليين إلى اجتماع مع رئيس البلدية، حيث يُطلب منهم تقديم أسماء موظفين يمكن إرسالهم إلى الجبهة. يتضح لنا أن كل شركة يجب أن تقدم نسبة معينة من موظفيها في سن التجنيد للذهاب للقتال.
المشهد مرعب تحديداً لأنه يُقدَّم ببرود بيروقراطي كامل، لا أحد يصرخ. لا أحد يحتج. كأنهم يناقشون شحنة بضائع لا مصائر بشر. وهنا يبلغ الفيلم ذروته الأخلاقية: غليب يقرر تعيين 14 سائق شاحنة، مع علمه المسبق بأنهم سيُرسلون إلى الحرب قبل أن يحصلوا حتى على رواتبهم.
في غرفة يرتادها رجال يرتدون حُللاً أنيقة ويتحدثون بهدوء يصور لنا زفياغينتسيف الرعب الذي يجمد الأوصال ذاته، لأنه يكشف كيف يمكن لأصحاب المال والأعمال، ومعهم رجال السلطة الاستبدادية أن يندمجا معا لتحقيق مصالحهم الشخصية، على حساب البشر، الذين يصبحون مجرد أرقام قابلة للاستبدال، أو قرابين يلقى بها إلى التهلكة ليبقى من هم في سدة الحكم والمتواطئين معهم في أماكنهم. هؤلاء الرجال ليسوا موظفين بالنسبة لغليب، بل قرابين للمينوتور.
زفياغينتسيف لا يحوّل غليب إلى مجرد نموذج منفرد شرير، بل إلى نتاج طبيعي لمجتمع كامل. حتى طريقته في تربية ابنه تحمل هذا المعنى. حين يخبره الصبي بأنه يتعرض للتنمر في المدرسة، لا يفكر الأب في اللجوء إلى المعلمين أو الحوار، بل يعلّمه كيف يهدد زميله بالعنف. في هدوء تام يجلس إلى مائدة الطعام مع ابنه الصبي ليدربه على كيفية أن يمسك زميله من قميصه ويقول له بصوت هادئ يحمل تهديداً حاسماً إنه سيحطم وجهه إذا اجترأ مجدداً على مضايقته. هكذا ببساطة تنتقل القسوة من جيل إلى آخر، كإرث عائلي ووطني معاً.
في أفلام زفياغينتسيف تبدو البيوت فاخرة لكنها خانقة، والشوارع واسعة لكنها موحشة، والطبيعة نفسها خالية من الطمأنينة. تبدو شوارع المدينة الروسية رمادية، صامتة، لا بهجة فيها. حين نرى شوارع المدينة نشعر بالوحشة والخوف والانقباض، وكأنها مدينة للأشباح.
ورغم سوداويته الطاغية، فإن «مينوتور» ليس فيلماً متجهماً طوال الوقت. هناك حس ساخر أسود يتسلل إلى كثير من مشاهده، خصوصاً في الطريقة العبثية التي تتعامل بها السلطات مع العنف والجريمة. المحققون يبدون مرهقين، غير مبالين، مستعدين لغض الطرف عن أي شيء مقابل وجبة غداء هادئة. وكأن الجميع يعرف الحقيقة لكن لا أحد يريد مواجهتها. هذا ما يجعل الفيلم مرعباً فعلاً: ليس وجود الشر، بل اعتياد الناس عليه. وربما لهذا يبدو «مينوتور» امتداداً منطقياً لكل سينما زفياغينتسيف السابقة. ففي عالمه، لا يوجد خلاص حقيقي. الشخصيات لا تنهار فجأة، بل تستمر في العيش فوق أنقاضها الداخلية، متشبثة بأوهام صغيرة تساعدها على تحمل الجحيم. اللقطة الأخيرة في الفيلم تحمل هذا الإحساس تحديداً. لا يوجد انفجار درامي، ولا نهاية صاخبة، بل شعور ثقيل بأن العالم سيستمر كما هو، وأن المتاهة ستبقى مفتوحة، تبتلع المزيد من الضحايا.
«مينوتور» من أكثر أفلام زفياغينتسيف بالتأكيد غضباً ومرارةً. فيلم يرى روسيا كبلد فقد القدرة على التمييز بين الوطنية والتوحش، بين الحماية والهيمنة، بين الحب والتملك. وفي زمن تحاول فيه كثير من الأفلام تبسيط العالم إلى صراع بين أشرار وأخيار، يصر زفياغينتسيف على تقديم شيء أكثر رعباً، فهو يصور عالما يشارك الجميع فيه بدرجات متفاوتة في الفساد والظلم والقهر.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *