«ليالي طهران هادئة» عنوان رواية للكاتبة الألمانية من أصل إيراني شيدا بازيار، تُرجمت إلى الإنكليزية عام 2025 وبلغت القائمة القصيرة لجائزة مان بوكر الدولية لعام 2026. وهي عمل بوليفوني يروي حكاية مؤثرة وموجعة لعائلة إيرانية اضطرت إلى اللجوء إلى ألمانيا في ثمانينيات القرن الماضي، عقب الثورة الإسلامية، حيث أعادت بناء حياتها من جديد في تجربةٍ توازي إلى حدٍّ بعيد سيرة عائلة الكاتبة نفسها. تبدأ الأحداث في طهران إبّان الثورة ضد الشاه، وتمتد عبر العقود وصولا إلى يومنا هذا في ألمانيا. ترصد بازيار حياة عائلة تعيش بين بلدين مختلفين تماما، عالقةً بين ثقافتين: تقيم في أحدهما وتحلم بالآخر، وتنتظر، قبل كل شيء، اليوم الذي تصبح فيه العودة إلى الوطن ممكنة، من دون المخاطرة بحياتها.
تتألف الرواية من أربعة أقسام رئيسية وخاتمة، يروي كلٌّ منها أحد أفراد العائلة بضمير المتكلم، بحيث تتناوب الأصوات في رسم صورة مركّبة لذاكرةٍ مثقلةٍ بتجارب المنفى، وهويةٍ في طور التشكل، وشعورٍ ملتبس بالانتماء. ولا تسير الأحداث في خط زمني متصل، بل تقفز السردية عشر سنوات إلى الأمام مع كل فصل، وغالبا ما تتزامن مع أحداث مهمة في إيران، أو ترسم صورة للمجتمع في لحظة زمنية محددة، قبل أن تترك القارئ ليملأ الفراغات بين تلك اللحظات. ومن خلال هذا البناء، تتكشف الفجوة بين الأجيال: بين من عاش الثورة وخيباتها، ومن وُلد في المنفى ويحاول أن يفهم وطنا لم يعرفه إلا عبر الحكايات.
يحمل عنوان رواية «ليالي طهران هادئة» مفارقة لافتة؛ فالهدوء الذي يوحي به ليس سوى هدوء قسري، قائم على قمع المعارضة، وإسكات أصواتها،، وفرض سكينة مصطنعة على مجتمع يمر بتحولات عميقة. وما تنجح بازيار في تجسيده بدقة هو الثمن النفسي الباهظ لهذا الهدوء: تآكل الشك، تضييق الآفاق، وإحلال الإيمان محل التفكير النقدي. ومن خلال هذه التجربة الخاصة، تتجاوز الرواية إطارها الزمني لتطرح سؤالا أوسع. فهي لا تنشغل بتشخيص فشل ثورة بعينها بقدر ما تتأمل في بنية الرغبة الثورية ذاتها، متسائلة عمّا إذا كان بإمكان أي حركة تسعى إلى إعادة تشكيل العالم أن تفلت من إعادة إنتاج أشكال الهيمنة التي تعارضها، بينما تواصل في الوقت نفسه الإيمان برسالتها التحررية. لا تقدّم بازيار إجابة جاهزة، بل تترك القارئ أمام أسئلة فقدت شخصياتها القدرة حتى على طرحها. رواية «ليالي طهران هادئة»، من هذا النوع، إذ تتجنب الإجابات السهلة لصالح استكشاف الأسئلة، وتحديدا تلك التي تقع عند تقاطع الشخصي والسياسي.
في عام 1979، ينخرط بهزاد الشاب الإيراني (27 عاما)، في صفوف المعارضة اليسارية المناهضة لنظام الشاه، مع احتدام الاضطرابات السياسية في طهران. وعلى الرغم من اندفاعه السياسي وحماسة رفاقه وخطابهم المشبع بروح الانتفاضة، يبقى بهزاد مشدودا إلى حياته العائلية؛ يعيش في بيت أسرته، ويصغي إلى إيقاع التفاصيل اليومية. وحين يخرج مساءً للقاء أصدقائه أو للمشاركة في التظاهرات، يساوره شعور بأن أمه تتابعه بنظرات حذرة، كأنها تسعى إلى حفظ ملامحه في الذاكرة: «أصدقاؤه الجدد، الذين تصغي إليهم أمهاتنا أكثر مما تُصغي إلينا، لأن الإيمان بإله أسهل بكثير من الإيمان بأفكار جديدة.»
بينما يجلس بهزاد مع أصدقائه في غرفةٍ خاصة يناقشون فيها مسار الحركة، يلفت انتباهه حضور ناهد، الشابة الجالسة بينهم. وعلى الرغم من أن ناهد تبدو غير واعية بوجوده، فإنه يشعر منذ اللحظة الأولى برابطةٍ خفيةٍ تشدّه إليها، رابطة لا تتضح معالمها إلا لاحقا، حين نبلغ منظور ناهد في القسم الثاني من الرواية. وفي خلفية هذا التوتر العاطفي الناشئ، تتسارع التحولات السياسية؛ فالقوى الدينية تبدأ تدريجيا في التفوق على الثوريين العلمانيين، ويبرز آية الله الخميني بوصفه القوة المهيمنة. ومع صعوده، تبدأ قوات الحرس الثوري، التي شُكّلت حديثا، بحملة اعتقالات وتعذيب وإعدامات بحق المعارضين، مما يزرع خوفا متزايدا في نفوس بهزاد ورفاقه. وهكذا، فإن ما انطلق كثورة إيرانية واسعة شاركت فيها القوى العلمانية، ولاسيما الماركسية والاشتراكية، وأسهمت بفاعلية في إسقاط نظام الشاه الإمبراطوري، انتهى في المحصلة إلى تثبيت الجمهورية الإسلامية بنظامها الشمولي.
ينتقل الفصل الثاني إلى عام 1989، حيث تتولى ناهد السرد، وقد أصبحت زوجة بهزاد وأما لطفلين، لاله ومراد، وتعيش مع عائلتها في ألمانيا الغربية، بعد أن اضطروا إلى الفرار من إيران، إثر ظهور اسم صديق بهزاد المقرّب على قائمة الاعتقالات، في إشارة واضحة إلى أن اسم بهزاد سيكون التالي. وعلى امتداد سنوات المنفى، تخفت روحها الثورية تدريجيا، حتى يغدو المنفى في نظرها حالة من السكون، كما تقول: «يبدو لي المنفى وكأنه حالة جمود، حيث يُفترض بي أن أحاول التحرك بالطريقة نفسها». لا تميل إلى تكوين صداقات مع إيرانيين آخرين، إذ إن كثيرين منهم يدعمون الشاه الذي كانت تكرهه. وبينما تُلقي وجهة نظر بهزاد الضوء على مخاطر تغيير النظام، تبدأ وجهة نظر ناهد في الإجابة عن السؤال الذي كان يخشى زوجها طرحه: ماذا بعد الثورة؟
بالنسبة للإيرانيين في وطنهم، تمثّل الجواب في الحكم الحديدي لرجال الدين، أما بالنسبة لناهد، فكان يعني حياةً منعزلةً في الغرب المترف، ذلك المكان الذي طالما سخرت منه عائلتها. تكشف تأملاتها، التي تنقلها الكاتبة بعناية ومن دون تدخل مباشر، عن الغموض الدقيق لحياةٍ ظنّ بهزاد أنه فهمها تماما. ففي أحد المشاهد، تلاحظ ناهد، وهي تُحادث جارتها الألمانية، بساطة مظهرها العملي، قائلة: «في إيران، كنت أستطيع تمييز الطبقة الاجتماعية للشخص فورا. أما في ألمانيا، فيبدو الجميع وكأنهم ينتمون إلى طبقة واحدة كبيرة. لا أحد هنا يبدو غنيا جدا أو فقيرا جدا، وفي الواقع، تبدو جميع الفئات هنا متشابهة جدا، في طريقة لباسهم وعاداتهم.»
أما زوجها، الذي كان لامعا في يوم من الأيام، فقد غدا شخصا عاديا، لا يجيد سوى شرب الجعة. وحين يحاول مناقشة الأدب الألماني، يتقمّص دور العارف بكل شيء، إذ «أوضح بهزاد أن إريش كستنر كان معارضا شرسا للنازيين»، رغم أنه، كما تشير ناهد، «لا يعرف عن الكاتب أكثر من هذه الجملة». لاحقا، تراقبه وهو يناقش برتولت بريشت مع جيرانهم، فتتأرجح مشاعرها بين الإعجاب والازدراء، متأملةً: «لا بد أنهم يظنون أن بهزاد هو النسخة الإيرانية المثالية منهم»، لكنها في المقابل «لن تجرؤ أبدا على الحديث عن الأدباء الألمان» أمامهم.
كانت ناهد طالبةً في الأدب الفارسي في إيران، غير أن حبها للكتب خبا في ألمانيا، بعدما شقّ عليها أن تقرأ رواية «إميل والمحققون» للكاتب الألماني إريش كستنر. افتقدت موسيقى لغتها الفارسية، وحين أُهديت ديوانا من أشعار الحب الألمانية مترجما إلى الفارسية، بدا لها ذلك الشعر باهتا- تماما كما تخيّلت الحب هنا: خافتا، باهتا، وباردا.
أما الفصل الثالث، الذي تدور أحداثه عام 1999، فيروي قصة لاله، التي كانت في الرابعة من عمرها عندما فرّ والداها من إيران، وهي الآن مراهقة تعيش في ألمانيا. بضميرها الحيّ وتفوقها الدراسي، تحرص على ألا يحضر والداها اجتماعات أولياء الأمور والمعلمين، مدركةً صعوبة التواصل بينهما بسبب محدودية إتقان والديها للغة الألمانية. في ذلك العام، تسافر إلى إيران للمرة الأولى منذ لجؤهم إلى ألمانيا، برفقة والدتها وشقيقتها الصغرى تارا، بينما يختار بهزاد عدم الانضمام إليهم.
يحتل مراد – المعروف باسم مو – مركز الصدارة في الفصل الرابع، الذي تدور أحداثه عام 2009. يعيش مو في شقة مع صديقه توبي، ولا يعرف الكثير عن الثورة الإسلامية، فيلجأ إلى البحث عنها على الإنترنت عندما يتزامن احتجاج طلابي في جامعته مع الحركة الخضراء في إيران وتغطيتها الإعلامية .
تختتم الرواية بخاتمة من أربع صفحات ترويها تارا، الشقيقة الصغرى، المولودة في ألمانيا وهي ناشطة نسوية مثلية، تشارك أيضا في الاحتجاجات إلى جانب والديها، في دلالة على خيط خفي من الاستمرارية بين جيلين لا تفصل بينهما ضغينة بقدر ما تباعدهما ظروف المنفى. فالأبناء، لا يبدون سخطا على آبائهم، بل يتقاسمون معهم تفاهما ضمنيا، بينما تبدو تارا، على نحو خاص، استعادةً لروح بهزاد الثورية وتذكيرا بشبابه. تلمّح إلى مشاركتها في منظمة غير حكومية دولية وكأنها تقول إن ما لم يكتمل في جيل والديها يمكن أن يُعاد التفكير فيه بطرق أخرى، أقل اندفاعا وأكثر اتساعا. وفي نبرتها إحساس واضح بأن الهوية ليست شيئا يجب العثور عليه في مكان بعيد، بل تُبنى في الحاضر، من خلال المواقف والاختيارات.
رواية بازيار «قصةٌ عن الحب والأمل والخطر والثورة والمنفى، تنسج أحداثا وملاحظاتٍ سياسيةً بارزةً في إيران وألمانيا ضمن تاريخٍ عائليٍّ. أنقذ المنفى حياة الوالدين الشيوعيين وحرية طفليهما الأكبر سنا. وفي الوقت نفسه، سلبهم جميعا وطنهم وأقاربهم وأصدقاءهم ولغتهم وثقافتهم. يُبقي الكبار دائما قدما في إيران، يتابعون الأحداث هناك بكل حواسهم. أما الأطفال، فعليهم أيضا إعادة توجيه أنفسهم باستمرار، حتى في الجيل الثالث، بين «وطنيهما».
عنوان بازيار الهادئ، «ليالي طهران هادئة «، لا يُعبِّر تماما عن جوهر هذه الرواية الملحمية، التي تنبض بالحياة وتزخر بالأفكار، وتُذكِّرنا بأن للأحداث السياسية صدى يتجاوز المجال العام؛ فهي أيضا شؤون خاصة، تُناقش في أحاديث المطابخ وغرف النوم، ومع الجيران أثناء الشواء.
«الرواية، باستكشافها الهادئ والجميل لصدمة فقدان الوطن تحت وطأة نظام قاسٍ، هي شهادة على كيفية صمود الأمل والروح الثورية في وجه الطغيان الساحق، وكيف لا يمكن القضاء على الشجاعة تماما. إنها كامنة، تنتظر الوقت الذي تُشعل فيه من جديد أعمالا جديدة من الشجاعة، وموجات جديدة من الثورة.
كاتب عراقي