في باريس… الذكاء الاصطناعي يكتب مسرحية على طريقة موليير


بحضور وزير الثقافة الفرنسي، عرض «مسرح الأوبرا الملَكيّ» المهيب، في قصر فرساي، يوم 5 مايو/أيار 2026، خلال ساعتين، مسرحيّةً كتبها الذكاء الاصطناعي كاملةً، دون حرفٍ واحد عدَّلهُ الإنسانُ أو أضافهُ. اسْمُها: «المُنجِّم، أو خِداع الفأل»، بأسلوب موليير، وعلى طريقة فنِّهِ المسرحِيّ، كما لو كان هو من كتبها!
كان ذلك ضمن مشروعٍ بحثيٍّ في جامعة السوربون عن «الذكاء الاصطناعيّ والإبداع الأدبيّ»، دام التفكير فيه وإعداده وإخراجه عامين كاملين، نفّذه «مسرح السوربون – موليير» مع فريق من باحثين في الذكاء الاصطناعيّ وفنّانين مسرحيين (Collectif Obvious)، بميزانية قدرها مليون يورو، دعمتها بسخاء بعض شركات التكنولوجيا الحديثة.
للتذكير أوّلاً: يُعَدُّ موليير أشهر كاتبٍ مسرحيٍّ فرنسيّ (بمثابة شكسبير للإنكليز). عاش في القرن 17، في عصر لويس الرابع عشر («الملك – الشمس»، كما يطلَقُ عليه). اشتهر بالسخرية من النفاق الدينيّ والاجتماعيّ، من الادعاء الكاذب والدجل.
من أشهر مسرحياته: «طرطوف» (عن النفاق الديني)، «المرض المتخيَّل» (عن الهوس المرضيّ بالمرض والأطبّاء)، «البخيل» (عن البخل) …
السؤال الرئيس الذي وُجِّهَ لِلذكاء الاصطناعيّ، ليكتب مسرحيّته، ينتمي لجنس «التاريخ البديل» الأدبيّ Uchronie: ما المسرحية التي كان سيكتبها موليير لو لم يمت في عام 1673؟ قبيل ذلك، كان فريق البحث قد غذّى الذكاء الاصطناعي بكلِّ ما كتبه موليير، ورفدهُ بِنصوصٍ عديدة أخرى كُتِبتْ في قرنِه، وبرسوماتٍ معروفة لملابس ذلك الزمن، وبمجمل ما تحتوي عليه مكتبة موليير.. (يستطيع الذكاء الاصطناعي تذكّرَ كلِّ ذلك والتدرّبَ عليه واستلهامَه أفضل من أي إنسان أو فريقٍ من البشر، بفضل تقنية «التعلُّمِ العميق بالعصبونات الاصطناعيّة»: أساس «الذكاء الاصطناعي الاتّصاليّ» الذي شرحناه في كتابنا: «الذكاء الاصطناعيّ، الروح/الدماغ، ووهم العقل العربي»، موليم العروسي وأنا، «منشورات المتوسط» 2026).
للإجابة على السؤال، لاحظ الذكاء الاصطناعيّ أوّلاً أن مكتبة موليير لا تخلو من كتبٍ كثيرة عن التنجيم! اخترع لذلك الفكرةَ البكر الرئيسيّة لموضوع المسرحيّة، وهيكلَها المنسجمَ مع سخرية موليير من السذاجة الإنسانية (لاسيّما في مسرحية «طرطوف»، أو «المرض المتخيّل» الشهيرتين)، ومن فن الدَّجل والخداع والاحتيال وتدليس البشر.. موضوع المسرحيّة: منجِّمٌ مشعوذٌ محتالٌ شديد الطمع والتملّق، يستغلُّ سذاجة أبٍ ثريّ أعطاه مقاليد إدارة ثروته، لِيقترحَ لهُ تزويج ابنته من صانع كوافير غارقٍ في الديون، كي ينهبان بعدها معاً كل ثروة الأب!
غير أن ابنته تحبُّ رجلاً آخر! ولِحسن حظّها أنّ وصيفتَها الذكيّة ستجيد قلب الأحداث رأساً على عقب.
فذْلَك الذكاءُ الاصطناعيّ مسرحيّتَه، بعد ذلك، انطلاقاً من روح موليير وأسلوبه المسرحيّ، ومن بنية وسيرورة إخراجه: الأدلّة والبراهين التي يهوى موليير تمريرها، منهجه في تأثيث مسرحه، سخرية خطابه وكتاباته.. أعاد الذكاء الاصطناعي خلال ذلك إخراج سياق مسرح موليير وثقافة عصره على نحوٍ أمينٍ ودقيقٍ آسر، في ضوء ثقافة ذلك الزمان وتقاليده: أردية تنكريّة وملابس (كلّفتْ جميعها كثيراً كما يبدو)، من تصميم الذكاء الاصطناعيّ نفسِه، في غاية الإدهاش؛ موسيقى تنسجم مع العصر والنصّ؛ ديكور سقفٍ يبدو مطليّاً بالذهب. كلّ شيءٍ ينقل المشاهدَ سريعاً إلى بلاط «الملك – الشمس»، بزخارف قصوره وبذخها الشهير، ومشاريعهِ المعماريّة الأسطوريّة.
دهشةٌ جماعيّة رافقت المسرحيّة، وتصفيقٌ طويلٌ تلاها، بدتْ للجميع كما لو أن موليير من كتبها وأخرجها بنفسه! لعلّ أهمّ أسباب تلك الدهشة يعود إلى تقيُّدِ المشروعِ بأن تكون المسرحية ذات فكرةٍ جديدةٍ مبتكرة خالصة (في عالمٍ تسود نقاشاته قضايا نهب الحقوق الإبداعية)، وبقلم الذكاء الاصطناعيّ من أوّل حرفٍ فيها إلى آخره.

كيف مرّت تجربة الكتابة؟

لِنذكِّرْ أوّلاً: توليد النصوص الآلي يتَّكئ على راسيتَين:
1) مدوَّنة اللغة (Corpus)، هي مجموعةٌ هائلة (تُعَدُّ كلماتها بآلاف المليارات اليوم) من عيّناتِ النصوص المكتوبة أو المنطوقة، الآتيةِ من قطاعٍ عريض محايد من المصادر التي ينبغي أن تكون ثريّة مُتَنَوِّعَة.
2) نموذج اللغة LLM الذي يتعلَّم من المدوَّنة، عبر تقْنِيَّة «التعلُّم العميق بشبكات العُصْبُونات الاصطناعية».
لكلِّ كلمة في القاموس، مثل «جبل» وغيرها، متّجَهٌ رياضيّ vecteur بآلاف الأبعاد، يضمّ عددا هائلا من المعلومات حول الكلمة في كلِّ سياقاتها وعلاقاتها، ويسمح بإجراء عملياتٍ رياضيّةٍ على الكلمات، على غرار:
«ملك» – «ذكر» + «أنثى» = «ملكة». أي أن فضاء المعنى في اللغة يتحوّل إلى فضاء هندسيٍّ بآلاف الأبعاد على الكمبيوتر، تتمّ فيه عملياتٌ رياضيّةٌ ذكيّةٌ خاصّة.
بعد تغذية الذكاء الاصطناعيّ بالنصوص الكافية، وبعد تركه يتعلّم من مدوّنتها ويتدرّبُ بواسطة ماكنته LLM، أخرج الذكاء الاصطناعي مسوّدة نصِّه الأولى من 8 صفحات فقط! بدأ بعدها حوارٌ «بنغ بونغيّ» (مثل مباراة كرة الطاولة) بينه وبين الفريق الذي لم يتوقّف عن طلب إعادة كتابة هذا الفصل أو ذاك، عشرات المرات أحياناً، لينسجم بأدقِّ ما يمكن مع سياق ولهجات عصر موليير وثقافته عموماً. تجاوزَ هدفُ الباحثين في حواراتهم العديدة مشروعَ هذه المسرحية بحدِّ ذاتها، على طريق استنباط دروسٍ لِتطوير ملَكات الذكاء الاصطناعيّ في الإبداع الأدبيّ عموماً، بُغية استخدامهِ في إكمالِ كتابة الأعمال الأدبيّة غير المكتملة أحياناً، أو الإبداع الكليّ المستقلِّ لاحقاً. احتاجوا، بفضل تعاليم هذه التجربة، إلى مسّ خوارزميات «الذكاءِ الاصطناعيِّ التوليديِّ» نفسِه، عند الإسفاف في صياغة الاستعارات، أو عدم تركيز الخطاب.
وعلى نحوٍ خاص، احتاجوا لِتوسيع ذاكرة الذكاء الاصطناعي المرتبطة بالنصِّ الذي يؤلِّفه: لاحظوا أنه كان ينسى أحياناً سياق أحداثٍ كتبها، هو نفسُه، في بدء المسرحية، ولزمهم تذكيرهُ بها؛ علماً بأنه يتجاوز الإنسان، بما لا حدّ له، في تذكِّر ما تعلَّمه خلال مرحلة هضم المواد التي يتعلَّم منها في فضاء الإنترنت!

ما الذي يلزم أن نستخلصه؟

لعلّه حان الوقت لتغيير علاقة مثقفينا العرب بالذكاء الاصطناعيّ. أراها ضالّة أو سلبيّة في الغالب: مبنيّةٌ على تخوّفٍ منهُ في محلِّهِ أو غير محلِّه؛ على جهلِ أبجديّته وعدم محاولة استيعاب مبادئِهِ العامّة؛ وعلى الفتاوى الدائمة، رغم ذلك، حول إمكانيّاته، أو عدم إمكانيّاته، بما في ذلك التنبؤ الأعمى، القاطع المانع، باستحالة قدرته مطلقاً على الإبداع الأدبيّ، كما يقولون (كلُّ ذلك بعد حوالي 3 أعوام ونصف فقط من ولادة تشات جي بي تي)!
لِنلاحظْ: تقنية التعلّم العميق والمحاكاة الذكيّة عبر شبكة العصبونات الاصطناعيّة أشبه بـ«صندوق باندورا»، الذي ستصعب السيطرة عليه أو تحجيم إمكانيّاته. لكنها تحتاج إلى تدريبٍ طويل:
احتاج الذكاء الاصطناعيّ لأن يلعبَ ضدّ نفسه مليون وخمسمئة ألف مرّة، خلال ثلاثة أسابيع، ليهزم بطل العالَم، جي سيدول، في أصعب لعبة عقليّة: «ألغو»، في عام 2016. لا يعني ذلك أن كتابةَ الروايات من قبل الإنسان ستنقرضُ يوماً، بعد تطوّرِ الإبداع الاصطناعيّ في مجال كتابتها. بالعكس! لم تنقرض ممارسة البشر لِلعب الشطرنج أو ألغو بعد تفوّق الذكاء الاصطناعي عليهم. اكتفوا بالانتماء المتواضعِ لِفرق الدرجة الثانية. ناهيك من أنّ الحكيَ حاجةٌ عضويّةٌ للإنسان لاستيعاب العالم والتفاعل معه. لذلك سوف يحاول الروائيّون مستقبلاً دراسةَ الاستراتيجيات الجديدة، التي يحتمل أن يبدعها الذكاء الاصطناعيّ «الفائق» لاحقاً في كتابة الروايات، واستلهامَها لتطوير ملكاتِهم ومعاييرهم، لاسيّما وأن الإنسان، هو نفسَه، مخترعُ الذكاء الاصطناعي ومُلهِمُه.
في تصوّري: سيكون هناك أدبان مستقبلاً: أدبٌ اصطناعيٌّ وأدبٌ إنسانيّ، في تفاعلٍ ديالكتيكيٍّ مُلهِم، ضمن منظومةٍ بيئيّةٍ إنسانيةٍ ـ اصطناعيةٍ متناغمةٍ متكاملةٍ واحدة. في انتظار ذلك، لعلّ اختراعَ الذكاء الاصطناعيّ لِمسرحية ساخرةٍ من دجل المنجِّمين (كما لو كتبها موليير في مستقبلٍ لم يعِشْهُ)، لا تخلو ضمناً من السخريّة من أصحاب الفتاوى بعدم مقدرة الذكاء الاصطناعيّ مستقبلاً على الإبداع الأدبيّ!
وكأنّهُ يقول لهم: «كتبتُها! كتبتُها!»، على غرار أرخميدس، وهو يصرخ: «وجدتُها! وجدتُها!».

كاتب يمني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *