أن تأتي متأخرًّا أفضل من ألَّا تأتي أبدًا. فماذا لو كان هذا المتأخِّر قد استطاع بحرفية أن يعطي قبلة الحياة لتراث اندثر، والأكثر من هذا، استطاع أن يخلِّد اسمه بعمل ناجح أصبح نواة لأعمال كثيرة تالية. والشخص المقصود هنا هو الكاتب المسرحي، والشاعر وكاتب المقالات الفرنسي «إدموند روستان» Edmond Rostand (1868-1918) الذي ولد لأسرة ثرية، وتلقَّى أفضل ألوان التعليم، وكان والده أيضًا شاعرًا، ودائمًا ما كان يعج منزله بالأدباء والمثقَّفين. وبالرغم من هذه التنشئة الأدبية، أرسله والده إلى باريس لدراسة الحقوق؛ كي يصير محاميًا. وبالفعل، انصاع «إدموند» الشاب لرغبة أبيه ابتغاء لمرضاته فقط، وهذا على عكس ميوله تمامًا. ومن ثمَّ، علم منذ تلك اللحظة كيف يمكن أن تصير جميع الظروف المحيطة بك تعمل ضدك، لكنه أيضًا فهم أن الأهم هو تحويل فشل تحقيق الأماني إلى نجاح، حتى ولو ظهر ذلك للآخرين «خسارة فادحة» أو تصرُّفاً متهوِّراً غير محسوب العواقب، لكنها ستكون عنده «أعظم انتصار»؛ لأنها «خسارة أنيقة» يستطيع فيها المرء تحقيق رغبته الأخيرة، وإحباط أي توقعات بالانكسار أو الخضوع لما تمليه عليه الظروف التي سارت على عكس رغبته.
ومن ثمَّ، بعد أن أدى امتحان «إجازة المحاماة»، الذي قد يصير بعده محاميًا رسميًا، وعاقبة ذلك إجهاض كل آماله، للأبد، في تحقيق ذاته في مجال الأدب، ترك فورًا أي وكل شيء يتعلَّق بأمر القانون، واتجه إلى تغذية شغفه بالكتابة المسرحية. وبالفعل، انطلقت معه جميع مواهبه التي أراد الجميع أن يواروها في طيات النسيان. والأكثر من هذا كله، فإنه أيضًا استطاع أن يسير عكس التيار ويفرض رغبته على ذوق الجمهور، بالرغم من توقُّع الفشل الذريع له.
فمنذ نهاية القرن التاسع عشر، كان اللون الأدبي السائد هو «الطبيعية» Naturalism و»الواقعية الصادمة» Gritty Realism. بيد أنه لم يسع إلى إرضاء الجمهور أو النقَّاد؛ حيث كان يؤمن بأنه يستطيع النجاح إذا أشبع شغفه. وعلى هذا، عمد إلى إحياء تيَّار الرومانسية الذي بدأ في نهاية القرن التاسع عشر واندثر في منتصف القرن الثامن عشر؛ أي أنه أحيا ما وراه الزمن منذ نحو القرن من الزمان. والأكثر من كل هذا وذاك، أعاد أيضًا إحياء المسرح الشعري، وكانت مسرحياته أشعارًا شديدة التعقيد، لكنه بالرغم من هذا، حقق نجاحًا باهرًا، وانطلقت شهرته في الوسط الأدبي بسرعة الصاروخ.
كانت أولى مسرحيات «إدموند روستان» مسرحية «رومانسيات»Les Romanesques (1894) التي كانت محاكاة لمسرحية «رميو وجولييت» للكاتب المسرحي الإنجليزي الخالد وليام شكسبير، لكن «روستان» سردها بطريقة معكوسة تتماشى وشخصيته العنيدة؛ ولهذا السبب أيضًا صارت «تيمة» شهيرة تلقفها الكتَّاب فيما بعد، ونُسِجت على غرارها أعمال مسرحية وإذاعية وسينمائية لا حصر لها ولا عدد، في جميع بقاع الأرض. فالعنصر غير المتوقَّع في هذا العمل هو أن الأبوين كانا هما من يحاولان الضغط على أبنائهما كي يتزوَّج كل منهما الآخر، وذلك على عكس رغبتيهما.
ثمَّ توالت أعماله الأدبية الناجحة التي حققت له شهرة أدبية ولغوية منقطعة النظير، لدرجة أن «الأكاديمية الفرنسية» ضمته ليكون واحدًا من أعضائها، وكان حينها في (33) من عمره فقط؛ أي أنه كان ولا يزال واحدًا من الأصغر سنًا للأعضاء الذين تمّ ضمهم للأكاديمية، علمًا أن القائمين على الأكاديمية حرصوا على ضمّه لتمكُّنه الشديد من اللغة الفرنسية. ويجب الأخذ في الاعتبار أن «الأكاديمية الفرنسية» هي أكبر مؤسسة تعنى بشؤون اللغة الفرنسية، إلى وقتنا هذا، وهي النظير الفرنسي لـ «المجمع اللغوي» في مصر.
وأمَّا العمل الذي كتب لاسمه الخلود وصار واحدًا من أشهر الأعمال الأدبية الفرنسية التي لا يزال يُحتفَى بها حتى الوقت الحاضر فهو مسرحية «سيرانو دي بيرجيراك» Cyrano de Bergerac (1897)، التي كتبها وهو في السابع والعشرين من عمره فقط. ولو كان المرادف لاسم «إدموند روستان» هو عبارة «السير عكس التيَّار»، فهذه المسرحية، على وجه الخصوص، قام فيها بـ «اقتلاع التيَّار من جذوره»، وكانت عملًا توقَّع له النقَّاد فشلًا مدوِّيًا من جميع الجوانب.
فرنسا، الدولة التي تحتفي بالجمال والمظاهر والموضة والشباب، بطل روايتها الخالد «سيرانو دي بيرجيراك» ليس ذاك الشَّاب الذي لا يزال في مقتبل مرحلة الشباب، ولم يكن أيضًا بالرجل الوسيم الذي قد تتهافت عليه النساء. والأدهى من كل هذا وذاك، أن كان به عيب خطير كفيل بأن يجعل الجميع يمتعضون منه، ألا وهو أنفه الطويل، لدرجة مُزعجة استطاعت أن تدمِّر ما قد تكتنزه ملامحه من وسامة. الغريب أنه بالرغم من ذلك، كان يحظى ليس فقط بالاحترام، ولكن جائزته الكبرى هي أن أجمل الفتيات، «روكسان»، التي يتهافت على نظرة واحدة منها أكثر الرجال كمالًا واكتمالًا، وقعت في غرامه هو ذاته. والمفارقة غير المتوقعة أيضًا أن أحداث المسرحية تدور في أربعينيات القرن السابع عشر، علمًا بأنه في ذاك الوقت كانت المظاهر والجمال الشخصي السبيل الوحيد للقبول في الدوائر الاجتماعية.
الذكاء الذي كتب به «روستان» مسرحيته كان أكبر سبب لنجاحها؛ فقد جعل كل حرف وموقف وإيماءة ينطقون بما يجيش في صدور العامة، في هذا الوقت، من مشاعر مختلطة تتأرجح بين المرار والهزيمة، وأيضًا الفخر والآمال. ولكي تصل الفكرة للجمهور، كان اختياره الدقيق لحقبة أربعينيات القرن السابع عشر، التي كانت أحوالها تضاهي إلى حد كبير ما يحدث في مستهل القرن العشرين. فمنذ بداية عام 1640، كانت فرنسا تنجرف نحو تحوُّل جذري إبَّان عهد الملك لويس الثالث عشر Louis IIIX وصعود نجم الكاردينال «ريشيليو» Cardinal Richelieu الذي كان يساعد الملك على تنفيذ «الحُكم المُطلق» Absolutism، والذي من خلاله تتمركز سلطة البلاد في يد الملك فقط، ما يعني تجريد طبقة النبلاء ذوي الطبيعة والتاريخ المستقل، من صلاحياتهم وإرغامهم ليكونوا أتباعاً خاضعين لسلطة أفراد أخرى ذات حظوة لدى الملك. ولقد أمر الملك بهذا تحت ذريعة أن هؤلاء منوطون بتأدية دور الرُعاة القائمين على مصالح النبلاء. وعلى هذا، رفض «سيرانو»، وهو أحد أبناء طبقة النبلاء، تلك التبعية؛ لإيمانه بروحه الحرة وفكره المستقل الرَّافض للتبعية؛ فالرعاية مرادف للخضوع تحت رحمة أحدهم قد يحسب عليه حتى أنفاسه، وليس فقط حساب ما هو مخوَّل له من أموال وأملاك وصلاحيات. ولهذا، تحمَّل «سيرانو» عاقبة رفضه القاطع بشجاعة، بالرغم من أنها جعلته يموت مُفلسًا.
ومن الأحداث التاريخية المهمة التي حرص «روستان» على ذكرها في المسرحية هي «حرب الثلاثين عامًا» التي كانت بين فرنسا و»آل هابسبورج» The Habsburgs في أسبانيا. وفي الفصل الرَّابع من المسرحية، ذكر «روستان» حصار «أراس» على وجه الخصوص، الذي أظهرت فيه المسرحية بوضوح شخصية الجنود في جنوب غرب فرنسا، الشهيرين بالشجاعة المُفرطة والتهوُّر الشديد، وكل هذا ممزوج بولاء لا مثيل له للدولة وللشرف العسكري. وعلى إثر ذلك، كوَّنت تلك الجماعة هوية ثقافية مميزة تختلف عن الطابع والهوية الباريسية، وأُلصقت بتلك الجماعة لقب «الهوية الجاسكونية» Gascon Identity. واستغل «روستان» تلك الهوية لتكون الطابع المميز لبطل روايته المشهور بشجاعته وولائه وتهوره المفرط، الذي ينسب كل تلك الصفات لاحترامه وولائه الشديد لـ «الريشة الموضوعة على خوذته الحربية»، والتي هي مرادف لشرفه كفارس، وعلى أساسه لا يمكن أن يحيد أبدًا عن شرف هويته الجاسكونية.
ولكي يضع «روستان» اللمسات الأخيرة على شخصية بطله غير المألوف على جميع الصُّعد، جعله مفكِّرًا يتَّسم بالذكاء وقادرًا على نظم الشعر واستخدام اللغة الرَّاقية التي تأسر القلوب، قبل أن يأسر صاحبها العيون. وتلك الصفة كانت مخرجًا تاريخيًا واقعيًا يبرر به «روستان» الهوس بشخص «سيرانو» بالرغم من عيوبه. ومن الجدير بالذكر أن الطبقة الأرستقراطية إبَّان الحقبة التاريخية لأحداث المسرحية، استغلَّت الهوس بالذكاء واللغة الراقية ونظم الشعر في تشكيل قوة تأثير ناعمة ينجم عنها تكوين حركة اجتماعية ناشطة ذات نفوذ يعادل الصلاحيات التي تم انتزاعها منهم بسبب طغيان «الحُكم المطلق». وبذلك، استطاعت الطبقة الأرستقراطية ممارسة نفوذ سياسي من خلال الثقافة، في الوقت نفسه الذي انتزع فيه الكاردينال «ريتشيليو» تلك الميزة منهم. أي أن مؤثِّري تلك الحقبة وناشطيها كانوا من طبقة الأذكياء المثقفين. وبناء على ذلك، منح «روستان» مبررًا واقعيًا لعشق الفاتنة «روكسان» لشخص «سيرانو» القبيح، بل صنع منه أيضًا شخصية لا يستطيع الجمهور إلَّا الإعجاب بها والتعاطف الشديد معها. حرص «روستان» على تقديم نموذج عصري، لم يعرفه الجمهور إلَّا في نهاية القرن العشرين، لـ «البطل الضد»، ويعني ذلك بطل الرواية الذي يفتتن به الجميع بالرغم من نواقصه التي تجعل جميع صفات البطل التقليدي لا تنطبق عليه.
كان الضامن الخفي لوقوع الجمهور في غرام تلك المسرحية هو أن عمد كتابة «روستان» بتلك الخلفية السياسية البطولية، بينما كانت فرنسا تعاني من حقبة اكتئاب ذريع خيَّم على جميع أرجاء الدولة. فقد كانت فرنسا لا تزال تعاني من تداعيات الحرب الفرنسية البروسية التي مُنيت فيها بهزيمة مُذلة ساحقة عام 1870 وخسرت فيها إقليمي الألزاس واللورين. وبناء على ذلك، انهارت الروح الوطنية لأدنى مستوياتها على الإطلاق، وساد شعور بالانحطاط والضعف. وفاقم هذا الشعور فضيحة الضابط اليهودي «دريفوس» Dryfus التي اتُّهِم فيها بخيانة البلاد سياسيًا. وبسبب تلك الأزمة، تمزَّقت البلاد وانقسمت إلى حزبين متناحرين، بعد أن اشتعل الموقف بين المحافظين والتقدميين، ما أفضى إلى ظهور غمامة قوامها مناخ سياسي مرير وساخر مزَّق أبناء الأمة، ولم يهدأ الوضع إلَّا بعد تبرئة هذا الضابط، وإن كانت التداعيات لا تزال باقية الآثار؛ أي أن البلاد كانت واقعة تحت هزيمة سياسية نكراء، وهزيمة اجتماعية شرسة مزَّقت وجدان أبناء الأمَّة.
ذكاء «روستان» وسباحته ضد التيار جعلاه بحصافة تعادل الشعور بالهزيمة والانحطاط والانكسار على المستوى السياسي والاجتماعي من خلال إحياء نموذج «الهوية الجاسكونية»، التي يتمتَّع بطلها بالشجاعة حتى ولو كان يلفظ أنفاسه الأخيرة، والذي في حال أن نالت منه الهزيمة النكراء، فسيتقبَّل الهزيمة، ولكن بأسلوب يجعل عدوه ينبهر به ويحسده حتى ولو نالت منه أقصى ألوان الخسارة، والسبب هو ولاؤه الشديد «للريشة التي تعلو خوذته» التي تذكِّره دائمًا بهويته الشجاعة التي لا تهون ولا تخضع أبدًا لأي ظرف أو فرد.
لم يُصدِّق النقَّاد رؤية الجمهور يصفقون لعظمة تلك الرواية لمدة «عشرين دقيقة متواصلة»، وما تلاها من نجاح باهر كلَّما يتم عرضها، سواء أكان ذلك في الماضي أم حتى الحاضر، والنجاح نفسه ينطبق على إعادة استخدام تيمتها في الأعمال الدرامية المعاصرة. ولم يصدِّق أحد أيضًا أنّ «إدموند روستان»، الذي تخترق شهرته الآفاق بسرعة الصاروخ، سيحقق كل هذا النجاح والشعبية، بالرغم من أنه يسبح ضد أي تيَّار. وأكبر المفارقات أنه بعد موت «روستان» اندثر تيَّار الرومانسية مرَّة أخرى، وكأن «روستان» كان زائرًا من حقبة أخرى مهمته إحياء التيار الرومانسي فياض المشاعر في زمن كان الإحباط فيه سمة العصر.
«سيرانو دي بيرجيراك» كان ولاؤه الأوَّل والأخير للريشة التي تعلو خوذته، والولاء لتلك الريشة تجسيد لشخص «روستان» نفسه. استطاع أن يبقي «ريشته» خفَّاقة قوية بالرغم من أنها تعدّ الجزء الأكثر هشاشة في أي خوذة حديدية، وأكثر الأجسام المعرضة للكسر أو قد يدفعها الهواء لتسبح في عالم المجهول وتقاسي في النهاية المطاف من مصير مظلم. وبالرغم من هذا كله، فإنه كما يعتقد «روستان» ومن قبله كل رجل عسكرى جاسكوني، أن الريشة لدى صاحبها الذي يزين رأسه بها، ريشة تذكِّره دائماً أن الموت والخسارة أمور ثانوية؛ فالهزائم يجب تلقِّيها «بأناقة» تجعل العدو يحسده عليها، وكذلك يجب أن يجعل منها نهاية ذات وقع يدوِّي بما يأسر قلوب الجميع.