في الشرق الأوسط، لم تكن الملابس مجرد تفاصيل يومية عابرة. فالبدلة الأوروبية، والقبعة، وحتى ربطة العنق تحولت مع الوقت إلى رموز سياسية وثقافية، تعكس علاقة المنطقة بالحداثة والاستعمار والهوية. وربما لا توجد قطعة لباس حملت هذا القدر من الجدل مثل «الكرافتة»، التي عاشت سيرة معقدة امتدت من إسطنبول والقاهرة إلى طهران ودمشق.
مع نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت الدولة العثمانية تعيش واحدة من أكثر مراحلها اضطرابا وإصلاحا. كانت الإمبراطورية تحاول إعادة بناء الدولة والجيش والإدارة وفق النموذج الأوروبي، لكن هذه الإصلاحات لم تتعلق بالمؤسسات فقط، بل امتدت أيضا إلى الجسد واللباس والفضاء العام.
بدأت النخب العثمانية ترتدي الأزياء الأوروبية، وظهرت في البداية ربطة العنق على شكل الفراشة، أو ما يسمى بـ «البابيون»، داخل إسطنبول، ثم في القاهرة ودمشق وبيروت، بوصفها جزءا من مظهر النخب الجديدة التي تشكلت مع توسع المدارس الحديثة والإدارة والجيش والبيروقراطية العثمانية. كان ارتداء ربطة العنق آنذاك إعلانا غير مباشر عن الانتماء إلى عالم البيروقراطية المركزية والتعليم الحديث والدولة المنظمة، ولذلك لم يكن غريبا أن ينقسم الناس حولها. فبينما رأى البعض أنها مجرد لباس أوروبي لا يحمل أي معنى ديني، اعتبرها آخرون علامة على الانبهار بالغرب والتخلي التدريجي عن الهوية الإسلامية والمحلية.
في قلب هذا النقاش ظهر رشيد رضا، أحد أبرز وجوه الإصلاح الإسلامي في مطلع القرن العشرين. والمفارقة أن رضا نفسه كان يمثل حالة مركبة للغاية. فهو رجل دين تقليدي في مظهره، يرتدي العمامة البيضاء والجلباب، ويتحدث بلغة الفقه والتراث الإسلامي، لكنه في الوقت نفسه كان شديد الانفتاح على فكرة التحديث والإصلاح وإعادة قراءة العلاقة مع العالم الحديث.
ولد رضا عام 1865 في القلمون داخل بيئة دينية محافظة، وتأثر مبكرا بأفكار جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، اللذين حاولا الدفاع عن فكرة إمكان التوفيق بين الإسلام والحداثة. وعندما انتقل إلى مصر عام 1897، وأسس مجلة «المنار» بعدها بعام، تحولت المجلة سريعا إلى أحد أهم المنابر الفكرية في العالم الإسلامي. كانت تصلها رسائل من الهند وبلاد الشام وشمال افريقيا وجنوب شرق آسيا، تسأل عن السياسة والتعليم والدين، وحتى تفاصيل الحياة اليومية، ومن بينها الأزياء الأوروبية. في تلك المرحلة بدا رضا منفتحا على الأزياء الأوروبية، بل مدافعا عنها أحيانا. لم يكن يرى أن ربطة العنق، التي كانت آنذاك أقرب إلى الفراشة أو «البابيون»، تمثل خطرا بحد ذاتها، بل اعتبر أن المبالغة في مهاجمة الأزياء الأوروبية تكشف عن فهم سطحي للدين وللصراع مع الغرب. كانت حجته الشهيرة تقوم على أن النبي ارتدى «الجبة الرومية»، أي لباس الروم، من دون أن يعني ذلك تقليدا دينيا لهم، ولذلك رأى أن ارتداء ربطة العنق، أو البدلة الأوروبية لا يمثل مشكلة شرعية، ما دام الأمر لا يتعلق بالعقيدة أو العبادة.
كان هذا الموقف يعكس أيضا طبيعة المرحلة، ففي مطلع القرن العشرين، كانت قطاعات واسعة من النخب العربية والإسلامية ترى أن مشكلة العالم الإسلامي ليست في الملابس الأوروبية، بل في التخلف العلمي والسياسي والعسكري. ولهذا بدا رضا أقرب إلى تيار إصلاحي يريد التعامل مع الحداثة الأوروبية ببراغماتية، لا برفض كامل. لكن السياسة، كما يقال أحيانا، تغير كل شيء، وهذا ما حدث مع رشيد رضا لاحقا، فبعد الحرب العالمية الأولى، بدا لكثيرين أن العالم يدخل مرحلة جديدة، خصوصا مع شعارات «حق تقرير المصير» التي رفعها الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون عام 1918. بدا رشيد رضا متفائلا في البداية، خصوصا عندما انتقل إلى سوريا وشارك بحماسة في المؤتمر السوري العام بعد عام 1918. اعتقد أن هناك فرصة حقيقية لولادة عالم عربي مستقل وحديث. غير أن الصدمة جاءت سريعا، الفرنسيون احتلوا سوريا عام 1920، وقضوا على حلم الدولة العربية الناشئة. بالنسبة إلى رضا، لم يكن الاحتلال مجرد حدث سياسي، بل لحظة انهيار نفسي وفكري أيضا، فقد بدأ يشعر بأن أوروبا التي تحدثت عن الحرية وحقوق الشعوب ما تزال تنظر إلى الشرق باعتباره مجالا للاستعمار والسيطرة.
عندما عاد إلى القاهرة، وجد المصريين يخوضون معارك المقاطعة ضد البضائع البريطانية بعد ثورة 1919. كانت المقاطعة الاقتصادية تتحول إلى شكل جديد من أشكال المقاومة السياسية، صحيح أن قادة الحركة الوطنية المصرية، مثل سعد زغلول، ظلوا يرتدون البدلات وربطات العنق، لكن المناخ العام بدأ يتغير. لم تعد الأزياء الأوروبية بريئة بالكامل في نظر كثيرين، بل أصبحت مرتبطة تدريجيا بصورة المستعمر ونفوذه الثقافي. ثم جاءت لحظة إلغاء الخلافة العثمانية عام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك، لتدفع هذا التحول إلى أقصاه. لم يكتف أتاتورك بإلغاء الخلافة، بل أطلق مشروعا شاملا لإعادة تشكيل المجتمع التركي، من اللغة والتعليم وحتى اللباس. أصبحت القبعة و»الكرافتة» والبدلة الأوروبية جزءا من صورة المواطن التركي الحديث.
اعتبر رشيد رضا أن الغرب لا يكتفي باحتلال الأرض، بل يحاول إعادة تشكيل الإنسان نفسه، وهنا بدأ تحوله الفكري الكبير. خلال سنوات قليلة فقط، انتقل من الدفاع عن ربطة العنق إلى انتقادها بوصفها رمزا للانبهار بالغرب والتبعية الثقافية. أخذ يمتدح «الزي الوطني» واللباس التقليدي، وبدأ ينظر إلى المبالغة في تقليد الأوروبيين باعتبارها علامة على فقدان الثقة بالنفس. في هذه الأثناء ظهر المهاتما غاندي في الهند بوصفه نموذجا مختلفا للمقاومة. كان غاندي نفسه قد عاش تجربة شديدة الشبه بتجربة النخب الشرقية المتأثرة بأوروبا. عندما ذهب إلى بريطانيا لدراسة القانون عام 1888، ارتدى «الكرافتة» والبدلة الأوروبية وحاول الاندماج الكامل في عالم الإمبراطورية البريطانية. لكن تجربته اللاحقة في جنوب افريقيا، حيث واجه العنصرية والاستعمار بشكل مباشر، غيرت نظرته إلى العالم. عندما عاد إلى الهند عام 1915، كان قد وصل إلى قناعة بأن الاستعمار لا يسيطر فقط عبر الجيوش والقوانين، بل أيضا عبر السيطرة على الذوق والعادات اليومية وأنماط الاستهلاك. ولهذا خلع «الكرافتة» والبدلة الأوروبية، وارتدى اللباس الهندي التقليدي البسيط، محولا جسده نفسه إلى موقف سياسي. لم يكن الأمر مجرد فولكلور، أو حنين إلى الماضي، بل محاولة واعية لتحويل الحياة اليومية إلى ساحة مقاومة. دعا غاندي الهنود إلى مقاطعة البضائع البريطانية، بما فيها الأقمشة والأزياء، وإلى استعادة الثقة بالمنتجات والملابس المحلية، كان يرى أن التحرر يبدأ من التخلص من الشعور بأن الأوروبي أكثر أناقة وتحضرا.
المؤرخ ليور هاليفي، في كتابه «محاكمات بدائع التحديث: الإصلاح العالمي والمادي للإسلام في عصر محمد رشيد رضا 1865 ـ 1935»، ناقش تأثر رشيد رضا الكبير بتجربة غاندي ومتابعته لها بوصفها نموذجا جديدا لمقاومة الهيمنة الغربية. بدا رضا وكأنه وجد لدى غاندي «الحل البديل» بعد خيبة الأمل بأوروبا. فقد رأى أن بوسع الشعوب مقاومة النفوذ الأوروبي أيضا من خلال تغيير سلوكها الاستهلاكي وأزيائها اليومية. ولذلك أخذ يشيد بتجربة غاندي ويدعو إلى الاقتداء بها، بما في ذلك مقاطعة «الكرافتة» التي أخذت تحل محل «البابيون» في تلك الفترة.
وهكذا تشكل ما يشبه «أرخبيل مقاومة» رمزيا يمتد من الهند إلى مصر وبلاد الشام، يقوم على فكرة أن مقاومة الاستعمار لا تحدث فقط في ساحات القتال، بل أيضا في الأسواق والملابس والعادات اليومية. تحولت «الكرافتة» هنا إلى رمز مكثف للهيمنة الغربية، تماما كما أصبحت الملابس التقليدية رمزا للمقاومة واستعادة الكرامة الوطنية. لكن هذه المعارك الفكرية بدأت تخفت تدريجيا بعد الحرب العالمية الثانية. استقلت معظم الدول العربية والإسلامية، وعادت النخب السياسية والإدارية إلى ارتداء «الكرافتة» بوصفها جزءا طبيعيا من صورة رجل الدولة الحديث، بل إن كثيرا من الإسلاميين أنفسهم ظهروا بـ»الكرافتة» والبدلة الأوروبية، من حسن البنا إلى سيد قطب، وأصبحت جزءا من صورة «الأفندي» العربي.
كرافتة أمريكية وعمامة إيرانية
في الوقت الذي كان فيه رضا وغاندي يخوضان معركة ضد الأزياء الأوروبية، كانت الولايات المتحدة تصعد بوصفها القوة العالمية الجديدة. تحولت نيويورك إلى عاصمة للمال والموضة والسينما، وجرى تطوير الشكل الحديث لـ»الكرافتة» على يد الخياط الأمريكي جيسي لانغسدورف عام 1924. ومع صعود هوليوود، أصبحت الكرافتة جزءا من صورة الرجل الناجح والعصري في العالم كله.
لكن «امبراطورية الكرافتة الأمريكية» واجهت لاحقا تمردا جديدا، وهذه المرة من داخل الغرب نفسه. ففي الستينيات والسبعينيات ظهرت حركات شبابية وثقافية رأت في البدلة و»الكرافتة» رمزا للرأسمالية والحرب والرتابة الاجتماعية. من البيتلز إلى الهيبيين، بدأت الأزياء الملونة والقمصان المفتوحة تحل محل اللباس الرسمي التقليدي. اللافت أنه بعد سنوات قليلة من هذا التمرد، سيظهر تمرد آخر ضد عالم «الكرافتة» الغربي، لكن هذه المرة في الشرق الأوسط مرة أخرى.
ففي عام 1979، نزل رجل معمم تقليدي في مطار طهران، معلنا انتصار الثورة الإسلامية في إيران. والمفارقة أن لباس زعيم الثورة ومؤيديها بدا وكأنه يعبر هو أيضا عن المزاج العالمي الجديد المناهض ل»الكرافتة» واللباس الرسمي التقليدي، لكن بلغة إسلامية مختلفة تماما. ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا وأمريكا تعيش منذ الستينيات على وقع ثورات ثقافية وشبابية ضد البدلة الرسمية وربطة العنق، من الهيبيين إلى ثقافة «التمرد على المؤسسة»، كانت إيران تشهد بدورها ثورة ضد نموذج آخر من الحداثة الرسمية التي فرضها الشاه.
صحيح أن الثورة الإيرانية لم تكن امتدادا لحركات الهيبيين، أو اليسار الغربي، بل جاءت من بيئة دينية محافظة، لكن يمكن ملاحظة رابط بين العالمين. ففي الحالتين، كانت «الكرافتة» تقرأ بوصفها رمزا لعالم الدولة الحديثة الصلبة، والبيروقراطية، والغرب المتفوق الذي يريد فرض نموذجه على الجميع. وكأن الثورة الإيرانية أعادت إنتاج هذا التمرد العالمي على اللباس الرسمي، ولكن بصيغة إسلامية محافظة تربط بين «الكرافتة» والتغريب والاستعمار الثقافي. لفهم ذلك، لا بد من العودة إلى صورة إيران نفسها في عهد الشاه محمد رضا بهلوي. كان الشاه يؤمن بأن تحديث إيران لا يتم فقط عبر بناء الجيوش والمصانع والجامعات، بل أيضا عبر إعادة تشكيل المجتمع الإيراني بصريا وثقافيا. ولهذا لم تكن الأزياء مسألة هامشية بالنسبة إليه. كما فعل أتاتورك في تركيا قبله، اعتقد الشاه أن الطريق إلى الحضارة يمر عبر الأزياء الأوروبية: البدلة، القبعة، وربطة العنق.
في طهران السبعينيات، أخذت الدولة تدفع باتجاه خلق طبقة وسطى حديثة تشبه النخب الأوروبية. الموظف المثالي، ورجل الأعمال، والضابط، وحتى الطالب الجامعي، كانوا جميعا مطالبين بشكل غير مباشر بالدخول إلى هذا العالم الجديد. أصبحت «الكرافتة» جزءا من صورة «الإيراني الحديث» الذي يريد الشاه إنتاجه. ولهذا لم يكن رفض «الكرافتة» عند خصومه مجرد رفض لقطعة قماش، بل رفضا لمشروع كامل من هندسة المجتمع والهوية.
ظهر الخميني وسط هذا المشهد بوصفه النقيض الكامل للشاه. رجل دين يرتدي العمامة السوداء والعباءة التقليدية، ويتحدث بلغة دينية وشعبوية، في مواجهة ملك يظهر دائما بالبدلات الأوروبية والكرافتات الرسمية. بدا الصراع بين الرجلين وكأنه صراع بين عالمين بصريين أيضا: عالم الدولة الحديثة المتغربة، وعالم الثورة الإسلامية التي تريد استعادة الأصالة. بعد انتصار الثورة، لم تتعامل الجمهورية الإسلامية مع «الكرافتة» باعتبارها مجرد تفصيل شكلي. سرعان ما بدأت حملات اجتماعية ودينية ضدها، وروج بعض رجال الدين لفكرة أن «الكرافتة» تشبه الصليب المسيحي، وأن الغرب يحاول فرض رموزه الدينية والثقافية على المسلمين بطريقة غير مباشرة. كانت هذه الفكرة تمنح الموقف من «الكرافتة» بعدا عقائديا، لا مجرد بعد سياسي.
أخذت الشرطة الدينية تجوب الأسواق وتغلق المحال التي تبيع «الكرافتات»، وتحولت ربطة العنق إلى رمز مرتبط بالشاه والنخب الغربية والطبقات «المتغربة». وشيئا فشيئا، ولدت أجيال كاملة في إيران تكبر في فضاء عالم يخلو تقريبا من «الكرافتة». لاحقا، وبعد عام 2003، بدا وكأن هناك محورا شيعيا سياسيا كاملا في المنطقة يتشكل من قوى لا ترتدي «الكرافتة»، من طهران إلى الضاحية الجنوبية. مع ذلك لم يكن المشهد موحدا بالكامل. ففي داخل البيئة الشيعية نفسها، ظهر لاحقا تمايز واضح حول «الكرافتة»، فبينما ظل التيار الأقرب إلى خامنئي يعتبر عدم ارتداء «الكرافتة» جزءا من الهوية الثورية، ظهر رجال دين وسياسيون شيعة آخرون يحافظون على ارتدائها للتمييز بين أنفسهم، والمشروع الإيراني. ولهذا ظل نبيه بري في لبنان مثلا يرتدي الكرافتة، كما أصدر علي السيستاني في العراق مواقف أكثر مرونة تجاهها.
جهاديون و”كرافتة”!
في عام 2001، ظهر أسامة بن لادن، الرجل الطويل ذو اللحية البيضاء واللباس الأفغاني، معلنا مسؤوليته عن هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول. وخلال السنوات اللاحقة، ترسخت صورة «الجهادي» في المخيلة العالمية بوصفه رجلا يرتدي الأزياء الأفغانية التقليدية، مع عمامة ولحية طويلة، في قطيعة واضحة مع صورة السياسي أو الموظف الحديث الذي يرتدي البدلة و»الكرافتة». لاحقا، ومع الغزو الأمريكي للعراق، أخذ هذا النموذج البصري يترسخ أكثر. أصبح كثير من المقاتلين الجهاديين يتعمدون التميز من خلال اللباس، وكأن الثياب نفسها تحولت إلى إعلان سياسي وثقافي يرفض العالم الغربي ورموزه، بما فيها «الكرافتة». ولهذا لم يكن مستغربا أن تعود طالبان، بعد سيطرتها مجددا على أفغانستان عام 2021، للحديث عن منع ارتداء «الكرافتة»، وإن كانت هذه الدعوات لم تثر ضجة واسعة، لأن المجتمع الأفغاني بقي في معظمه محافظا على لباسه التقليدي أصلا.
لكن التحول الأبرز ظهر لاحقا في سوريا. فبعد سنوات طويلة ارتبطت فيها صورة الجهادي بالألبسة الأفغانية والهيئة التقليدية، ظهر أحمد الشرع، الرئيس الانتقالي، مرتديا بدلة رسمية من دون «كرافتة» في أيامه الأولى، بدا المشهد وكأنه محاولة للجمع بين الخلفية الإسلامية والصورة السياسية الحديثة.
غير أن التحول اللافت جاء بعد أسابيع، عندما بدأ الشرع يظهر بـ»الكرافتة» خلال اللقاءات الرسمية والدبلوماسية. هنا لم تعد «الكرافتة» مجرد تفصيل شكلي، بل بدت وكأنها إعلان عن مرحلة جديدة داخل العالم الجهادي نفسه؛ مرحلة تحاول الانتقال من صورة «المقاتل» إلى صورة «رجل الدولة». وكأن «الكرافتة» تحولت إلى لغة سياسية جديدة، تحمل رسالة عن الرغبة في التواصل مع العالم الحديث والدخول إلى فضاء الدبلوماسية والمؤسسات والعلاقات الدولية.
المفارقة أن «الكرافتة»، التي خاض حولها رشيد رضا وغاندي ورجال الثورة الإيرانية معارك رمزية، باعتبارها تعبيرا عن الهيمنة الغربية، عادت اليوم لتظهر داخل بيئات كانت حتى وقت قريب ترى فيها رمزا للتغريب والانبهار بالغرب. وكأن هذه القطعة الصغيرة من القماش ما تزال حتى اليوم تؤدي الوظيفة نفسها، وهي إعلان موقف من العالم، سواء عبر ارتدائها أو رفضها.