اختتمت أمس الجمعة قمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ونظيره الصيني شي جين بينغ.
خلال كلمته الافتتاحية، أول أمس الخميس، اختار شي التذكير بحدث تاريخي قديم يعود إلى حروب بدأت عام 431 قبل الميلاد بين أثينا وإسبرطة في بلاد الإغريق استمر عقودا طويلة محذّرا الأمريكيين من الوقوع في «فخ ثيوسيديدس»، وهو مصطلح سبق للمستشار السابق لترامب، ستيف بانون، استخدامه وهو يشير إلى الفرضية القائلة إنه عندما تهدد قوة صاعدة بإزاحة قوة قائمة، فإن النتيجة غالبا ما تكون الحرب.
باستعادته مجددا لفكرة بانون (وهو يعتبر من كبار المنظرين لتيار اليمين المتطرّف في العالم) قلب شي المسألة التي يُفهم من سياقها تحريض أمريكا (القوة القائمة) على الصين (القوة الصاعدة)، محولا إياها إلى تحذير (أقرب للتهديد) من الصين لأمريكا!
الأغلب أن إشارة شي التي تقرأ بعيني الحكمة والجرأة معا ما كانت ستحصل لولا الديناميّة الكبرى التي أنتجتها الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، وما تمخّض عنها من استعصاء كبير بعد فشل السيناريو المخابراتي الإسرائيلي الذي أقنع به بنيامين نتنياهو، رئيس وزراء إسرائيل، ترامب، بأن اغتيال قادة إيران، والحرب الواسعة عليها، وتمويل وتسليح المعارضة الإيرانية، ستؤدي لسقوط سريع للنظام الإيراني، مضافا إليها طبعا، الاستعصاءات الأخرى المرتبطة بالمسألة الإيرانية، كما هو حاصل في لبنان، وفي اليمن والعراق، وفي المعضلة التي وجدت دول الخليج العربي نفسها فيها.
يمكن النظر إلى القمة الأمريكية – الصينية باعتبارها إطارا أكبر تقرأ فيه أحوال العالم، وعلى رأسها حاليا، ملفات إيران، ومضيق هرمز (العامل المستجد الذي فاجأ ترامب على حد قوله)، وقضايا الطاقة التي تعرّضت لضربات كبيرة ستنعكس لسنوات على البشرية، وأخيرا، قضية تايوان، التي أشار إليها شي في حديثه المذكور عن ثيوسيديدس.
تظهر التصريحات التي تم تداولها خلال القمة وبعدها إلى اتفاق على أن مضيق هرمز لم يعد ملفا إيرانيا خالصا، فالصين، رغم علاقتها المهمة بطهران، لها مصلحة كبيرة في بقاء المضيق مفتوحا، لأن أي اضطراب طويل المدى في سلاسل إمداد الطاقة والشحن سيضر بالاقتصاد الصيني، وكذلك بالاقتصاد العالمي، الذي يعتمد كثيرا على الصين وأمريكا.
التقارير الغربية الواردة عن القمة تشير إلى أن واشنطن وبكين وجدتا أرضية مشتركة حول ضرورة بقاء المضيق مفتوحا، وأن الصين قلقة من تداعيات إغلاقه على التجارة والطاقة وتداعيات ذلك على قطاعات الاقتصاد الأخرى. تتفق التقارير أيضا على أن قضية تايوان كانت حاضرة، وأنها أخذت أولوية في أجندة المفاوضات الصينية – الأمريكية، وقد أكد الصينيون على أن التعامل مع هذه القضية «بشكل صحيح» شرط لاستقرار العلاقة الثنائية بين البلدين.
ركّز الأمريكيون، في المقابل، على الموضوع الإيراني، وخصوصا على نقطتي منع طهران من امتلاك سلاح نووي، وإجبارها على فتح مضيق هرمز، وتظهر الأنباء الواردة عن عرض ترامب رفع عقوبات على شركات صينية تشتري النفط الإيراني يعني أن الملف الإيراني دخل مرحلة مساومة اقتصادية – سياسية، ولكن هذه المساومة لم تؤد إلى «صفقة كبرى» بين الطرفين، والأغلب أن القمة لم تنتج اختراقا حاسما لا حول إيران ولا تايوان ولا القضايا التجارية العالقة، وكان أقصى ما حصل عليه ترامب هو إعلان تقارب في المصالح حول هرمز.
بالنسبة للمنطقة العربية والشرق الأوسط فإن القمة جعلت أمن الطاقة ملفا دوليا فوق إقليمي، وبذلك غدا الخليج، والعراق، وإيران، واليمن، والبحر الأحمر، وهرمز ملفات غير منفصلة بل جزءا من حسابات التجارة العالمية بين القوتين الكبريين.
بالنسبة للعالم العربي، تمثل القمة فرصة وخطرا في الوقت نفسه. تتمثل الفرصة في وجود تفاهم أمريكي – صيني على استقرار الطاقة مما يقلل احتمال حرب إقليمية شاملة، وهو أمر مطمئن للدول العربية واقتصاداتها، وخصوصا دول الخليج ومصر والأردن ولبنان والعراق، أما المخاطرة فسببها تجاهل الخطر الإسرائيلي، الذي يسعى لإعادة تشكيل النظام الإقليمي العربي، وفيما تقوم واشنطن وبكين بالتفاهم على الخطوط العريضة، تكون الدول العربية ملزمة بالتعامل مع النتائج الوخيمة للحرب، وهي كيفما قلبناها، لا تبدو لصالح العرب؟