معرض الرباط للكتاب يسدل الستار على وقع السجالات



عبد العزيز بنعبو

الرباط ـ «القدس العربي» : انتهت فعاليات الدورة الـ31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب في العاصمة المغربية الرباط، التي امتدت من 30 نيسان/أبريل إلى 10 أيار/مايو، لكن تداعيات بعض الأحداث التي شهدتها لم تنته بعد. فقد تحولت هذه التظاهرة الثقافية إلى فضاء لنقاشات تجاوزت الكتب والتوقيعات، لتلامس قضايا حقوقية وسياسية وثقافية أثارت الكثير من الجدل.
النقاش ظلّ ساخنا طوال أيام المعرض، وحتى بعد اختتامه، خاصة مع عودة اسم الباحث والمؤرخ المعطي منجب إلى الواجهة، وتداول تدوينات حادة للباحث عبد الرحيم حزل، إضافة إلى الجدل الذي رافق الحديث عن منع توقيع كتاب حول ضحايا زلزال «الحوز» داخل رواق النقابة الوطنية للصحافة المغربية.
كما لم يخل المعرض من مفردات جديدة دخلت القاموس الثقافي المتداول، مثل مصطلح «الهركاوي» الذي استعمله الفنان الكوميدي حسن الفد، لوصف السلوك السلبي لفئة من الناس. ففي خضم الحركة الاعتيادية للزوار بين أروقة الكتب وقاعات الندوات، ارتفع صوت المعطي منجب عند إحدى البوابات احتجاجا على ما وصفه بـ»منعه» من ولوج المعرض لحضور ندوة للكاتب المغربي الفرنسي الطاهر بنجلون، وتداولت منصات التواصل مقاطع فيديو وتدوينات حول الواقعة. وبينما لم يصدر أي بلاغ رسمي من إدارة المعرض حول واقعة «المنع»، تضاربت الآراء بين من اعتبر الأمر مجرد إجراء تنظيمي عادي، ومن رأى في ما حدث استمرارا للتضييق على منجب، مع التأكيد على أن معرض الكتاب يفترض أن يكون فضاء مفتوحا لجميع الأصوات. فيما أشار آخرون إلى أن الباحث حاول الدخول من باب مخصص للمغادرين، من دون أن تكون هناك حاجة لتضخيم القضية في غياب معطيات دقيقة.

«مواطن غير مقيم» يختفي من رواق نقابة الصحافة

كلمة «المنع» اقترنت أيضا بكتاب «زلزال الحوز.. حكاية مواطن غير مقيم» للكاتب والناشط منتصر إثري. فقد تحدثت منابر إعلامية محلية وتدوينات عن منع حفل توقيع الكتاب، الذي كان مقررا تنظيمه داخل رواق النقابة الوطنية للصحافة المغربية. وحسب تصريحات المؤلف، فإن الكتاب ظلّ معروضا لأيام داخل الرواق، قبل أن يُسحب في آخر لحظة. كما قال إن التبرير الذي قدم له هو أن النشاط «غير موجود في المنصة الرسمية»، رغم أن أنشطة أخرى جرت خارج البرمجة الرسمية. الكتاب يتناول تجربة شخصية مرتبطة بالإقصاء من تعويضات الزلزال الذي ضرب منطقة «الحوز» (وسط البلاد) منذ عامين ونصف، لذلك اعتبر متضامنون أن الواقعة تحمل حساسية سياسية واجتماعية مرتبطة بتدبير ملف الضحايا. كما استغرب البعض الحديث عن منع كتاب صدر في المغرب وحصل على رقم إيداع قانوني. من جهتها، دخلت «التنسيقية الوطنية لضحايا الزلزال» على خط القضية، وأصدرت بيان تضامن مع الكاتب، معتبرة أن القرار محاولة لحجب معاناة المتضررين. كما عبّر «الائتلاف المدني من أجل الجبل» عن تضامنه مع المؤلف، مؤكدا أن نقل معاناة الضحايا والتعبير عنها حق مشروع.
وتكررت كلمة «المنع» في واقعة أخرى تتعلق بالكاتب عبد الرحيم حزل، الذي أثار بدوره جدلا واسعا بعدما تحدث عن منع أو عرقلة عرض كتابه «الأمازيغ والمخزن» داخل المعرض. وكان «فيسبوك» الساحة الأساسية لهذا الجدل، بعدما انتشرت تدوينات للكاتب وأخرى لمتضامنين معه، مقابل تدوينات مضادة اعتبرت أن بعض المعطيات المتداولة حول الواقعة غير دقيقة.

«الهركاوي» يشعل الجدل حول سلوك المواطن وواجبات المسؤولين

بعيدا عن قضايا «المنع»، شكل اللقاء الذي خصص للفنان الكوميدي حسن الفد لتوقيع كتاب حول تجربته الفنية باللغتين العربية والفرنسية، حدثا جماهيريا. غير أن النقاش تجاوز التوقيع نفسه إلى التصريحات التي أدلى بها الفد، خاصة استعماله لكلمة «الهركاوي»، التي تطلق في العامية المغربية على سلوكات سلبية لعينة من الأشخاص. وعاب منتقدون على الكوميدي المغربي توجيه الانتقادات لمواطنين مغاربة بسطاء قد لا يلتزمون بقواعد المرور في الشوارع ـ مثلا ـ في حين يغض الطرف عن محاسبة الشخصيات الموجودة في مواقع المسؤولية، وبذلك، انصب وصف «الهركاوي» على فئة من عامة الشعب، دون أن ينطبق على الطبقات العليا.
وتساءل البعض في تدوينات على فيسبوك: «أين سيتعلم المواطن المهمش الذي لا تصله مظاهر الحضارة ويعيش في الهامش معنى «السلوك الحضاري»؟ كيف نطالبه بالانضباط في الفضاء العام، بينما لم نوفر له فضاءً عمومياً يحترم إنسانيته أصلاً؟ كيف نطلب منه احترام القانون، وهو لا يرى نفسه محمياً به، بل غالباً ضحية له أو خارج حساباته؟» ومن ثم، يذهب أصحاب هذا الرأي إلى أن المشكلة ليست في «طبع» الناس، ولا في اختزالهم في أوصاف جاهزة من قبيل «تهركاويت»، بل في الشروط التي تنتج هذه السلوكيات وتعيد إنتاجها، حين تغيب المدرسة كفضاء حقيقي للتنشئة، ويتحول الإعلام إلى أداة للتفاهة أو التبرير، وتختزل السياسات العمومية في تدبير يومي للأزمات، من دون أفق، يصبح من السهل جدا إلقاء اللوم على الأضعف.
ولم يتوقف الجدل عند هذا الحد، بل تحول إلى أسئلة أوسع داخل المشهد الثقافي، من قبيل: هل يتحول «المؤثر» أو الكوميدي إلى منافس للكاتب التقليدي؟ وهل يعتمد المعرض أكثر فأكثر على الأسماء الجماهيرية لجذب الزوار؟ ثم ماذا عن الجدل القديم بين الفرجة والمنتَج الثقافي «الجاد»؟ كما أعادت طوابير التوقيع والإقبال الكبير على كتاب حسن الفد النقاش حول العلاقة بين الثقافة الجماهيرية والثقافة النخبوية، حيث اعتبر البعض الأمر نجاحا للمعرض في جذب جمهور جديد للكتاب، بينما رأى آخرون فيه شكلا من «تسليع» الحدث الثقافي.

شد الحبل بين كاتبة مصرية وناشرها

وإذا كانت قضايا «المنع» قد استهلكت بكثرة خلال هذه الدورة، فإن خلافات الوسط الثقافي نفسها وجدت طريقها إلى واجهة المعرض. فقد تحوّل خلاف بين الكاتبة المصرية نجاة علي و»دار المتوسط» إلى واحدة من أكثر القضايا تداولا داخل الوسط الأدبي العربي على «فيسبوك» خلال أيام المعرض. الكاتبة المصرية قالت، في بيان نشرته على صفحتها، إن الدار سلبتها حقوقها المادية والأدبية المتعلقة بكتابها «الطريق إلى التحرير» الصادر سنة 2019، واتهمتها بالتهرب من توقيع عقد رسمي طوال خمس سنوات. وأضافت أن مطالبتها بحقوقها قوبلت، حسب روايتها، بالإساءة اللفظية عوض التسوية المالية، قبل أن تعلن لجوءها إلى القضاء، معتبرة أن مثل هذه الممارسات تحول المؤسسة الثقافية إلى «دكان متنقل» يفتقر إلى المهنية.
في المقابل، أصدرت «دار المتوسط» بيانا توضيحيا نفت فيه ما ورد في تصريحات الكاتبة، مؤكدة التزامها بتسويات مالية موثقة، ومرجعة غياب العقد إلى ظروف جائحة كورونا، مع اتهام الكاتبة بممارسة «الابتزاز والتشهير»، وهو ما دفع الدار إلى إعلان إنهاء العلاقة معها واللجوء إلى القضاء لحماية سمعتها.
وسرعان ما تحول الخلاف إلى تراشق بالتدوينات والتعليقات، على مواقع التواصل الاجتماعي، وجرّ معه كتابا وناشرين آخرين. لكن، الأهم بالنسبة لكثير من المتابعين أن هذه الواقعة أعادت طرح سؤال هشاشة العلاقة أحيانا بين الكاتب العربي ودور النشر، خصوصا في ما يتعلق بالحقوق المالية والتسويق والحضور في المعارض.
إلى جانب هذه الوقائع البارزة، شهدت الدورة الـ31 للمعرض ملاحظات أخرى أثارت الجدل، من بينها الحضور القوي للمؤثرين وصناع المحتوى داخل فضاءات المعرض، سواء في التغطية، أو حفلات التوقيع، ما أعاد النقاش حول تحوّل معارض الكتب إلى فضاءات هجينة تجمع الثقافة وصناعة التأثير الرقمي. كما اشتكى عدد من الزوار من ارتفاع أسعار الكتب مقارنة بالدورات السابقة، بينما برر ناشرون ذلك بارتفاع تكاليف الطباعة والشحن. ورغم كل هذا الجدل، سجل المعرض مشاركة قياسية نسبيا، بحضور نحو 891 عارضا من 61 بلدا، مع أكثر من 130 ألف عنوان معروض، ما يؤكد الطابع الدولي المتنامي للتظاهرة. كما عرف المعرض إقبالا جماهيريا كبيرا، خاصة خلال عطلة نهاية الأسبوع، حيث وثقت وسائل إعلام محلية طوابير طويلة أمام بعض الأروقة وحفلات التوقيع، خصوصا الأسماء الجماهيرية والروائيين المعروفين.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *