حكومة نتنياهو تمنح حزب الله فرصة ثمينة للبقاء والانتصار


الناصرة- “القدس العربي”:

حمل عدد من المسؤولين السابقين والمراقبين الإسرائيليين على إدارة حكومة الاحتلال للجبهة مع حزب الله، محذرين من نتائج وخيمة بسبب تحول وقف النار إلى حرب استنزاف مكلفة، وبسبب الرضوخ للإملاء الأمريكي، ورهن جبهة لبنان بإيران، وتقييد أيدي الجيش.

وفي حديث للإذاعة العبرية الرسمية، وجه وزير الأمن وقائد الجيش الأسبق، الجنرال في الاحتياط موشيه يعالون، انتقادات حادة لحكومة نتنياهو، التي لا تعرف كيف تترجم مكاسب كبيرة يحققها الجيش إلى نتائج دبلوماسية مفيدة، منبها إلى خطورة الرهان على القوة فقط دون رؤية سياسية، مع إبقاء كل الجبهات مفتوحة، مما يعني عدم الانتصار في أي منها.

وتبعه بانتقادات متطابقة الجنرال في الاحتياط أمير رؤوفيني، في حديث للإذاعة ذاتها اليوم الاثنين، بقوله إن إسرائيل ترتكب أخطاء فادحة منذ اعتبرت دخول حزب الله في فخ استراتيجي، لتجد نفسها عالقة أمام مسيرات مفخخة دون حلول، وأمام اتفاق وقف للنار يتحول إلى استنزاف، داعيا للضغط على البيت الأبيض لمنع استمرار الحالة النزافة في جنوب لبنان. ويعتقد رؤوفيني أن إسرائيل تعرضت في الماضي لما يشبه سلاح المسيرات، مثل صواريخ ساغر المضادة للدروع، وصواريخ الكتف من طراز “أر بي جي”، خلال حرب لبنان الأولى، وخلال الحرب الأخيرة على غزة، مرجحا إيجاد حل عملياتي مستقبلا لها.

لكن المشكلة، بنظر رؤوفيني، أعمق، منوها إلى خطورة تحول الجبهة مقابل حزب الله إلى حرب استنزاف: عشرات آلاف الجنود في الجنوب، وتبادل للنار، وإدارة حرب عصابات، ودون هدف سياسي حقيقي مع حكومة لبنان بالتزامن، معتبرا محادثات واشنطن حول سلام “كلاما فارغا”.

منحنا حزب الله ثلاثة منجزات

ويتقاطع معهما، وبحدة لا تقل منهما، المحاضر الخبير بالشؤون السورية واللبنانية، بروفيسور أيال زيسر من جامعة تل أبيب، الذي قال إنه، مع الأسف الشديد، انتهت جولة القتال الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله -والتي بدأت بعد أن انخرط التنظيم إلى جانب إيران في حربها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل- بثلاثة إنجازات مهمة منحناها بأيدينا لحزب الله وإيران التي تقف خلفه.

في مقال نشرته صحيفة “يسرائيل هيوم”، أشار زيسر إلى هذه المنجزات، الأول: إيران هي التي أجبرت الرئيس ترامب على فرض وقف لإطلاق النار في لبنان قبل استكمال المهمة، وبذلك عززت مكانتها، ليس فقط كراعٍ لحزب الله، بل أيضا كجهة تقرر متى تبدأ الحرب في لبنان ومتى تنتهي، وليس إسرائيل أو الحكومة اللبنانية. الثاني: لم يعد وقف إطلاق النار الوضع إلى ما كان عليه خلال العام الماضي، حين كان الجيش الإسرائيلي يتمتع بحرية عمل واسعة في لبنان، بل على العكس، أصبح نشاط إسرائيل اليوم مقيدا في الجنوب اللبناني فقط، وهي ممنوعة من العمل شمالا، مثل ضاحية بيروت الجنوبية، حيث يقيم قادة حزب الله وتدار العمليات ضدها. وأخيرا: عملت إسرائيل لمصلحة حزب الله عندما وافقت على واقع مواجهة محدودة في منطقة الحزام الأمني في الجنوب اللبناني، وهذا يسمح للحزب بإدارة حرب عصابات ضدها، بينما يكتفي الجيش الإسرائيلي بمحاولة إحباط خلايا تطلق طائرات مسيرة مفخخة على قواته، من دون مهاجمة القادة أو المقرات في بيروت، التي تصدر منها الأوامر، أو يتم فيها تدريب وتسليح هذه الخلايا.

وبالنسبة إلى زيسر، فإنه من الواضح أن حرب استنزاف كهذه – يسقط فيها ضحايا في صفوف القوات بشكل شبه يومي – تخدم حزب الله، لا إسرائيل. ويتابع: “يحدث هذا كله في ظل ضغط أمريكي كبير من أجل وقف إطلاق النار في لبنان، وهو ما يمنح حزب الله فرصة لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراته، استعدادا للجولة المقبلة”.

ويضيف: “يتضح أن هناك في الولايات المتحدة، وكذلك في إسرائيل، من يعيش على أوهام مفادها بأن وقف إطلاق النار، وربما انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب اللبناني، سيسمح للحكومة اللبنانية بالتحرك لنزع سلاح حزب الله”.

كما يقول إن وسائل الإعلام الإسرائيلية سارعت إلى تضخيم كل تصريح يصدر من لبنان ضد حزب الله، وهو ما يخلق انطباعا زائفا بأن لبنان سيتحرك ضد التنظيم، لكن كل من يعرف لبنان ويتابع إعلامه يدرك أنه لا يوجد هناك من لديه نية أو رغبة، ولا حتى قدرة، على مواجهة حزب الله، بل يأمل الجميع بأن تحل الأمور من تلقاء نفسها، وذلك رغم أن حزب الله يؤكد مرارا أنه لن يتخلى عن سلاحه أو عن مبدأ الصراع مع إسرائيل.

ماذا يجب أن نفعل؟

عن هذا التساؤل، يضيف زيسر: “ما حدث قد حدث، والأهم هو التركيز على المستقبل، حتى لو تطلب ذلك فحصا عميقا لأسباب الإخفاق في الجولة الأخيرة، من أجل أن ننجح في الجولة المقبلة، التي باتت مسألة وقت، في حسم المواجهة مع حزب الله وإعادة الأمن والهدوء إلى بلدات الشمال”.

ويقول إنه خلافا للافتراض السائد الذي تستند إليه السياسة الحالية في لبنان، يمكن ويجب حسم المواجهة مع حزب الله، ليس فقط بالتصريحات، بل بالفعل على الأرض. ويمضي في إسداء النصائح: “صحيح أنه لا يمكن الوصول إلى كل عنصر أو كل صاروخ، لكن يمكن توجيه ضربة قاسية له، الأمر الذي لم نفعله حتى الآن. أولا: يجب ضرب، ليس فقط القوة العسكرية للتنظيم، بل أيضا بناه التنظيمية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية؛ ثانيا: يجب استهداف البنية التحتية للدولة اللبنانية التي تحيط به وتوفر له الحماية، والتي تمكنه فعليا من العمل”.

وأخيرا، يقول إن فرض ثمن على حزب الله من خلال دفعه ودفع مؤيديه شمالا أثبت فعاليته، معللا رؤيته بالزعم أن هذه ليست منطقة أمنية تقليدية على غرار الماضي، بل منطقة من نوع جديد تثير القلق داخل التنظيم وبين أنصاره. ويرى أن المشكلة أن إسرائيل اكتفت بالحد الأدنى الذي لا يوفر الأمن الكافي لبلدات الشمال.

وبرأي زيسر، يمكن ويجب كسر إرادة حزب الله، وإذا لم يحدث ذلك، فستصل إسرائيل إلى الجولة المقبلة -وهي حتمية- من موقع ضعف، في مواجهة خصم تمنحه بأيديها الفرصة لإعادة بناء نفسه، استعدادا للمواجهة المقبلة.

ويرى مراقبون إسرائيليون آخرون أن إسرائيل لم تتعلم الدرس من حرب أوكرانيا في حربها مع روسيا، ويؤكدون أنه لا توجد أي فرصة لسلام وتطبيع مع لبنان لعدة أسباب، معتبرين أن منظمة حزب الله وحكومة نتنياهو معنيتان باستمرار الحرب، كل لأسبابه.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *