ليس سهلاً أن تكون إسرائيلياً ومناهضاً للصهيونية في الوقت نفسه، بل يكاد يكون ذلك مستحيلاً. يُنظر إلى هذا الجمع في إسرائيل على أنه غير مشروع وخيانة وهرطقة، لا سيما في فترة إسرائيل الجميلة والجيدة في عهد مباي، قبل فترة نتنياهو وبن غفير الظلامية. منذ الاتحاد السوفيتي الشيوعي، لم تكن هناك دولة أخرى تمتلك أيديولوجيا حصرية وعدائية كهذه، التي لا يمكن نفيها أو التشكيك فيها، مثل إسرائيل الصهيونية. حتى أن تكون في المنفى ومناهضاً للصهيونية، فهذا ليس بالأمر السهل، خاصة لو كنت أميراً من النبلاء الصهاينة.
عومر بارتوف هو مؤرخ إسرائيلي – أمريكي مشهور، وباحث في الإبادة الجماعية وخبير في الهولوكوست ومحاضر في جامعة براون في بروفيدانس. بعد تردد استمر سنتين، استنتج بارتوف بأن إسرائيل نفذت إبادة جماعية في قطاع غزة. وقد تم نشر مقالين له في صحيفة “نيويورك تايمز”، تناول فيهما تفاصيل ما حدث أثناء الإبادة الجماعية، وأثارا ضجة كبيرة في أرجاء العالم. أحد كتب والده، الكاتب حانوخ بارتوف، كان بعنوان “أن تنشأ وتكتب في إسرائيل”. أما الكتاب الحديث للابن فهو بعنوان “إسرائيل: ما الخطأ الذي حدث”. هذه هي القصة باختصار.
بمناسبة إصدار الكتاب، أجرت “هآرتس” (ايتان نيتشن، أمس) مقابلة مع بارتوف. وقد سارع إلى التأكيد على أنه غير معاد للصهيونية. هذا الاعتراف كان صعباً ومؤلماً. وقال: “نشأتُ في بيت صهيوني، وكان من البديهي أن أرى إسرائيل وطني”، مبرراً بذلك سبب عدم كونه مناهضاً للصهيونية. ولكنه هاجر من وطنه قبل عقود، وأقواله تثير التساؤلات حول الخوف، بالأحرى الخجل، من الاعتراف بمعاداة الصهيونية، التي هي -كما يبدو- أمر غير شرعي.
وقال بارتوف إن الصهيونية يجب أن تختفي، وأن إسرائيل في ظلها لن تكون دولة طبيعية، وأن الصهيونية إذا كانت قادرة على التسبب في إبادة جماعية في قطاع غزة، فلن تستطيع بعد الآن الصمود كأيديولوجيا. يصعب إيجاد تصريحات أكثر شجاعة وصحة كهذه. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا يتردد بارتوف في تعريف نفسه كمناهض للصهيونية؟ لا دليل أفضل على التلقين المتجذر في قلب كل يهودي نشأ هنا: مثقف إسرائيلي في المنفى، ناقد وحاد، لا يتجرأ على تعريف نفسه كمناهض للصهيونية رغم أن كل حججه تشير إلى ذلك.
يجب تحطيم هذا الحظر. يسمح للإسرائيلي، حتى الذي في المنفى، أن يكون مناهضاً للصهيونية وأن يبقى موقفه مشروعاً. الصهيونية أيديولوجيا يمكن التشكيك فيها مثل أي أيديولوجيا أخرى. وجوهرها يكمن في الإيمان بتفوق اليهود بين البحر والنهر. ومثل أي أيديولوجيا تؤمن بتفوق العرق والقومية والدين، هي أيديولوجيا غير شرعية.
يختلف نهج بارتوف عن التيارات المعادية للصهيونية التي تنتشر حالياً في أرجاء العالم. فهو على قناعة بأن هناك خللاً حدث في بلاده البريئة والنبيلة، وأن هناك خللاً حدث في أيديولوجيته الصهيونية النقية. كانت هناك أيديولوجيا أدت إلى ترسيخ دولة ذات أخلاق رفيعة، ثم انحرفت عن المسار فجأة. هذه أقوال قد يكون مبالغاً فيها. أقوال بارتوف ربما تخفف من ألم انفصاله عن الصهيونية، لكن المشكوك فيه أن تكون صحيحة.
بارتوف لا يحب المؤرخين الذين يقولون “طالما عرفنا أن النهاية ستكون هكذا”. ولكن الأمور بدأت هكذا. لم يكن الاستمرار حتمياً، لكن كان يجب تصحيح الوضع، وهو الأمر الذي لم يحدث. منذ فجرها، أدارت الصهيونية ظهرها للسكان الأصليين الذين عاشوا في فلسطين، في فترة “احتلال العمل”، أول عملية لنزع الملكية، قبل أحداث 1929 بكثير وقبل الكارثة – سعت إلى السيطرة على أراضيهم وطردهم من هنا. والآن، مثلما كانت الحال في حينه، يغئال ألون مثل سموتريتش. تلك كانت البداية، وهي مصابة بالعدوى منذ ذلك الحين. أما بارتوف، فالصهيونية عنده لم تتغير، بل كانت دائماً على هذا الشكل. آمل لو أنها أصبحت شيئاً آخر. ربما لم يتأخر الوقت.
جدعون ليفي
هآرتس 7/5/2026