كيف تنتصر إسرائيل على حماس دون اللجوء إلى تدخل عسكري؟


شكّلت حرب النهضة تحديات عسكرية وسياسية وأمنية معقدة لإسرائيل. بدأت الحرب بهجوم مفاجئ دموي شنته حماس و”الجهاد الإسلامي” على مستوطنات الحصار، وسرعان ما تحولت إلى قتال واسع النطاق في قطاع غزة. في الوقت نفسه، اندلعت اشتباكات متصاعدة الحدة ضد حزب الله، الذي انضم إلى الحرب بتحريض من قادته في إيران، بعد يوم واحد. ورغم أن هجوم حماس فاجأ إيران ووكلاءها الآخرين، كانت المفاجأة في التوقيت فقط، لا في جوهرها. فقد كانت مهاجمة إسرائيل عبر وكلائها، ولا يزال، جوهر استراتيجية إيران.

في أكتوبر 2025، في الذكرى السنوية الثانية للحرب، نشرنا مقالاً بعنوان “متى سنصل إلى غزة؟” استعرضنا فيه مراحل القتال في غزة، وحللنا عناصر صنع القرار الرئيسية، بالإضافة إلى الأخطاء التي تم اكتشافها خلال الحرب، وشرحنا بالتفصيل فهمنا لسبل إتمام المهمة وتحقيق جميع أهداف الحرب كما حددتها الحكومة. بعد مرور سبعة أشهر على توقيع “اتفاق النقاط العشرين” مع حماس في 29 أيلول 2025، حان الوقت لإعادة النظر في الوضع الراهن. في هذه المقالة، سنستعرض التطورات في قطاع غزة منذ توقيع الاتفاق، ونقدم الوضع الحالي للقطاع في ضوء التغيرات التي طرأت عليه، ونسعى إلى تحديد الخيارات المتاحة أمام دولة إسرائيل في المستقبل القريب.

سيتناول الجزء الأول من المقالة الاتفاق، ومزاياه وعيوبه، والفترة الانتقالية التي انقضت منذ توقيعه. ثم سندرس الوضع في ضوء أهداف الحرب الأصلية. وفي الجزء الثالث، سنقدم توصياتنا بشأن مسار العمل المقترح.

الاتفاق والفترة الزمنية التي انقضت منذ توقيعه

لقد شكّل اتفاق النقاط العشرين، الذي قاده ترامب، نقطة تحول في الحرب. وُقّع الاتفاق بعد أشهر طويلة من القتال المستميت والمفاوضات والمناورات السياسية المعقدة، وعكس محاولةً للجمع بين الإنجازات العسكرية للجيش الإسرائيلي وحل سياسي يُتيح إنهاء القتال في غزة. وقد سبق للمؤلفين تحليل الاتفاق في مقال سابق. واليوم، بعد سبعة أشهر، يمكن القول إن الاتفاق جلب بالفعل أخبارًا سارة: عودة جميع المختطفين، أحياءً وأمواتًا، وطيّ صفحة مؤلمة ودامية في تاريخ البلاد. وسمح الاتفاق للجيش الإسرائيلي بالحفاظ على سيطرته العملياتية على معظم أراضي قطاع غزة (“الخط الأصفر”)، وهي منطقة يواصل فيها الجيش الإسرائيلي تفكيك البنية التحتية للإرهاب بشكل منهجي. وارتبطت إعادة إعمار غزة المدنية بنزع سلاح حماس مسبقًا، وتجريد قطاع غزة، وترك الاتفاق مجالًا لمسألة الهجرة. أدى إنشاء “مجلس السلام” التابع لترامب – وهو هيئة دولية جديدة حلت محل أدوار الأمم المتحدة المعادية لإسرائيل – إلى نقل السلطات المدنية في قطاع غزة إلى أيادٍ أكثر حيادية، وهي خطوة عززت بشكل كبير الشرعية الدولية لإسرائيل وقللت إلى حد ما الضغط الدبلوماسي الذي يمارس عليها في الساحة الدولية.

مع ذلك، إلى جانب هذه المزايا، انطوى الاتفاق على عيوب. أولا، تضمن دخول قوة دولية أجنبية إلى قطاع غزة (قوة الاستقرار الدولية)، وهي خطوة تثير المخاوف بشأن فقدان إسرائيل السيطرة على القطاع والعمليات الجارية فيه. ثانيًا، في المرحلة الأولى، أبقى الاتفاق حماس في السلطة، بل وسمح بدخول مساعدات إنسانية بكميات هائلة، وهي خطوة عززت عمليًا قبضة الحركة على السكان المحليين ووفرت لها موارد أساسية لاستمرار وجودها. ثالثًا، تضمن الاتفاق إشارة صريحة إلى قوة شرطة فلسطينية مسلحة وإلى فكرة “الدولة الفلسطينية”، وهي فكرة تعارضها دولة إسرائيل وتعتبرها خطرًا طويل الأمد. في المرحلة الأولى، كان من المفترض إنشاء “حكومة تكنوقراطية” في غزة، لكن كان من الواضح لأي شخص عاقل أن حماس ستستخدم كل قوتها للسيطرة على هذه الحكومة، كما فعل حزب الله في لبنان، باستخدام التهديدات والرشوة والترهيب.

لقد استغلت حماس هذه الفترة الانتقالية، ولا تزال تستغلها، إلى أقصى حد. تستخدم حماس كميات المساعدات الكبيرة التي دخلت قطاع غزة لتعزيز سيطرتها على السكان، بينما تروج لصورة “الأمور تسير كالمعتاد” وتحاول إقناع المجتمع الدولي بأنها لا تزال قوة لا يستهان بها. وقد واجهت مفاوضات نزع سلاحها صعوبات متوقعة. فقد روجت حماس لاتفاقيات وتصريحات إيجابية، لكنها في الواقع ترفض قبول المطلب الأساسي – نزع السلاح الكامل. وتدرك الحركة جيدًا أن نزع السلاح هذا يعني القضاء على قدرتها على السيطرة على ما يحدث في غزة، عسكريًا وتنظيميًا. ورغم أن متحدثين باسم “مجلس السلام” صرحوا مؤخرًا بضرورة موافقة حماس على نزع السلاح في أسرع وقت ممكن، وردد هذه الكلمات مسؤولون أمريكيون رفيعو المستوى، بمن فيهم وزير الخارجية روبيو، إلا أنه لا يوجد تأكيد من متحدثي حماس بهذا الشأن، وهم يواصلون رفض مطلب نزع السلاح. وبذلك، تنتهك حماس الاتفاق بشكل جوهري، ولإسرائيل الحق في استخدام القوة لإتمام المهمة.

 لقد استغلت إسرائيل هذه الأشهر السبعة خير استغلال. دمرت القوات الإسرائيلية، ولا تزال تدمر، بنية تحتية إرهابية على نطاق أوسع مما كان متوقعًا في البداية في الأراضي الخاضعة لسيطرتها. أشار التقييم الأولي إلى أن العملية ستستغرق حوالي ثلاثة أشهر، ولكن حتى الآن، وبعد مرور سبعة أشهر تقريبًا، لا تزال هناك حاجة إلى عمليات لتدمير البنية التحتية الإرهابية فوق الأرض وتحتها. خلال هذه الفترة، واصلت القوات الإسرائيلية مهاجمة الإرهابيين الذين يحاولون عبور “الخط الأصفر” أو تهديد قواتنا، بل وتدخلت لإحباط التهديدات داخل الأراضي الخاضعة لسيطرة حماس. أقامت القوات الإسرائيلية فعليًا حاجزًا محيطيًا على طول مسار “الخط الأصفر”، بل ووسعته في عدة نقاط، مما خلق واقعًا أمنيًا جديدًا يُصعّب على حماس تحريك قواتها بحرية. طوال فترة عملية “زئير الأسد” ضد إيران ولبنان، لم تبادر حماس بأي نشاط هجومي، ولا حتى إعلاني، لمساعدة داعميها في إيران. لم تُكلّف إيران نفسها عناء إشراك حماس في مطالبها بوقف إطلاق النار، على الرغم من النداءات المتكررة من قيادة الحركة. كما تراجع الدعم العربي لحماس، وخاصة من قطر، بشكل ملحوظ. كان السبب الرئيسي في ذلك هو موقف حماس المتساهل ورفضها إدانة هجمات إيران على دول الخليج. ويُذكّر هذا الوضع بموقف عرفات خلال غزو صدام حسين للكويت، حين تراجع الدعم العربي للفلسطينيين بشدة نتيجةً لدعمهم صدام حسين.

الوضع الراهن في ضوء أهداف الحرب

من المناسب الآن دراسة الوضع الراهن للمُنجزات المُتحققة في ضوء أهداف الحرب، كما حددتها الحكومة الإسرائيلية في أكتوبر 2023، دراسةً منهجية. تكشف هذه الدراسة عن صورة مُعقدة: فقد تحققت إنجازات عديدة في بعض الأهداف، بينما لا تزال أهداف رئيسية أخرى بانتظار الإنجاز.

الهدف: تهيئة الظروف لعودة المختطفين إلى إسرائيل – وقد تحقق بالكامل وبسرعة نسبية. إن عودة جميع المختطفين، أحياءً وأمواتًا، طوت صفحة مؤلمة في تاريخ الدولة، وخففت عن المجتمع الإسرائيلي ضغطًا شعبيًا وسياسيًا هائلًا. هذا الإنجاز وحده يُبرر الاتفاق إلى حد كبير، إذ حقق أحد أكثر أهداف الحرب حساسية.

الهدف: استعادة الأمن لسكان المناطق المحاصرة، بما في ذلك إنشاء “منطقة عازلة” في قطاع غزة – وقد تحقق إلى حد كبير. عاد العديد من السكان إلى مجتمعاتهم بأعداد تفوق أعدادهم قبل اندلاع الحرب. أُقيمت منطقة عازلة أمنية على طول الحدود، وتقوم قوات الجيش الإسرائيلي بفصل المستوطنات الإسرائيلية عن المنطقة التي تسيطر عليها حماس. ويبدو أن الشعور بالأمان الشخصي لدى سكان المنطقة المحاصرة قد تحسن بشكل ملحوظ، وعادت الحياة اليومية تدريجياً إلى طبيعتها، وإن كانت لا تزال مصحوبة بتحديات إعادة الإعمار.

الهدف: الوصول إلى وضع ما بعد الحرب الذي لا يشكل فيه قطاع غزة تهديداً لإسرائيل مع مرور الوقت – وقد تحقق ذلك جزئياً. اليوم، لا يشكل قطاع غزة تهديداً مباشراً وفورياً لإسرائيل، كما تجلى بوضوح خلال عملية “زئير الأسد”. امتنعت حماس عن شن أي عمل هجومي، حتى لو كان تصريحياً، ضد إسرائيل، وتركز بشكل أساسي على ضمان بقاء حكومتها الداخلية. ومع ذلك، ولضمان عدم عودة هذا التهديد في المستقبل، من الضروري تحييد قدرات المنظمة العسكرية والحكومية بشكل كامل.

الهدف: تدمير القدرات العسكرية والبنية التحتية الحكومية والتنظيمية لحماس والجهاد الإسلامي في قطاع غزة. هذا الهدف، الذي يُعدّ الهدف الأول في صياغة الحكومة لأهداف الحرب، يبقى هدفًا مفتوحًا وغير قابل للتحقيق. فرغم أن الجيش الإسرائيلي قد ألحق أضرارًا جسيمة بالقوة العسكرية لحماس، وقتل معظم قادتها البارزين، ودمر جزءًا كبيرًا من بنيتها التحتية، مع التركيز على المناطق الخاضعة لسيطرتها، لكن حماس لا تزال تسيطر على مساحات واسعة من القطاع، وتكاد تُسيطر على كامل سكانه. كما تعمل الحركة على إعادة بناء بعض قدراتها العسكرية، وتسعى جاهدةً لفرض سيطرتها المدنية على الجزء الخاضع لسيطرتها من القطاع. ولذلك، يبقى تحقيق هذا الهدف التحدي الأكبر في المرحلة الراهنة.

أما قضية الهجرة، التي لم تُحدد كهدف رسمي في بداية الحرب، فقد باتت واضحة مع مرور الوقت باعتبارها الحل الوحيد طويل الأمد القادر على تغيير الواقع جذريًا. ومعبر رفح مفتوح حاليًا أمام حركة المرور تحت إشراف إسرائيلي كامل، ويتزايد تدفق المهاجرين من غزة. يُؤمل أن تستمر هذه العملية وتتوسع، وأن يتم العثور على دول مضيفة توافق على استقبال اللاجئين من غزة. هذا الحل، إذا طُبِّق على نطاق واسع، سيُقلِّص قاعدة دعم حماس بشكل كبير ويُغيِّر التركيبة السكانية للقطاع.

الأهم في هذا السياق، أن دولة إسرائيل اليوم تعمل في غزة دون ضغط زمني. لم يعد هناك رهائن تتطلب تحركًا فوريًا، ولا تهديد مباشر للمستوطنات المحيطة بها، وقواتنا تُسيطر سيطرة كاملة على محيط القطاع بأكمله – بما في ذلك محور فيلادلفيا – ولا تملك حماس أي قدرة على التأثير المباشر على الحياة اليومية في إسرائيل. في هذه المرحلة، وتماشيًا مع ما يحدث في ساحات أخرى، من الصواب العمل على إنجاز الأهداف بطريقة متوازنة ومدروسة وتدريجية، مع الاستفادة الكاملة من الفرصة التي ستُتاح مع إتمام أهداف الحرب في إيران.

في مقال سابق، حددنا المبادئ الثلاثة الأساسية لتحقيق النصر في أي صراع بين جيش نظامي ومنظمة إرهابية تعمل تحت حماية السكان المدنيين: السيطرة على الموارد (وفي غزة، المساعدات الإنسانية)، والسيطرة على الأراضي (أو على الأقل منع العدو من السيطرة الكاملة عليها)، والسيطرة على السكان (أو منع العدو من السيطرة عليهم). سعى الاتفاق إلى تحقيق هذه المبادئ من خلال نزع السلاح عبر المفاوضات، ونشر القوات الدولية، وتشكيل “حكومة تكنوقراطية”. إلا أنه بعد فشل المسار المتفق عليه، بات من الضروري بذل الجهود لتحقيق هذه المبادئ بطرق أخرى أكثر ابتكارًا وتركيزًا.

ثمة أداة أخرى متاحة لإضعاف حماس دون احتلال فوري، وهي المادة 17 من الاتفاق ذي النقاط العشرين. في إطار هذه المادة، يمكن البدء بعملية إعادة الإعمار في المناطق التي سبق أن طهرها الجيش الإسرائيلي. وستتمكن القوات الدولية من تجهيز بنية تحتية مؤقتة لاستيعاب السكان الذين سينتقلون من المناطق التي تسيطر عليها حماس، بعد إجراء عمليات الفحص والتدقيق الأمني. تتشابه الفكرة مع “المدينة الإنسانية” التي كلفت القيادة السياسية الجيش الإسرائيلي بالتخطيط لها، والتي أحبط الجيش الإسرائيلي إنشاءها. ومع تقدم هذه العملية، سيصبح من الممكن عزل المزيد من السكان عن قبضة حماس وإضعاف قاعدة نفوذها. في الوقت نفسه، يجب تقليص المساعدات التي تصل إلى المناطق الخاضعة لسيطرة حماس بشكل كبير، مما يحقق فائدة مزدوجة: إضعاف الحركة من جهة، وتعزيز البديل الإسرائيلي الدولي من جهة أخرى.

ومن الأدوات المهمة الأخرى التي اكتسبت زخمًا في الأشهر الأخيرة، تعاون إسرائيل مع العشائر المعارضة لحماس. وقد ازدادت معارضة هذه العشائر لحماس مع ضعف الحركة وتوسع الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية واستقرارها. وتدير هذه العشائر حاليًا خلايا ميدانية بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، وتسيطر على السكان المحليين، بل وتقاتل حماس مباشرة، أحيانًا بدعم غير مباشر من إسرائيل. وفي الأيام الأخيرة، وردت أنباء عن عملية مشتركة نفذتها عدة عشائر ضد حماس، تحديدًا بسبب رفضها نزع سلاحها. حتى وإن لم يُتخذ قرار نهائي في هذا الشأن، فإن هذه أداةٌ تُمكن إسرائيل من تحقيق أهدافها دون اللجوء إلى القوة العسكرية المباشرة على نطاق واسع. كما يُمكن لهذه العشائر أن تُسهم في ضبط السكان محليًا خلال المرحلة الانتقالية.

 توصيات بشأن الإجراءات والخطة المستقبلية

في ظل الوضع الراهن، لا يُمكن تجنب العمل العسكري المباشر لفترة طويلة. مع ذلك، يجب هذه المرة تنفيذه مع استنفاد جميع الأدوات السياسية والاقتصادية والعملياتية المتاحة لإسرائيل. يُقترح العمل في المنطقة التي تسيطر عليها حماس على مراحل، مع تقسيم المنطقة المتبقية تحت سيطرتها إلى “شرائح” وفقًا لمنطق جغرافي وديموغرافي واضح. النهج المُوصى به هو البدء من شمال قطاع غزة والتحرك جنوبًا، بما يسمح بالسيطرة التدريجية، وتقليل المخاطر، والحفاظ على المرونة العملياتية.

في كل خلية من خلايا المنطقة المُخطط للعمل فيها، سيُطلب من السكان المدنيين إخلاء منازلهم حفاظًا على سلامتهم إلى مناطق خارج المنطقة التي يعتزم الجيش الإسرائيلي العمل فيها. يمكن تقديم خيارين للسكان الذين يتم إجلاؤهم: إما الإجلاء إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة حماس (جنوبًا، باتجاه منطقة لا تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي)، أو الإجلاء إلى المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي في جنوب قطاع غزة. ولتحقيق ذلك، يتعين على الجيش الإسرائيلي تجهيز بنية تحتية لاستيعاب السكان، بما في ذلك بمساعدة العشائر المذكورة سابقًا. بعد حشد السكان، سيتم فرض حصار كامل على منطقة العمليات المخطط لها من قبل الجيش الإسرائيلي، وسيتمكن السكان الذين تم إجلاؤهم من تلقي المساعدة في أماكن أخرى. ولن تبدأ العملية العسكرية إلا بعد تهيئة الظروف التشغيلية المثلى – العزل التام، وحشد السكان، ومنع وصول المساعدات من المنطقة التي تم إجلاؤها، والسيطرة على المجال الجوي. ستُنفذ العملية بشكل منهجي، من خلال الاستيلاء على البنى التحتية للإرهابيين وتدميرها وفقًا للعقيدة القتالية التي طورها الجيش الإسرائيلي خلال القتال في قطاع غزة: التدمير المنهجي للبنية التحتية السطحية وتحت الأرضية، بالتوازي مع تقدم مُتحكم فيه للقوات.

لا تتطلب الخطة حشدًا استثنائيًا للقوات أو تعبئة واسعة النطاق لقوات الاحتياط لمرحلة القتال والسيطرة على المنطقة. فرقة نظامية واحدة، مجهزة بمركبات مدرعة متطورة وطائرات مسيرة وأنظمة قتالية متكاملة، قادرة على تنفيذ المهمة بفعالية. هذا العمل المرحلي سيمكن من الحفاظ على قوات الاحتياط، وتقليل الخسائر، وتعزيز الشرعية الدولية. بالتوازي مع التقدم العسكري، ينبغي توسيع نطاق الهجرة بشكل كبير: سيخضع السكان الراغبون في الانتقال إلى الأراضي الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية لإجراءات تدقيق أمني صارمة، ويواصلون رحلتهم إلى الدول المستقبلة. تقديرنا هو أنه، كما حدث في عملية “عربات جدعون 2” للسيطرة على مدينة غزة، ستستسلم حماس أو تتفكك قبل أن تضطر القوات إلى السيطرة الكاملة على المنطقة.

يمكن التوقع أنه عندما يقترن الضغط العسكري في شمال قطاع غزة بإمكانية الهجرة في الجنوب، فستكون هناك رغبة كبيرة لدى السكان في مغادرة القطاع، مما سيضعف قبضة حماس على السكان. تستند هذه الخطة إلى الخبرات السابقة وتسعى لتجنب الأخطاء التي ارتُكبت خلال عمليات الجيش الإسرائيلي السابقة.

إلى جانب العمل العسكري، من المهم إنشاء حكومة بديلة ذات مصداقية تدريجيًا، مع العمل في الوقت نفسه على فتح المجال أمام الهجرة من غزة، باعتبارها حلًا مستدامًا لمشكلة القطاع. إضافةً إلى ذلك، ينبغي الاستفادة من العشائر كعامل مكمّل يُسهم في السيطرة المحلية والنضال الداخلي ضد حماس. إنّ التوليفة الصحيحة بين الضغط العسكري، والضغط على الموارد، والسماح بالهجرة، والاستعانة بالعناصر المحلية، ستُمكّن من تحقيق الأهداف بفعالية أكبر مع الحفاظ على القوة. من المتوقع أيضاً أن تؤثر العمليات الإقليمية الأوسع نطاقًا، والناتجة عن الحرب ضد إيران، على مستقبل قطاع غزة. يتضمن الاتفاق نفسه إشارة إلى محاور اقتصادية جديدة تربط دول المنطقة، مع إسرائيل كمحور مركزي. سيلعب قطاع غزة الجديد – المتحرر من حكم حماس، والخاضع لسيطرة “مجلس السلام” التابع لترامب – دورًا محوريًا في المشهد الإقليمي الجديد. في نهاية المطاف، لن يتحقق السلام الحقيقي والدائم إلا بالقوة، كما أكد الرئيس ترامب نفسه.

ملخص

بعد عامين من اندلاع حرب الاستقلال، تواجه دولة إسرائيل وضعًا معقدًا ولكنه واعد في قطاع غزة. وقد تحققت إنجازات عظيمة حتى الآن: عودة جميع المختطفين طوت صفحة مؤلمة من تاريخ الدولة؛ واستتب الأمن بشكل ملحوظ في المجتمعات المحيطة؛ وأُقيمت منطقة عازلة أمنية، وزال التهديد المباشر من قطاع غزة، على الأقل في الوقت الراهن، كما تجلى ذلك خلال عملية “زئير الأسد”. إضافةً إلى ذلك، اكتسبت إسرائيل شرعية دولية مُحسّنة بفضل إنشاء “مجلس السلام” وتغيير وضعها في الأمم المتحدة في قطاع غزة. ومع ذلك، لم يتحقق الهدف الرئيسي – وهو تحييد القدرات العسكرية والحكومية لحماس – بشكل كامل بعد، ولا يزال يُمثل التحدي الأكبر في هذه المرحلة.

اليوم، ولأول مرة منذ اندلاع الحرب، تعمل إسرائيل في غزة دون ضغط الوقت، وتتيح لها السيطرة على محيط القطاع مرونة عملياتية وسياسية كبيرة. وتعاني حماس من ضائقة، فقد ضعف دعمها الإقليمي بشكل كبير، وهي غير قادرة على التأثير المباشر على الحياة اليومية لإسرائيل. هذه الفرصة سانحة، لكنها لن تدوم. فالوقت السياسي في إسرائيل والولايات المتحدة، بالإضافة إلى الضغط الدولي المتوقع ازدياده مع مرور الوقت، يُحتّم علينا التحرّك بحزم وحكمة، مع مراعاة الأولوية الحالية للعمل ضد إيران وحزب الله.

تتضمن الخطة مزيجًا من الضغط على الموارد، واستخدام العشائر كعامل مساعد، وتشكيل حكومة عسكرية عند الضرورة، وحكومة بديلة تدريجية تسمح بهجرة واسعة النطاق، وعمل عسكري مدروس ومركز. إنها خطة واقعية، تستند إلى خبرة عملياتية متراكمة، وتقلل المخاطر إلى أدنى حد مع تعظيم الفوائد. وسيُمكّن تطبيقها المنهجي من تحقيق جميع أهداف الحرب، وعلى رأسها تحييد القدرات العسكرية لحماس وبنيتها الحكومية والتنظيمية.

وبعيدًا عن البُعد العسكري والأمني، ينبغي النظر إلى التطورات في غزة كجزء من صورة إقليمية أوسع. فالحرب ضد إيران والعمليات السياسية والاقتصادية التي تتطور في أعقابها تُتيح فرصة تاريخية لبناء شرق أوسط جديد تُشكّل فيه إسرائيل محورًا رئيسيًا للاستقرار والتقدم. في نهاية المطاف، لن يتحقق السلام عبر اتفاقيات فضفاضة أو تنازلات، بل فقط من خلال القوة العسكرية والسياسية. إذا تصرفنا بحزم وحكمة وتنسيق على جميع الساحات، فبإمكاننا ضمان أن تنتهي حرب النهضة بنصر كامل، ولن يشكل قطاع غزة تهديدًا لدولة إسرائيل وسكانها.

إلى أين ستتجه غزة؟ – يعتمد الجواب إلى حد كبير على القرارات التي ستُتخذ في الأشهر المقبلة.

البروفيسور غابي سيبوني والعميد إيريز فينر

مركز القدس للاستراتيجية والأمن JISS 7/5/2026

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *