في سوريا لا يكفي أن نغادر الأسد… يجب أن يغادرنا


ثمة لحظاتٌ في تاريخ الشعوب لا يكون التحدي فيها إسقاطَ نظامٍ أو تغييرَ سلطةٍ فحسب، وإنما الانتقال من طريقةٍ كاملةٍ في التفكير إلى طريقةٍ أخرى. وسوريا اليوم تقف، بعمق، أمام هذا النوع من اللحظات. فالمسألة لم تعد محصورةً في إعادة ترتيب المشهد السياسي أو الإداري بعد عقودٍ من الاستبداد، وإنما في السؤال الأصعب: كيف يمكن بناء عقلٍ جديدٍ للدولة، وللسياسة، وللعلاقة بين المجتمع والسلطة، بعد أكثر من نصف قرنٍ من التشوهات البنيوية العميقة؟
ذلك أن كثيراً من السوريين، بمختلف مواقعهم، ما يزالون – من حيث يشعرون أو لا يشعرون – يفكرون داخل القوالب نفسها التي أنتجتها دولة الأسد. بعضهم يكررها بلغة التأييد، وبعضهم يعيد إنتاجها بلغة المعارضة، لكن البنية الذهنية العميقة تبقى متشابهة، وتتمثل في اختزال الدولة في شخص، وتحويل السياسة إلى ولاءات أو خصومات مطلقة، والنظر إلى التعقيد بوصفه مؤامرة أو خيانة أو ضعفاً، وليس باعتباره طبيعةً ملازمة لإدارة المجتمعات الحديثة.
وهنا تحديداً تكمن إحدى أخطر مشكلات المرحلة الانتقالية في سوريا، حين نرى أن كثيراً من النقاشات الدائرة اليوم ما تزال تُدار بعقلية «البيان السياسي» أو «المنشور التعبوي»، بينما الدولة الحديثة تُدار بمنطق مختلف تماماً؛ بمنطق السياسات العامة، وإدارة الموارد، والمقايضات المؤسسية، والتوازن بين الأولويات، والقدرة على اتخاذ قرارات ناقصة ضمن بيئة شديدة التعقيد والتقلب.
إن بناء الدولة ليس عمليةً شعرية، ولا فعلاً ثورياً دائماً، ولا لحظة انتصارٍ مستمرة. إنه، في جوهره، عملية إدارة معقدة للمصالح والتناقضات والموارد المحدودة. ولذلك، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم هو أن نحاول إدارة سوريا الجديدة بالأدوات الذهنية نفسها التي تشكّلت في ظل الدولة الأمنية القديمة؛ أي بعقلية اليقين المطلق، والخطاب الأحادي، والرغبة في تبسيط كل شيء إلى ثنائيات حادة: وطني وخائن، ثوري وفلولي، معنا أو ضدنا.
والمشكلة، دائماً، أن هذا النوع من التفكير يعيد إنتاج بيئة الأزمة نفسها، بدل أن يُنتج دولة، حتى لو تغيّرت الأسماء والشعارات. فالدول لا تُبنى بالغضب وحده، ولا بالنيات الحسنة فقط، وإنما بوجود عقلٍ قادر على فهم التعقيد دون أن ينهار أمامه، وعلى إدارة الاختلاف دون أن يحوله إلى حربٍ وجودية، وعلى رؤية السياسة بوصفها فناً لبناء الممكن، وليس مجرد مساحةٍ للصراخ الأخلاقي أو تسجيل المواقف.
ولعل ما يدعو للتأمل أن سوريا، رغم كل ما مرت به، ما تزال تُنتج طاقاتٍ بشريةً لافتة. فقد ظهرت، خلال الأشهر الماضية، مبادرات، وتواصلت كفاءات، وبرزت شخصيات سورية في الداخل والمهجر تحمل أفكاراً عملية وجدية، وتفكر بلغة مختلفة عن اللغة التي استنزفت السوريين طوال عقود. أناسٌ يبحثون عن كيفية بناء شيءٍ قابل للحياة، بعيداً عن البطولات الكلامية، والتموضع الأيديولوجي الحاد.
وهذا، في الحقيقة، مؤشر بالغ الأهمية. لأنه يعني أن المجتمع السوري لم يُستنزف بالكامل، وأنه، لاتزال توجد، تحت الركام، طاقةٌ حية تبحث عن أفقٍ جديد. لكن هذه الطاقة لا يمكن أن تتحول إلى قوة بناء حقيقية ما لم تجد بيئةً سياسيةً وثقافيةً تستوعبها، وخطاباً عاماً يفهمها، ومسارات عمل تفتح أمامها المجال للمشاركة.
فسوريا الجديدة تحتاج، قبل أي شيء، إلى إعادة تعريف معنى السياسة نفسها. تحتاج إلى الانتقال من السياسة بوصفها معركة كسر عظم دائمة، إلى السياسة بوصفها إدارةً واعيةً للمجتمع والدولة. تحتاج إلى عقلٍ يفهم أن بناء المؤسسات أهم من صناعة الضجيج، وأن الاستقرار ليس نقيض الحرية، وإنما هو شرطٌ من شروط حمايتها، وأن الدولة الحديثة لا تقوم على المشاعر وحدها، وإنما على المعرفة والتنظيم والقدرة على التراكم.

 المشكلة في الخطابات الشعبوية أنها تعدُ الناس دائماً بحلول فورية، ثم تدفعهم لاحقاً نحو الإحباط الجماعي عندما يكتشفون أن الواقع أعقد بكثير من الشعارات

كما تحتاج إلى خطابٍ جديد يبتعد عن الشعبوية والانفعال، ويعترف بأن الطريق طويل، وأن التحولات الكبرى لا تُنجز دفعةً واحدة. فالمشكلة في الخطابات الشعبوية أنها تعدُ الناس دائماً بحلول فورية ونهائية، ثم تدفعهم لاحقاً نحو الإحباط الجماعي عندما يكتشفون أن الواقع أعقد بكثير من الشعارات التي قيلت لهم.
وهنا يبرز دور الدولة بوصفه دوراً حاسماً في إدارة التحول الذهني والثقافي العميق الذي تحتاجه البلاد. فالدول الخارجة من المراحل الصدامية لا يكفيها ترميم المؤسسات والخدمات، لأنها قد تجد نفسها بعد سنوات أمام هياكل جديدة تُدار بالعقل القديم نفسه. ولذلك، يصبح من الضروري أن تدرك الدولة السورية الجديدة أن جزءاً أساسياً من معركة التعافي يتمثل في إنتاج خطاب وطني جديد، وتطوير أدوات فهم حديثة للدولة والسياسة والإدارة والمواطنة. وهذا لا يحدث بصورة عفوية، لأنه يحتاج إلى كوادر متخصصة، وبُنى مؤسسية، ومساحات تفكير وحوار، تعمل بشكل احترافي ومستمر على قراءة التحولات الاجتماعية والنفسية والسياسية، وعلى بناء لغة عامة أكثر عقلانية واتزاناً، وعلى حماية المجال العام من العودة التدريجية إلى أنماط التفكير التي أنتجت الانغلاق والاستقطاب والشلل لعقود طويلة.
والمؤكد، في هذا الإطار، أن سوريا لا تحتاج اليوم إلى جمهورٍ إضافيٍ للتصفيق، ولا إلى جيوشٍ إلكترونية تتقاتل على وسائل التواصل، وإنما إلى «شركاء طريق» بالمعنى الحقيقي للكلمة: أشخاص يفهمون طبيعة المرحلة، ويملكون استعداداً لتحمل كلفة البناء البطيء، والعمل التراكمي، والنجاحات الصغيرة التي تتجمع مع الوقت لتصنع تحولاً حقيقياً.
شركاء، لمفهوم الدولة، يدركون أن هذه الدولة مشروعٌ تاريخي يحتاج إلى عقلانية وصبر وقدرة على التعلم من الأخطاء، وأنها ليست، بالتأكيد، غنيمةً، ولا ساحةً لتصفية الحسابات، ولا مجرد جهاز إداري ضخم. شركاء يستطيعون التمييز بين النقد الذي يساعد على التصحيح، والنقد الذي يتحول إلى إدمانٍ نفسي على الهدم والتيئيس.
ولهذا، يبدو الواقع في سوريا اليوم وقد تجاوز سؤال: من يحكم؟ إلى: بأي عقليةٍ سيُحكم هذا البلد؟ وما نوع الثقافة السياسية التي ستتشكل خلال السنوات القادمة؟ لأن الأمم تسقط حين تعجز عن تطوير أدواتٍ فكريةٍ تناسب اللحظة الجديدة التي دخلتها، وليس فقط بسبب أعدائها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لسوريا الجديدة ليس أن تُخطئ في بعض قراراتها أو تجاربها؛ فهذا جزءٌ طبيعي من أي انتقال تاريخي كبير. الخطر الحقيقي هو أن تسير في طريقٍ جديد.. بعقلية الطريق القديم. فعندها فقط، قد نجد أنفسنا – بعد كل هذا الألم والتضحيات – أمام نسخةٍ أخرى من الاختناق نفسه، ولكن بأسماء مختلفة وشعارات مختلفة ووجوه مختلفة.

٭ كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *