كلما تم عرض مسرحي في مدينتي الجنوبية إلا أدركت مدى الصمم الذي كنا نعانيه، إذ كان على أيام شكسبير «من المألوف أن نتحدث عن سماع مسرحية»، يقول هاملت: «سوف نستمع إذن إلى مسرحية»، وهذا لا يعني غياب الفرجة، فمسرح «شكسبير غلوب» 1599 ما زال حاضرا، ولكن قصدت صدى الخشبة باعتبارها مكروفون البداية.
بساطة السينوغرافيا والعرض الهادف
أعادتني مسرحية «ذاكرة صفراء» إلى وهج الخشبة، وهي تكشف عن الصوت والحركة المعبرين عن توقٍ إلى التحرر، تماما كما كان الافريقي في المسيسيبي يعلن عن طريق البلوز تحرر الجسد المنهك عنصريا، رغم ما اعترى هذا العرض من نقائص تعود إلى خلل يتعلق بالتجهيز، فالإضاءة لم تكن قوية ومسايرة لحركة المسرحية، إذ كان ضروريا تبئير الشخوص ضوئيا أثناء لحظات معينة من العرض، ولم يكن متحكما تقنيا في اختلافات الطيف الضوئي والتبادل اللوني، أيضا العرض تم على أرضية مدرج تغيب فيه الخشبة بمعاييرها المسرحية، ولا أقلها أن تكون ذات صدى يمنح العرض المسرحي مناخه الجمهوري.
كان العرض في عمومه يعكس لونا من ألوان المسرح النفسي، الذي بقدر ما يقدم تشريحا لأزمة اجتماعية تتعلق بعلاقات السيطرة والضبط إلى أنه ينفذ إلى ذلك من خلال النفس في مفردها. يُزاح الستار عن شخص مشوه الوجه ومعاق على كرسي متحرك، سبب الإعاقة انفجار لغم خلال «حرب» غير معينة، قضى أيضا على أمه. تعرضه المسرحية من دون اسم، رسام وموظف بالأرشيف في إحدى المؤسسات.
أول جملة ينطق بها: «أنا اليوم في إجازة يمكن أن تطول». تستغرق الخشبة حركته المسرحية في تداعيات كلامية تكشف عن شخصية مهتزة وعميقة الجروح، تقع خارج الهامش الاجتماعي، تعيش على الذاكرة المشكلة من خلال سلطة أبوية مستمرة. يطرح سؤالا مهما سوف يكشف عن معاناة نفسية شديدة التأزم: «ما هو السبب الذي جعلني أعيش في وحدة كل هذا العمر؟ لم يكذب من أطلق علي اسم المنسي». في هذه الحالة البوحية التي تشمله فردا ضمن واقعٍ يُتداول مسرحيا وحواريا بين «الأرشيف» الذي تحلل منه بالعطلة كرمز للاندماج الاجتماعي المفترض، والبيت كرمز لمزاولة «وحدة» نفسية مستدامة، يدير عجلة الكرسي المتحرك نحو رأس دمية ثم يتجه نحو عدة صور مرسومة معلقة على الجدار لامرأة واحدة هي أمه. تقتحم عليه وحدته فتاة اسمها أمل، جاءت لزيارة أخيها ولم تجده وكان الجو ماطرا، سوى بابه الذي فُتِح لها. يندمجان في حوار يؤسس للمشهد الثاني من دون فاصل، دائرا بين سؤال من أنت والشكوك حولها باعتبار أن المُعاق يعيش وحيدا ولا علاقات له بغيره، من جهتها تحاول المرأة تفكيك ما تخفي هذه الشخصية التي تعيش مع رأس دمية وصور متعددة لامرأة.
بين الـ«أمل» وسلطة الأب:
يوصف المُعاق علاقته بالحياة ونظرة المجتمع إليه من خلال تشوه الوجه والعجز الحركي، فمن يقبل بكيان كهذا؟ هنا يجيب على المرأة حين طلبت منه الخروج إلى الحياة والبحث عن أنثى، هو يرى في ذلك مشكلة كبرى، لكنها تسهل عليه الأمر وتخبره، أنه ربما لم يعثر على الطريقة التي يجد بها شريكة الحياة. مسرحيا، حالة الوحدة التي يعيش فيها المُعاق لا ترى الحياة إلا من خلال «الوحدة» و»الذاكرة» التي تمثلها في المسرحية وظيفة «الأرشيف»، فالوحدة تنتج طريقة واحدة لرواية الحياة من خلال عناصر محددة تخزنها الذاكرة، وهي في حالة شخصية المعاق الخوف من الارتباط بالمرأة، وبالتالي، بأي أشخاص آخرين من المحيط. كانت «أمل» بمثابة العنصر المساعد الذي فتح وعي المُعاق على طرق جديدة لاختراق باب البيت من جديد، لا للتوجه نحو «الأرشيف» فقط، ولكن للانخراط في الواقع والحياة بكل مفاعيلها لاكتشاف قوة الذات، وهي تنخرط في الحياة مع عجزها، ولعل المُعاق لم يكتشف أن «الكرسي المتحرك» هو أحد الروابط بالحياة المنسية تماما، كما الذي يعاني من شلل في يده ويتصرف على أساس عدم وجودها أصلا، وعليه ذكرت أن «ذاكرة صفراء»، العرض المسرحي يستهدف النفس في علاقتها بالمجتمع، فإهمال أهم عنصريها وهما الأفكار والمشاعر، قد يعمي الشخص عن عوامل تجاوزه لإشكالياته الوجودية والواقعية.
العرض المسرحي يستهدف النفس في علاقتها بالمجتمع، فإهمال أهم عنصريها وهما الأفكار والمشاعر، قد يعمي الشخص عن عوامل تجاوزه لإشكالياته الوجودية والواقعية.
إن انفصال المُعاق عن الحياة جعله يعتذر لـ”أمل” عن كونه غير قادر على التعامل معها بشكل صحيح، وهو ما يفسر نفور المعاق على العموم من الآخر، وبالتالي، فقد إمكانيات متاحة لمعرفة نفسه، ومن هنا تكون الإعاقة عاملا جوهريا في الانفصال المرضي عن الواقع والذات. الفصل الحاسم في المسرحية هو اتصال الأب بالمُعاق – قبل حضور المرأة – لإخباره بأنه على وشك الوصول إليه لزيارته. يُدق الباب فيضطر إلى إخفاء المرأة، بستار وهي جالسة على كرسي، تتعانق الشخصيتان ثم تنخرطان في حوار يكشف العديد من الإعاقات النفسية المتراكمة بسبب التوجيه الأبوي المهيمن للعلاقات، أو السلطة الأبوية، إذ يكشف الحوار على أن أهم وصايا الأب كانت التحذير من العلاقات على العموم، والوقوع في علاقة حب مع امرأة على الخصوص، لاعتبارات ما تؤول إليه من الخيانة، ولكن رد فعل الابن كان وجيها بطرح السؤال على أبيه: «لماذا أحببت أمي وتزوجت وأنجَبْتني؟»، هنا يصرخ الأب: «لا تذكرني..»، إذا هي مفاعيل الذاكرة وطبقاتها اللاواعية التي تطمر ذكريات أليمة وبعيدة تشكل جوهر الشخصية الحاضرة، فالأب عانى من جرح نرجسي في علاقتة بزوجته سكتت عنها المسرحية، كما سكتت عن اسمي الأب والإبن، وهي إشارة عميقة الدلالة واقعا لعدم تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، لأننا حينها سنقف على الإعاقات الفعلية لمسار ذواتنا في الحياة، وأنفسنا في اكتشافها لخللها عند مستويي الأفكار والمشاعر. فكرتان تداولتا المشهد الثالث وهما قياس الأب تجربة الحياة بمعيار العمر، ورفض الابن كون الحياة «حروبا ومعارك»، تلك التي تكون قاعدة التجربة فيها، ويعترف بأننا مجرد أرقام في «الحروب»، وألا ذنب لنا فيها، بمعنى أن السلبي في الحياة يقع للاستفادة منه وتجاوزه وجوديا وواقعيا، وإذا لم يحدث ذلك فلا معنى للتجربة. خلال هذا المشهد تساور الأب شكوك وجود امرأة في حياة ابنه، إلى أن يقع على فنجان قهوة عليه أثر أحمر شفاه يدعي ابنه أنه أثر لون صباغة يستعملها في الرسم، وهو الذي وضعها لأنه رجل ويحتاج للأنثى في حياته، وهي أول دلالة لـ»المتخيل» في أحداث المسرحية، فهو يتخيل امرأة عن طريق أحد عناصرها الجمالية (أحمر الشفاه). في لحظةٍ، يتداخل فيها مشهد اكتشاف الأب لأمل المتخفية، ومغادرته المشهد غاضبا من ابنه، الذي تمرد على أهم وصية وهي عدم ربط علاقات مع الآخر، وهي دعوة للانفصال عن الحياة.
الأمل وانكشاف الوهم «الأرشيفي»
تزيح أمل ستار التخفي عنها كاشفة للمُعاق أنه يعيش في هالة من الوهم، يتوهم وجود أشخاص، لم يكن هناك أب، كان يخاطب نفسه، ربما أبوه ميت من أعوام، لكنه يمثل الذاكرة المدمرة لحركته في الحياة، فليس العقبة في إعاقاتنا الجسدية، ولكن في عدم قدرتنا استبانة الطريق على مستوى الحياة. لا أب هناك، فقط هو تجل لأحد أزمات المُعاق الوجودية والنفسية، هي السلطة الرمزية للعوامل المعيقة للذات عن الحركة، رغم أن الذات تمتلك كل مقدرات التجاوز المساعدة (الكرسي المتحرك)، والحياة التي هي الضرورة الحيوية لممارسة الذات ذاتها وإنسانيتها، ومثلتها المسرحية في «الفن»؛ الرسم ذلك المجال القادر على إنتاج حيوات موازية، مفجرة لكوامن الجمال باعتباره جسر العبور إلى الحياة في تمثلاتها الأكثر رقياً. عندما تتأمل أمل مجموعة الصور التي رسمها للأم، تنبهر بجمالها، فيطلعها على صورة وهو طفل بجانب أمه على شاطئ البحر، فتتأكد من جمال الأم وتبتسم للمُعاق مؤكدة له وسامته أيضا. الجمع بين الطفولة، المرأة والبحر في حالة النكوص عن ممارسة الحياة بسبب إعاقة ما، يعني بالضرورة التنبيه إلى الخلفية أو العمق في العناصر الكاشفة لقوة الحياة، فالبحر قوة دافعة، باعتبار امتداده وعمقه ومادته المدمرة أحيانا، والطفولة هي القوة المنفتحة على ممارسة الحياة، فاللعب من أهم عناصر الطفولة للانخراط في حب الحياة، أما المرأة فهي القوة الجمالية والحسية لتأكيد الرغبة في الحياة.
تصل المسرحية إلى لحظة تأكيد العلاقة وتصحيح المسار مع عوالم الربط بالحياة، إذ يرجع المُعاق إلى ذاته مستغلا أداة الرسم التي تمثل العامل الحسي والتعبيري في التواصل مع الحياة، فيقرر رسم أمل. يتوجه نحو اللوحة البيضاء مرددا جملة البداية: «أنا اليوم في إجازة، ربما تطول!!»، ويندمج في الرسم، لنكتشف في النهاية أن لا امرأة هناك، وعندما يحمل اللوحة في يده تتبدى معالم صورة الأم المتكررة في كل رسوماته؛ يعم الصدى من خلال صراخ بحثه عن أمل..
ذاكرة الوهم:
تشخص هذه المسرحية معنى الوهم الذي يتحكم في العلاقات، بحسبانه عائقا أمام الممارسة المنتجة للحياة، اكتشاف الحضور المتوهم لشخصيتي أمل والأب في واقع الشخصية الرئيسية (المعاق) يحيل إلى أن هذا الأخير ربما لم يكن أبدا موظفا، و»الأرشيف» كان ميكانيزما مسرحيا للتعبير عن مفهوم السلطة، سلطة الذاكرة التي تختزن وتحتفظ بسلطة أخرى بطريركية (أبوية)، فالشخوص (أمل والأب) والوظيفة (الأرشيف) تحولوا بفعل تلقي العرض إلى أفكار تمثل الانفتاح على الحياة محك ممارسة الذات ذاتها، وعلى السلطة الأبوية باعتبارها هيمنة، وعلى الذاكرة باعتبارها مخزن الإعاقات المحتملة. «ذاكرة صفراء» – يمنح اللون الأصفر معنى الغيرة كمرض نفسي وما يحيل إليه من علاقة سامة تهدم معنى الحياة السوية – عرض يعيد إلى المسرح دوره العلاجي من خلال إواليتي الخيال والحوار الذي تغلبت عليه الفضفضة باعتبار أن الشخصية الواقعية في المسرحية هي «المُعاق»، التي تستمر في الكلام والتعبير عن ذاتها طوال مدة العرض.
يتجلى المسرح سينوغرافيا كممثل للمعالج الذي يحتضن الشخصية المعاقة ويفسح لها المجال للتنفيس عن المكبوت، بتوفير شخصيتين وهميتين، أمل والأب، وهو ما يعادل في التحليل النفسي الغوص في اللاوعي للوقوف على الأسباب المرضية، وقد شخص العرض عوامل المواجهة الموضوعية مع الشخصية المريضة في صورة المُعاق مع الأم والرسومات، وكانت بمثابة الصدمة التي تعيد البوصلة النفسية إلى اتجاهها الصحيح.
أيضا كانت العوامل المتوهمة كآلية أنتجها العرض للانعتاق من أسر الذاكرة، التي تتحول في بعض مراحل التقديس المبالغ فيه لمخزوناتها إلى سجن يحول كل ما هو خارجها إلى وهم، وهنا تدخل الشخصية مرحلة فوق نرجسية، أو ما ندعوه بالسولبسيزم solipsisme، وهو ما يجعل الذات تعتقد وجودها الحقيقة الوحيدة وما سواها وهم.
كاتب جزائري