أزمة قطع الغيار والزيوت تشل عجلات الحياة في غزة


غزة – «القدس العربي»: لم تكتف آلة الحرب الإسرائيلية بما حصدته من أرواح وبشر، بل امتدت أنيابها اليوم لتنهش ما تبقى من شرايين الحياة، المتمثلة في وسائل النقل والمولدات الكهربائية. في قطاع غزة، لم يعد «البحث عن لقمة العيش» هو التحدي الوحيد، بل بات البحث عن «إطار مطاطي» أو «لتر من الزيت» معركة يومية خاسرة، في ظل منع الاحتلال الممنهج دخول قطع الغيار والإطارات والزيوت المعدنية منذ أشهر طويلة، ما دفع القطاع نحو حافة شلل تام يهدد الخدمات الإنسانية والطبية.
في ورشة صيانة متواضعة وسط القطاع، يقف الأربعيني طلعت الشرافي، وهو فني ميكانيك بخبرة تتجاوز العشرين عاما، حائرا أمام سيارة متهالكة. يقول لـ«القدس العربي»: «لم يعد عملنا تصليحا بالمعنى المفهوم، صرنا نمارس الجراحة القيصرية للمركبات. نضطر إلى تفكيك سيارات دمرتها الدبابات أو قصفها الاحتلال لاستخراج قطعة صالحة هنا أو هناك».
ويضيف الشرافي بمرارة: «حتى هذه القطع المستعملة أو السكراب باتت تباع بأسعار خيالية. أما الزيوت، فحدث ولا حرج؛ لتر الزيت الذي كان يبلغ سعره 10 شواكل، قفز اليوم ليتجاوز 700 شيقل إن وجد، وهو ما دفع الناس إلى ركن سياراتهم لتتآكل تحت الشمس والرياح».

«خياطة» الإطارات والزيوت المحروقة

هذا النقص الحاد أجبر السائقين على اتباع طرق بدائية غاية في الخطورة. السائق سعيد حمدان، الذي يعمل على خط النزوح بين دير البلح ورفح، يروي لـ«القدس العربي» كيف يقوم بـ«خياطة» إطارات سيارته المهترئة بأسلاك معدنية ووضع رقع مطاطية داخلية، في محاولة بائسة لمنع انفجارها.
يقول حمدان: «نخاطر بحياتنا وحياة الركاب كل يوم. نستخدم الزيت المحروق المعاد تدويره للمحركات رغم علمنا أنه يدمرها، لكن ما البديل؟ الاحتلال دمر آلاف السيارات، وما تبقى منها مهدد بالتوقف بسبب منع دخول الإطارات. نحن نعيش في سجن كبير، حتى عجلاته تم انتزاعها».

عودة إلى زمن البدائية

هذا الشلل الذي أصاب محركات المركبات أعاد غزة عقودا إلى الوراء، حيث باتت عربات الكارو، التي تجرها الحيوانات، الوسيلة الوحيدة المتاحة لنقل الجرحى والمؤن، وحتى لنقل جثامين الشهداء في كثير من الأحيان.
لكن المفارقة المؤلمة، كما يروي إبراهيم صالحة، صاحب عربة، أن الضغط الهائل على هذه الوسائل البدائية أدى إلى ارتفاع ثمن تجديد حدوات الخيول ونقص المسامير، ليدخل أصحاب العربات في دوامة البحث عن المعادن والحديد من الركام لتصنيع بدائل محلية.

مصادر طبية لـ«القدس العربي» المنظومة الصحية «مستنزفة تماما»

الأزمة لم تقف عند حدود المواصلات، بل ضربت بعمق داخل غرف العمليات والعناية المكثفة. تفيد مصادر طبية لـ»القدس العربي» أن المنظومة الصحية باتت «مستنزفة تماما». فالمولدات الكهربائية، التي تعمل كبديل وحيد للتيار المقطوع منذ عامين، أصبحت متهالكة وتتعرض لأعطال متكررة لغياب قطع الغيار.
وتوضح المصادر أن القطاع الصحي يحتاج شهريا إلى نحو 2500 لتر من الزيوت لضمان استمرار عمل هذه المولدات. ومع تعنت الاحتلال، يحدق خطر الموت بأقسام غسيل الكلى وحضانات الأطفال وغرف الطوارئ، حيث إن توقف أي مولد يعني توقف نبض الأجهزة التي تبقي مئات المرضى على قيد الحياة.

طواقم الإنقاذ: عجز خلف المقود

وعلى جبهة إنسانية أخرى، تقف طواقم الدفاع المدني والإسعاف عاجزة أمام نداءات الاستغاثة، ليس لنقص في العزيمة، بل لأن إطارات مركباتهم الضخمة تآكلت تماما بفعل السير فوق الركام وشظايا القذائف الحادة. يقول المسعف ياسر أبو رزق لـ«القدس العربي»: «أحيانا نصل إلى المصاب ونحن نسير على جنوط السيارة الحديدية لأن الإطارات انفجرت ولا بديل لها، وهذا يؤخر وصولنا ويجعل الرحلة إلى المستشفى قطعة من العذاب للمصاب والمسعف على حد سواء».

كارثة بيئية ومعيشية

على صعيد آخر، لم تكن آبار المياه ومحطات التحلية ومضخات الصرف الصحي بمنأى عن هذا «الخناق التقني». فالمعدات الثقيلة التابعة للبلديات والمنظمات الدولية تواجه المصير نفسه. حذرت منظمة «اليونيسف» من أن استمرار نقص الإطارات والزيوت يعيق شاحنات توزيع المياه، ما قلص كميات المياه الصالحة للشرب المتاحة للسكان، وهو ما ينذر بانتشار الأوبئة.
حتى «رغيف الخبز» بات مهددا، إذ تعتمد المخابز الآلية على معدات تحتاج إلى صيانة دورية وزيوت خاصة للمحركات، ومع غياب هذه المواد، يصبح توقف المخابز مسألة وقت لا أكثر، ما يضاعف معاناة المواطنين الذين أنهكهم الجوع والنزوح.

السوق السوداء: استثمار في الوجع

في ظل هذا الفراغ القاتل، انتعشت سوق سوداء ينهش سماسرتها ما تبقى من جيوب المواطنين، حيث تباع القطع المهربة أو المستصلحة بأسعار تفوق الخيال. يروي المواطن باسم الشرفا، الذي يمتلك شاحنة نقل مياه صغيرة، تجربته المريرة: «بقيت أبحث عن إطار واحد لشاحنتي لمدة أسبوع، فوجدته أخيرا عند أحد التجار في السوق السوداء بثمانية أضعاف سعره الحقيقي. وحين سألته عن الضمان، رد عليّ بدم بارد: خذها أو اتركها، غيرك ينتظر بماله». ويستطرد خلال حديثه لـ»القدس العربي»: «لقد تحول وجعنا إلى تجارة رابحة، وأصبحنا نشتري قطع غيار متهالكة بأسعار القطع الأصلية، فقط لنضمن عدم توقف مصدر رزقنا الوحيد الذي يطعم أطفالنا».

نداءات استغاثة… وجدران صماء

وفي ظل هذا الواقع السوداوي، يطالب السائق سعيد حمدان وكل المتضررين بضرورة تدخل الجهات الأممية والدولية للضغط على الاحتلال لإدخال هذه المواد الأساسية. ويقول حمدان: «الإطارات ليست رفاهية، والزيوت ليست كماليات؛ إنها مواد أساسية لاستمرار الحياة. استمرار المنع يعني انهيارا كاملا لما تبقى من خدمات إنسانية».
يبقى قطاع غزة اليوم في مواجهة «شلل ميكانيكي» يضاف إلى جراحه المثخنة، بانتظار حلول دولية تفتح المعابر أمام عجلات الحياة قبل أن تتوقف تماما، ويتحول القطاع إلى «مقبرة كبرى» للمركبات والبشر على حد سواء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *