الإنفاق الموحد يدخل حيّز التنفيذ في ليبيا وسط ترحيب دولي وتحركات أممية موازية


طرابلس – «القدس العربي»: في مشهد يعكس محاولة جديدة لإعادة ضبط إيقاع الدولة الليبية بعد سنوات من الانقسام، تتقاطع الخطوات المالية مع المسارات السياسية والأمنية في لحظة تبدو حاسمة، حيث يسعى الفاعلون المحليون والدوليون إلى تثبيت أرضية مشتركة يمكن البناء عليها. وبين أرقام الميزانية وتفاصيل الاجتماعات الأممية، يظل الرهان قائماً على تحويل التفاهمات إلى واقع ملموس ينعكس على حياة المواطنين.
فقد أعلنت الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد، بدء تنفيذ اتفاق الإنفاق العام الموحد للعام المالي 2026، في خطوة وصفتها بأنها تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي وتحقيق قدر أكبر من الشفافية في إدارة الموارد، وذلك وفق بيان رسمي نشر عبر منصاتها.
وأكدت الحكومة أن وزارتي التخطيط والمالية شرعتا فعلياً في تنفيذ الاتفاق، من خلال اعتماد آلية الصرف وفق قاعدة (1/12) على أبواب الميزانية العامة، استناداً إلى آخر ميزانيات معتمدة، بما يضمن استمرار الخدمات الأساسية وانتظام الإنفاق في مختلف القطاعات.
وجددت ترحيبها بالاتفاق الذي جرى التوصل إليه بمشاركة أعضاء من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وبرعاية مصرف ليبيا المركزي، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تحولاً مهماً نحو توحيد المؤسسات المالية في البلاد، بعد سنوات طويلة من الانقسام.
وفي سياق متصل، شددت الحكومة على أن المصرف المركزي سيتولى الإشراف المباشر على تنفيذ الاتفاق، لضمان سلامة التدفقات المالية وتحقيق الانضباط المالي، محذرة من أي محاولات لعرقلة التنفيذ أو الالتفاف على مضمونه، ومؤكدة أنها ستتخذ إجراءات قانونية صارمة ضد أي إخلال بهذا المسار.
بالتوازي، أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة إقرار الميزانية الموحدة للمرة الأولى منذ أكثر من 13 عاماً، وذلك عبر اتفاق «2+2»، بعد مسار تفاوضي استمر نحو سبعة أشهر، وُصف بأنه معقد وطويل. وأوضح الدبيبة أن الميزانية خصصت 73.36 مليار دينار لباب المرتبات، و10 مليارات للنفقات التسييرية، و44 ملياراً لباب الدعم، إضافة إلى نحو 40 مليار دينار لمشروعات التنمية، مؤكداً أن جميع المشاريع ستُعرض ضمن جدول موحد يشمل مختلف الأجهزة والصناديق التنفيذية.
وأشار إلى أن هذا الاتفاق يعيد المالية العامة إلى مسارها الطبيعي، عبر إدارة موحدة من خلال وزارة مالية واحدة ومصرف مركزي واحد، مع الالتزام بإجراءات الصرف المنصوص عليها في القوانين الليبية، بما يعزز الشفافية ويحد من الإنفاق الموازي.
كما كشف عن جملة من الإجراءات الرقابية المصاحبة، من بينها إلزام الجهات المنفذة بتقديم تقارير شهرية مفصلة حول نسب الإنجاز والمصروفات، إضافة إلى تشكيل لجنة مشتركة لمتابعة التنفيذ والتقييم المستمر، في محاولة لضبط الأداء المالي وتفادي الاختلالات السابقة.
وتطرق الدبيبة إلى ملف المؤسسة الوطنية للنفط، موضحاً أن تمويلها سيتم في شكل قروض تخضع لمراجعة خارجية مستقلة عبر مكاتب تدقيق دولية، مع إخضاع جميع مراحل الإنفاق والتنفيذ لمنظومة رقابية متكاملة، في خطوة تهدف إلى تعزيز الثقة في إدارة الموارد السيادية.
على الصعيد الدولي، حظي الاتفاق بدعم واضح من الولايات المتحدة، حيث وصف مساعد وزير الخارجية الأميركي، كالب أور، الاتفاق بأنه خطوة محورية نحو دعم الاستقرار الاقتصادي في ليبيا، وتعزيز الشفافية والإفصاح في إدارة المال العام.
وجاء ذلك خلال لقاء جمع مسؤولين أميركيين بوفد من حكومة الوحدة في واشنطن، بحضور المستشار الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس، حيث جرى بحث آفاق التعاون في مجالات الطاقة والنقل والتعدين، إلى جانب تطوير بيئة الاستثمار.
وتشير هذه التحركات إلى وجود دعم دولي متزايد لمسار توحيد الإنفاق، باعتباره مدخلاً أساسياً لإعادة الاستقرار الاقتصادي، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بتقلبات الإيرادات النفطية وارتفاع معدلات الإنفاق العام.
وفي سياق موازٍ، تواصل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا جهودها لدفع العملية السياسية، حيث عقد مسارا الأمن والحوكمة ضمن «الحوار المهيكل» اجتماعين متوازيين في بنغازي وطرابلس، لبحث سبل توحيد المؤسسات ومعالجة المختنقات القائمة.
ويركز المسار الأمني على قضايا توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وبناء الثقة بين الأطراف، إلى جانب مناقشة إعادة الإدماج ومواءمة الموارد البشرية، بينما يعكف مسار الحوكمة على معالجة القضايا الدستورية والتنفيذية، بما يمهد لتقديم توصيات نهائية مع بداية حزيران/يونيو المقبل.
كما أجرت المبعوثة الأممية، هانا تيتيه، سلسلة لقاءات مع قيادات عسكرية، من بينهم رئيس الأركان صلاح النمروش والقيادي العسكري أسامة الجويلي، لبحث ملف توحيد المؤسسة العسكرية وتعزيز التنسيق الأمني.
وأكدت تيتيه خلال هذه اللقاءات التزام البعثة بدعم الجهود الليبية الرامية إلى توحيد المؤسسات وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات، مشددة على أهمية تحقيق تقدم ملموس في المسار الأمني بالتوازي مع المسار السياسي.
ويأتي تنفيذ اتفاق الإنفاق الموحد في وقت تُجمع فيه أطراف محلية ودولية على أن الانقسام المالي كان أحد أبرز أسباب تعثر الدولة الليبية خلال السنوات الماضية، حيث أدى تعدد مراكز الإنفاق وغياب الرقابة الموحدة إلى تفاقم الأزمات الاقتصادية وتراجع مستوى الخدمات.
ويمثل الاتفاق، الذي وُقع في 11 نيسان/أبريل الماضي بين ممثلين عن مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة داخل مصرف ليبيا المركزي، أول توافق شامل على إدارة الإنفاق العام على مستوى البلاد منذ أكثر من 13 عاماً، ما يمنحه أهمية خاصة في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يظل التحدي الأكبر مرتبطاً بقدرة الأطراف على الالتزام بالتنفيذ الفعلي، بعيداً عن التجاذبات السياسية التي لطالما أعاقت مسارات التوافق السابقة، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لجدية هذا المسار.
في المحصلة، تبدو ليبيا أمام فرصة نادرة لربط المسار المالي بالمسارين السياسي والأمني، حيث قد يشكل نجاح تنفيذ الإنفاق الموحد نقطة انطلاق نحو استقرار أوسع، بينما سيؤدي أي تعثر إلى إعادة إنتاج الأزمة بصيغ جديدة، في بلد لا يزال يبحث عن توازن مستدام بين مؤسساته.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *