2022-2026… أربع سنوات هزّت إسرائيل من الأعماق


باريس- “القدس العربي”: قالت صحيفة “لوفيغارو” الفرنسية إن السنوات الأربع الأخيرة شهدت تحولات عميقة وأزمات متلاحقة في إسرائيل، في ظل حكم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي عاد إلى السلطة عام 2022 على رأس ائتلاف حكومي ضم حزب الليكود وحزبين من التيار الديني المتشدد وحزبين من أقصى اليمين، وتمكن من الصمود رغم العواصف السياسية والأمنية التي عصفت بالبلاد.

قبل أيام قليلة من الانتخابات التشريعية المقررة الثلاثاء، يخيّم سؤال على الأذهان في إسرائيل: هل ستندلع حرب جديدة مع إيران؟ بل إن كثيراً من سكان البلاد، إسرائيليين وفلسطينيين على حد سواء، يتساءلون بشيء من الإرهاق، عن موعد اشتعال هذا الصراع مجدداً. هل سيكون ذلك الليلة؟ أم غداً؟ أم بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مطلع شهر نوفمبر؟

في المرة الأخيرة التي توجه فيها الإسرائيليون إلى صناديق الاقتراع، قبل أربع سنوات، كان مثل هذا الاحتمال سيبدو مستبعداً تماماً. أما اليوم، وبعد أربع جولات من الحرب بين دولة إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية، فقد أصبح هذا السيناريو مألوفاً إلى حد كبير. ذلك أن إسرائيل اليوم لم تعد هي نفسها إسرائيل عام 2022، حين نجح بنيامين نتنياهو في العودة بقوة إلى السلطة، على رأس ائتلاف يقوده حزب الليكود، ويضم حزبين من الأحزاب الدينية المتشددة وحزبين من أقصى اليمين في المشهد السياسي الإسرائيلي. وقد أثبت هذا التحالف أنه متماسك بما يكفي للصمود أمام جميع العواصف.

فخلال السنوات الأربع الماضية، شهدت إسرائيل سلسلة من الأزمات، كان من الممكن أن تُصنَّف كل واحدة منها، بمفردها، على أنها أزمة كبرى: أزمة مؤسسية، وأزمة أمنية، وأزمة هوية. ولم تُحلّ أي منها، حتى باتت هذه الأزمات تتداخل اليوم وتتراكم، مولّدة توترات متعددة سيكون لها دور حاسم في تحديد خيارات الإسرائيليين يوم الثلاثاء.

فالحرب لم تنته في أي مكان. في الضفة الغربية، أطلق الجيش الإسرائيلي، يوم السبت، عملية واسعة النطاق، عقب هجوم مسلح بالقرب من الخليل، أسفر عن مقتل جنديين إسرائيليين وإصابة ثلاثة آخرين، فيما قُتل المهاجمان الفلسطينيان. ويوم الخميس، قُتل أربعة أشخاص جراء إطلاق نار إسرائيلي في قطاع غزة. وما تزال القوات الإسرائيلية موجودة في جنوب لبنان، حيث تواصل شن ضرباتها ضد حزب الله. كما أفادت تقارير بأن الطيران الإسرائيلي اقترب، في مناسبتين خلال هذا الأسبوع، من الحدود الإيرانية.

واعتبرت “لوفيغارو” أن انعدام الثقة بالمؤسسات متجذر بعمق. ولدى خصوم نتنياهو ومؤيديه على حد سواء، تتغذى حالة انعدام الثقة على رفض رئيس الوزراء إنشاء لجنة تحقيق برلمانية لكشف ملابسات الإخفاق الذي وقع في السابع من أكتوبر. ومع ذلك، فإن تشكيل لجان التحقيق يعد تقليداً معمولاً به في إسرائيل، حيث إنه حدث بعد حرب أكتوبر عام 1973، وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا في لبنان عام 1982، وكذلك بعد حرب لبنان الثانية في 2006.

وفي غياب نتائج تحقيق رسمية، يصبح المجال مفتوحاً أمام جميع الشكوك والاتهامات. فخصوم نتنياهو يرون أنه مسؤول عن السماح لقطر بتمويل حركة حماس، بهدف إضعاف حركة فتح، الحزب الفلسطيني الذي كان يتولى السلطة في قطاع غزة. أما أنصاره، فيحملون ما يسمونه “الدولة العميقة” وأجهزة الاستخبارات والجيش ورؤساء الأركان الذين تعاقبوا خلال السنوات الماضية، مسؤولية السماح بحدوث ما جرى.

وما دامت الحقيقة لم تُكشف، فإن مصداقية المؤسسات ستظل متضررة. وهذه، بالنسبة إلى الإسرائيليين، هي الدرس الأكثر مرارة الذي خلّفه هجوم السابع من أكتوبر. فقد قامت دولة إسرائيل، التي أُنشئت بعد الحرب العالمية الثانية، على وعد بتوفير ملاذ آمن لليهود من جميع أنحاء العالم، حتى لا يضطروا إلى التعرض مجدداً لمحرقة أخرى. لكن في السابع من أكتوبر عام 2023، وقعت على الأراضي الإسرائيلية أكبر “مجزرة” بحق اليهود منذ الحرب العالمية الثانية. وبالنسبة إلى الإسرائيليين، فإن هذه الحقيقة تظل موضع تساؤل العقد الأساسي الذي يربط الشعب بالدولة الإسرائيلية.

وعلى الرغم من اختلافاتهم، يستخلص معظم الإسرائيليين الدرس نفسه من أحداث السابع من أكتوبر: لا يمكن تحقيق السلام مع الفلسطينيين، وأن “حل الدولتين” بات أمراً غير قابل للتصور. ولا يوجد اليوم سوى مرشح واحد يدعو إلى هذا الحل، هو اليساري يائير غولان، الذي تشير التقديرات إلى أنه قد يحصل على ما بين تسعة وعشرة مقاعد في الكنيست المقبل، المؤلف من 120 مقعداً.

وبالنسبة إلى غولان، لم يعد حل الدولتين يمثل مشروعاً مثالياً للسلام، كما كان يُنظر إليه في زمن عملية أوسلو، بل أصبح خياراً اضطرارياً، أو أقل الخيارات سوءاً. ففكرة أن يعيش كل طرف منفصلاً عن الآخر، وأن يكون لكل منهما كيانه الخاص، هي، في رأيه، الخيار الوحيد القابل للتطبيق لضمان أمن البلاد. وإدراكاً منه لمدى صعوبة تقبّل هذا الطرح لدى كثير من الإسرائيليين، جعل بنيامين نتنياهو رفضه محور حملته الانتخابية. ويعبّر شعاره “اليمين أم فلسطين” عن جوهر هذه الحملة. فالبلاد منقسمة إلى معسكرين لا يبدو أنهما قادران على التصالح، ولو بصورة مؤقتة، إلا عندما يواجهان خطراً خارجياً مشتركاً. وهذا الوضع هو نتيجة أحداث متلاحقة وقعت بوتيرة متسارعة منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى السلطة.

ففي يناير عام 2023، أعلن وزير العدل في حكومته إطلاق خطة للإصلاح القضائي، كان هدفها الحد من استقلالية المحكمة العليا الإسرائيلية وصلاحياتها. وتُعد المحكمة العليا جهة الرقابة الأساسية على السلطة في نظام مؤسسي يفتقر إلى دستور مكتوب، ويضم برلماناً من غرفة واحدة. ورأى معارضو الخطة أن الأمر يتعلق بمصير الديمقراطية الإسرائيلية نفسها، وهي مسألة لم تكن قد طُرحت خلال الحملة الانتخابية.

ونتيجة لذلك، خرج مئات الآلاف من الإسرائيليين إلى الشوارع احتجاجاً على المشروع. ومع مرور الأشهر، اتسع نطاق المظاهرات إلى حد دفع بنيامين نتنياهو، الذي يواجه محاكمة بتهم الفساد والاحتيال وإساءة الأمانة، إلى تعليق خطته مؤقتاً، من دون التخلي عنها نهائياً. وكان نتنياهو يدرك أنه يستطيع الاعتماد على دعم غالبية الإسرائيليين الذين أوصلوا ائتلافه إلى السلطة، إذ يجد هؤلاء في مشروع الإصلاح القضائي تعبيراً عن توجهاتهم السياسية.

وهكذا ظهر إلى العلن انقسام عميق بين الإسرائيليين التقدميين والعلمانيين، الذين يدافعون عن دولة القانون والديمقراطية الليبرالية، وبين المحافظين والمتدينين، الذين يرغبون في إضفاء طابع ديني أكبر على المؤسسات، ويسعون إلى تقليص سلطة القضاة الذين يتهمونهم بعرقلة عمل النواب والسلطة التنفيذية. وبين هذين المعسكرين في إسرائيل، يبدو الحوار مستحيلاً. كما أن التحولات الديموغرافية تميل بصورة متزايدة لمصلحة التيار المحافظ.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *