بين الحرب والحصار… تعز تغرق في النفايات


“القدس العربي”: يضع رضوان علي (30 عاماً) طرف ردائه على أنفه، ويطأطئ رأسه، ثم يسرّع خطواته في شارع التحرير الأسفل وسط مدينة تعز. فلا وقت للتوقف أو التقاط الأنفاس، في ظل الروائح المنبعثة من النفايات المتراكمة على الطريق الرئيسي.

“لا هواء نقي هنا إطلاقاً”، يقول رضوان لـ”القدس العربي”، متوقفاً لبرهة لالتقاط أنفاسه، قبل أن يضيف: “تحاصرنا الروائح في الشوارع، ويتسلل الدخان إلى منازلنا حتى في منتصف الليل”.

يعاني رضوان الصداع والدوار جراء الروائح الكريهة المنبعثة من أكوام القمامة الممتدة على جوانب الشوارع، فيما تتفاقم معاناته مع تصاعد سحب الدخان الناجمة عن حرق النفايات في محاولة للتخلص منها. ويحذر قائلاً: “إن استمرار الحصار والحرب انعكس سلباً على قطاع النظافة، ما ينذر بكارثة بيئية وشيكة”.

وتشهد مدينة تعز، الواقعة جنوب غربي اليمن، تصعيداً عسكرياً متجدداً منذ أسابيع، أعادها إلى واجهة المواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية، بعد نحو أربع سنوات من التهدئة النسبية، في ظل النزاع المستمر في البلاد منذ عام 2014.

منذ مطلع تشرين الأول/أكتوبر الجاري، بدأ صندوق النظافة والتحسين في تعز تقليص عملياته جراء نفاد الوقود المخصص لشاحنات جمع النفايات، على خلفية الحصار المفروض على المدينة وعرقلة وصول إمدادات المشتقات النفطية.

لكن منذ نحو أسبوع، توقفت عمليات نقل النفايات كليا، بعدما امتدت الاشتباكات المسلحة إلى المكب المؤقت والوحيد للمدينة، وحوّلت المنطقة إلى جبهة قتال، ما حال دون وصول فرق النظافة وشاحناتها إليه.

وقال مدير مشروع النظافة في صندوق النظافة والتحسين بتعز، محمد إبراهيم، إن انقطاع إمدادات الديزل منذ بداية التصعيد العسكري، مطلع الشهر الجاري، اضطر الصندوق إلى تقليص الكميات المتاحة، ما أدى إلى توقف بعض المعدات.

وتنتج مدينة تعز ما بين 500 و600 طن من النفايات يوميا، فيما تصل احتياجات قطاع النظافة من الوقود إلى نحو 1200 لتر من الديزل يوميا.

وأضاف: “واصلنا العمل بالإمكانات المتاحة رغم نقص الوقود، لكن توقفت عمليات نقل النفايات بعد أن استولى الطرف الآخر (إشارة إلى الحوثيين) على المكب المؤقت، ولم يعد لدينا مكان آخر للتخلص منها، حتى بصورة مؤقتة، ما ينذر بكارثة بيئية في المدينة”.

وأدى تراكم أطنان النفايات وتعفنها، إلى جانب الدخان الناتج عن حرق المخلفات البلاستيكية والأقمشة، إلى خلق بيئة خصبة لتكاثر البعوض وانتشار الأمراض والأوبئة، وسط مخاوف متزايدة من تفاقم المخاطر الصحية والبيئية على السكان.

تداعيات الكارثة

عند ناصية شارع المغتربين وسط المدينة، يقف أحمد سيف ممسكاً بكيس بلاستيكي أسود. يتردد للحظة، ثم يلقيه فوق كتل القمامة المتضخمة، موضحاً: “النفايات تتراكم كل يوم وتتكدس بشكل لا يطاق، وأصبحت تهدد حياتنا وحياة أطفالنا مع انتشار الأمراض”.

وفي عدد من الشوارع الرئيسية، باتت النفايات – من زجاجات وأكياس بلاستيكية وإطارات تالفة – تزحف نحو الشارع لتزاحم مسارات حركة السيارات وتغطي مجاري السيول. ويضيف سيف لـ”القدس العربي”: “نعلم أننا نساهم في الكارثة، لكن ما البديل؟ نحن مجبرون على رمي القمامة هنا بين الأحياء والأزقة بدلاً من أن تتكدس داخل بيوتنا وتتعفن”.

ولم تتوقف تداعيات الكارثة عند تشويه المظهر الحضاري أو انبعاث الروائح الكريهة والدخان، بل ساهمت في انتشار الأمراض والأوبئة الذي بات العديد من المواطنون يشكون منها.

ويقول أبو إياد إن الحصار وتراكم النفايات أسهما في انتشار الأمراض والأوبئة، مشيرا إلى أن مقلب النفايات في منطقة حدائق الصالح لم يعد متاحا بسبب الحرب. ويطالب، في سياق حديثه لـ”القدس العربي”، برفع القمامة المتراكمة وإنهاء الحصار، محذرا من المخاطر الصحية التي باتت تهدد السكان مع استمرار تكدس النفايات.

وتُعد تعز إحدى أبرز جبهات المواجهة مع الحوثيين، كما تمثل أحد أهم المراكز الحضرية الخاضعة للقوات المناوئة للجماعة في المرتفعات الجنوبية لليمن. ومع تجدد القتال، تتفاقم الأعباء المعيشية والصحية على السكان، بالتوازي مع أزمة بيئية متصاعدة جراء توقف خدمات النظافة وتراكم المخلفات.

ومنذ اندلاع الحرب، ظلت تعز إحدى أبرز خطوط المواجهة مع الحوثيين، وتمثل اليوم أحد أهم المراكز الحضرية الخاضعة للقوات الحكومية. ومع تجدد القتال، تتفاقم الأعباء المعيشية والصحية على السكان.

ويواجه القطاع الصحي في المدينة شحا حادا في الإمدادات الطبية والمشتقات النفطية، في ظل تراجع المخزون التشغيلي إلى مستويات حرجة للغاية، وفق بيان سابق لمكتب الصحة والسكان في تعز.

من جهتها، تقول عزية قائد (60 عاماً) إن عدداً من أحفادها الصغار أصيبوا بالإسهال والحمى منذ تراكم النفايات في حيهم السكني، مؤكدة أن الوضع “يشكل خطراً حقيقياً ومباشراً على سلامتهم”، وأنه يجب سرعة التدخل لإيجاد حلول لهذه الأزمة.

​جذور الأزمة

تعاني مدينة تعز من أزمة نفايات مزمنة منذ اندلاع النزاع عام 2014 وإغلاق الطرق والمنافذ الرئيسية، الأمر الذي حال دون وصول شاحنات النظافة إلى المكب الرئيسي في “مفرق شرعب” الواقع تحت سيطرة جماعة الحوثيين.

وفي عام 2016، لجأت السلطة المحلية التابعة للحكومة اليمنية إلى تخصيص متنزه “حدائق الصالح” في منطقة الضباب بالمدخل الجنوبي الغربي للمدينة مكباً مؤقتاً للنفايات، بعد استعادة السيطرة عليها حينها. غير أن عودة المواجهات العسكرية وتقدم الحوثيين مطلع أكتوبر الجاري حول المنطقة إلى خط تماس تشهد اشتباكات متواصلة، مما أدى إلى توقف نشاط النظافة نهائياً ومضاعفة المأساة الإنسانية والبيئية لسكان المدينة المحاصرة.

يقول مدير مشروع النظافة في صندوق النظافة والتحسين بتعز، محمد إبراهيم: “قطاع النظافة من أكثر القطاعات حساسية، وتعطل معدة واحدة قد يتسبب بكارثة بيئية، فما بالك بتوقف جميع المعدات؟”.

توقفت مؤخرا معظم معدات الصندوق “وهي محمّلة بالمخلفات، ما يعرضها للتآكل والتلف”، وفق إبراهيم، الذي أشار إلى أن محاولات نقل النفايات إلى مواقع بديلة تصطدم بالمنع، و”مع هذا نواصل البحث عن حلول”.

وكانت تعز قد تعرّضت لحصار مطلع عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء، وعلى الرغم من تمكن القوات الحكومية من كسر أجزاء من الحصار في 2016، إلا أن الحوثيين ظلوا يتحصنون في المواقع المحيطة بالمدينة.

واتهمت الحكومة الحوثيين بإعادة فرض حصارٍ محكمٍ على المنافذ المؤدية إلى المدينة، منذ نحو أسبوعين، وقطع طريق إمدادٍ حيوي يربط بين تعز وعدن، فيما نفت الجماعة ذلك.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *