خلال إقامتي الأدبية في شنغهاي قبل سنوات، كنت كلما فتحت تطبيق «ويتشات»؛ البديل الصيني لـ»واتساب» و»فيسبوك» معاً، تعتريني رجفة عند رؤية شاشة البداية، بصورتها التي تجسد ظلَ شخصٍ وحيد يقف ناظراً إلى كوكب الأرض كما صوَّرته وكالة «ناسا» من الفضاء. أراد مصممو التطبيق الإشارة إلى إن الإنسان، رغم صغره أمام هذا الكوكب الهائل، يستطيع عبر «ويتشات» التواصل مع أي شخص في أي مكان على الأرض. غير أن ما وصلني في كل مرة كان شيئاً آخر؛ إذ لطالما تركت الصورة في داخلي تأثيراً موتّراً. وعوضاً عن منحي شعوراً بتقلص المسافات بين البشر، أشعرتني بأننا محض ومضات عابرة على خلفية شاسعة من العتمة. ودفعتني للتفكر في اتساع الكون المدوِّخ، وفي أن الأرض نفسها ليست سوى قطرة ماء تائهة في محيطه اللانهائي؛ فما البال بظل إنسان معزول يكاد يتلاشى من «الكادر» مقارنةً بالكرة الأرضية التي تتوسط فضائه، وبالفراغ الدائري الداكن الذي يقف فيه.
استعدتُ هذه الذكرى فيما أقرأ كتاب «المعرفة، الجهل، الغموض» لإدغار موران (دار الرافدين، ترجمة: لطفي السيد منصور)، وتحديدا عندما طرح الكاتب سؤال: «هل نحن كالضفدع في قاع البئر الذي لا يمكنه معرفة أعالي البحار؟». وهو تساؤل لطالما خَطَر فحواه بتنويعات عديدة على أذهان البشر على مرّ العصور؛ لأن الطبيعة البشرية موسومة بالنقصان، وفي كل مواجهة بيننا وبين الكون الشاسع الملغز نستشعر محدودية إدراكنا وصغر الحيز الذي نشغله، لكننا سرعان ما نتذكر أننا جزء من نسيج الكون، وفينا «انطوى العالم الأكبر».
لقد رأيت في التناقض بين لانهائية الكون وضآلة الفرد الواقف وحيداً أمام كوكب الأرض صدى لوضعية الضفدع في البئر؛ تلك الوضعية التي نفى إدغار موران انطباقها علينا، معللاً ذلك بأننا – بفضل التلسكوبات والمركبات الفضائية – بتنا نعرف الكثير عن تمدد المجرات والثقوب السوداء والطاقة المظلمة؛ إذ لم يتقدم علم مثلما تقدم علم الفلك، لكنه استدرك موضحاً، أن تلك المعرفة كشفت لنا، من جانب آخر، عن مدى ضخامة الكون وإلغازه وعصيانه على الإدراك البشري.
وفي هذا السياق، يتفحص موران ثنائية المعرفة والجهل، وتعقد مفهوم الواقع وتداخله مع الخيال، فهو منسوج منه ومشتمل عليه. وانطلاقاً من إدراكه لقصور المعارف المجزأة عن معالجة المشكلات الكبرى، ورفضه النقدي لأساليب التفكير الأحادية والاختزالية، خاض صاحب «التفكير الشامل» رحلة معقدة عبر حقول علمية ومعرفية شتى لاستخلاص مبادئ تلائم تعقيد الواقع الذي يزخر بالتعددية، والتباين والخيال وعدم اليقين والغموض. وتتداخل فيه أبعاد الحقيقي والمطلق والوهمي في آن واحد.
تكمن قوة هذه المقاربة للواقع في قابليتها للتوظيف في مجالات ربما لم تخطر ببال إدغار موران، الذي تميز بعين ثاقبة تقتنص التناقضات؛ عين انغمست في الواقع حيناً من دون أن يفقدها هذا الانغماس القدرة على سبر أغواره، والتقاط خيوط الخيال المنسوجة في قماشته، بما تحتويه من أحلام يقظة، واستيهامات، وخيالات وهواجس. واعتمدت حيناً آخر نظرة عين الطائر، المحلقة فوق العالم كي تتفحصه من علٍ، وتراه في شموليته، وتستخلص رحيقه، من دون إغفال تعقيده.
لقد رأى صاحب «مغامرة المنهج» أن واقعنا البشري ينتج أساطير وآلهة وأيديولوجيات نضفي عليها واقعاً أسمى من واقعنا. وأن كل شيء في الوجود يتحول ويمضي ويتدفق ويزول. وآمن بأن واقعنا هش، ومقدر له أن يختفي، ولكنه أكثر قيمة؛ لأنه زائل. فأثمن ما فيه هو الأكثر هشاشة: الجمال، والخير، والحب.
هذا بخلاف أن الفوضى جزء لا يتجزأ من الكون؛ فالأخير «حوار دائم، ذو أثر رجعي، وتكراري بين النظام والفوضى والتنظيم. والمصادفة، ذلك المجهول، حاضرة في كل مكان». وإذا استحضرنا جوهر القانون الثاني للديناميكا الحرارية: «النظام يكلف طاقة، أما الفوضى فتنشأ من تلقاء نفسها»، يسعنا قول إن الفوضى هي الأساس أو الاحتمال الأكثر تجذراً في الطبيعة. وإن كان اليونانيون قد اعتبروا أن الفوضى أبو الكون، فإن موران لا يعتبرها اضطراباً، فهي «ما يحمل في طياته، بشكل مبهم، إمكانية النظام واختلال النظام والتنظيم». فالكون عبارة عن قوة خلق هائلة، وقوة تدمير هائلة في الوقت عينه.
وفي سياق متصل، يشَّبه موران الحياة بحيوان «الكاتوبليبا» الخرافي الذي يقتات على نفسه؛ فصراعنا ضد الموت مميت بدوره، إذ يستلزم قتل كائنات حيَّة أخرى من أجل التغذي عليها. أما عن معنى الحياة، فهو – وفقاً لرؤيته – مجرد أمنية ملحة، وإن وُجِد للحياة معنى فهو مختبئ في أعماق الجنون. ويكمن في غايتها: «أن نعيش من أجل العيش، وهي غاية لا يمكن العثور على معناها».
هذا «العيش من أجل العيش» لا يتحقق إلَّا بإدراكنا الطابع المدهش للحياة؛ فهي وإن اتسمت في بعض جوانبها بالقسوة والترويع، تظل في جوهرها شِّعراً خالصاً. ويمكن استجلاء هذه الفكرة بالعودة إلى كتاب موران «دروس قرن من الحياة» (دار صفحة 7، ترجمة: خليد كدري)، حيث يفصِّل رؤيته لـ»فن العيش»، وتقديره لـ»شعر الحياة»، الذي يتجلى في حالة النشوة التي تغمرنا حين نقع في الحب، أو نقف أمام منحوتة مبهرة، أو نستمع إلى سيمفونية استثنائية. ففن العيش عند موران يعني، ضمن ما يعني، ضخ الحيوية والجمال في أيامنا لنستمتع بلحظاتنا الشِّعرية، وبمسرات الحياة الصغيرة ونشوات التاريخ على حد سواء. فالحالة الشِّعرية، في منظوره، هي تلك الانفعالات التي تتملكنا أمام كل ما هو جميل أو محبوب، لا في رحاب الفن فحسب، بل في العالم وفي تفاصيل تجاربنا ولقاءاتنا اليومية.
وهكذا، أدرج موران كل ما ينتمي إلى العيش المكثَّف والمبدع تحت مظلة «الشِّعر»، الذي اتسع مفهومه لديه ليفيض عن التصنيفات الضيقة، ويشمل كل ما يمنحنا النشوة والبهجة. يتساءل موران: لِمَ الشعر وليس السعادة؟ ليجيب بأن اللفظين يحيل أحدهما إلى الآخر؛ فالحالة الشعرية تمنحنا شعوراً بالسعادة، وتكمن في أساس كل سعادة، إذ تشكِّل جوهر كل المسرات، عابرة كانت أو دائمة. تماماً كما تنطوي السعادة في ذاتها على سمة شِّعرية أصيلة.
إن إدغار موران أحد المفكرين الذين نرى ذواتنا في مرايا فكرهم، ونعثر على مشاعرنا وأفكارنا مطوية بعناية بين ثنايا كتاباتهم؛ لا سيما تلك الهواجس والأفكار المبهمة التي عجزنا عن صياغتها في إطار ملموس، أو تلك التي تنكرنا لها لعدم انسجامها مع رؤية تبسيطية للعالم، تواطأنا على تبنيها، تكاسلاً عن الاعتراف بنسخة أكثر تركيباً؛ لأنها وإن كانت أكثر حقيقية، تورثنا شعوراً بالغاً بالانزعاج؛ حيث تضعنا في مواجهة واقع عصي على الإدراك والتأطير، مما يعيدنا إلى وضعية «الضفدع في قاع البئر».
فهل نحن حقاً كذاك الضفدع؟ إجابتي هي النفي، لكن ليس بفضل تقدم علم الفلك فحسب، بل لتمتعنا بنعمة الخيال الذي أثمر الموسيقى والفن والأدب، ولأننا نحتضن الدهشة والفضول والتعطش لمعرفة المجهول، دون أن تثنينا العوائق أو تحبطنا المشاق. فالمخيلة، وما ينبثق عنها من فنون ترتقي بواقعنا إلى ما يتعداه، وتعيننا على استيعابه عبر صور ومجازات وحدوس وأعمال إبداعية تمثل ذُرَى العقل البشري. ولا ينفصل هذا عن العلم؛ فلطالما كانت الإنجازات العلمية ـ وستبقى – ثماراً للمخيلة، ووليدة عقول أبت أن تعترف بالحدود أو القيود.