لندن- “القدس العربي”: تساءل المعلق في صحيفة “واشنطن بوست” ماكس بوت عن خطاب الرئيس دونالد ترامب المتقلب وتراجع مواقفه من إيران وأوكرانيا، كما بدا في تصريحاته عن طهران في قمة أنقرة الأسبوع الماضي، وتعاطفه البادي مع كييف في اجتماع الناتو نفسه. وأضاف أن ترامب ليس معروفا عنه التماسك والوضوح في تصريحاته، إلا أن ما بدر منه في تلك القمة يصيب العقل بالدوار.
وبالنسبة لتراجع موقفه حول إيران من المديح إلى العداء، فقد كان واضحا خلال الشهر الماضي، حيث أشاد، قبل توقيع مذكرة تفاهم تقدم لإيران مليارات الدولارات من المنافع الاقتصادية مقابل إعادة فتح مضيق هرمز، كثيرا بقادة إيران.
وقال: “كان التعامل معهم لطيفا”، مضيفا أنهم “أقوياء” و”أذكياء” و”غير متطرفين” و”يتطلعون إلى مساعدة بلادهم”. وقد تغيرت هذه النبرة عقب هجمات إيرانية على سفن في المضيق، ووصف ترامب قادة إيران بأنهم “حثالة” و”مرضى” و”كاذبون” و”أشخاص شرسون وعنيفون”، وقال إن وقف إطلاق النار “انتهى”. وأمر بشن ضربات عسكرية انتقامية، وألغى الإعفاء من العقوبات الذي كانت وزارة الخزانة قد منحته لإيران لبيع نفطها.
أما فيما يتعلق بأوكرانيا، فقد كان تحوله في الاتجاه المعاكس: من العداء إلى التعاطف.
فقبل أكثر من عام، عقد ترامب ونائبه جيه دي فانس اجتماعا صداميا في المكتب البيضاوي مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، أسفر عن تعليق مؤقت للمساعدات العسكرية الأمريكية. وفي المقابل، عقد ترامب وزيلينسكي الأسبوع الماضي اجتماعا وديا في أنقرة. وأشاد ترامب بالرئيس الأوكراني، حيث قال للصحافيين: “لقد قام بعمل رائع وكان فعالا جدا”، بل وأعلن عن استعداده للموافقة على طلب قديم يسمح لكييف بتصنيع صواريخ باتريوت للدفاع الجوي بترخيص من الولايات المتحدة.
تراجع ترامب عن مواقفه مرحب به، فهو محق في وصفه للنظام الإيراني المتشدد بالوحشي، وأن زيلينسكي قائد فذ، لكن من الصعب فهم مغزى هذه التحولات، إذ من الممكن جدا أن يعود ترامب إلى مواقفه السابقة غدا
ويعلق بوت أن تراجع ترامب عن مواقفه مرحب به، فهو محق في وصفه للنظام الإيراني المتشدد بالوحشي، وأن زيلينسكي قائد فذ، لكن من الصعب فهم مغزى هذه التحولات، إذ من الممكن جدا أن يعود ترامب إلى مواقفه السابقة غدا. وربما يعتقد ترامب أن إبقاء القادة الآخرين في حيرة أمر جيد، لكن خلق حالة من عدم اليقين الشديد يقوض الاستقرار العالمي ويجعل من الصعب على الولايات المتحدة ردع الخصوم وطمأنة الحلفاء.
وما يهم أكثر من أقوال ترامب هو أفعاله، ولكن في حالة كل من إيران وأوكرانيا، لا تزال سياساته غامضة، مما يشير إلى أنه، على الرغم من صورته المفضلة كقائد حاسم، يجد صعوبة في اتخاذ القرار.
وما يحير أكثر هو أن ترامب مصر على استمرار المحادثات مع إيران، رغم انتهاء وقف إطلاق النار. وما هو واضح أنه لا يرغب في استئناف حرب شاملة مع إيران قبيل انتخابات التجديد النصفي، فإذا تصاعد الصراع، فقد تكون العواقب الاقتصادية وخيمة، نظرا لأن مخزون النفط الاستراتيجي الأمريكي في أدنى مستوياته منذ عام 1983.
وفي الوقت الذي لا يرغب فيه النظام الإيراني في التعرض للقصف، فإنه مستعد للمخاطرة للحفاظ على سيطرته على مضيق هرمز، الذي يعد سلاحا اقتصاديا فتاكا.
ويعتقد بوت أن النتيجة البارزة من تصرفات ترامب هي سعيه إلى صراع محدود يتأرجح بين فترات من صنع السلام والقتال، دون تحقيق هدف ترامب المعلن بالقضاء على البرنامج النووي الإيراني.
وبعبارة أخرى، فالرئيس الذي قال: “لن أبدأ حربا، سأوقف كل الحروب”، ربما يكون قد أشعل حربا أخرى “لا نهاية لها”.
وعليه، فإن استمرار الصراع مع إيران له عواقب وخيمة على أوكرانيا، لأنه يعني أن الولايات المتحدة وحلفاءها في الشرق الأوسط سيستمرون في استنزاف مخزونهم الشحيح من الصواريخ، بما في ذلك تلك المستخدمة للدفاع الجوي.
ومن جانب آخر، يعتبر وعد ترامب بمنح أوكرانيا ترخيصا لبناء صواريخ باتريوت الاعتراضية الخاصة بها موضع ترحيب، ولكنه لن يقدم إغاثة فورية للمدن الأوكرانية التي تتعرض لهجمات إرهابية بالصواريخ الروسية.
لا تملك الولايات المتحدة خيارات جيدة بسبب خطر الرد الإيراني على الملاحة في مضيق هرمز والبنية التحتية النفطية حول الخليج العربي
فقد منحت ألمانيا ترخيصا أمريكيا لتصنيع صواريخ باتريوت في عام 2022، ولن تنتج أولى صواريخها قبل عام 2027. ولا تستطيع أوكرانيا تحمل الانتظار لسنوات لإنتاج صواريخ باتريوت، أو حتى نسختها المحلية الأرخص سعرا، المعروفة باسم “فريا”. ويقول بوت إن ترامب لو كان جادا في مساعدة أوكرانيا، فسيلجأ إلى مخزون صواريخ باتريوت الأمريكي المستنفد، ويحث حلفاء أمريكا على أن يحذوا حذوه. ولاستجاب إلى طلب أوكراني آخر طال انتظاره بتزويد كييف بصواريخ توماهوك كروز.
وقال بوت إن أوكرانيا تحقق نجاحا ملحوظا في استهداف مصافي النفط وناقلات النفط الروسية بطائراتها المسيرة. وقد أدى ذلك إلى أزمة وقود أثرت على نحو 50 مليون روسي، واستنزفت موارد الكرملين الحربية. إلا أن الطائرات المسيرة تحمل رؤوسا حربية صغيرة مقارنة بصواريخ كروز، لذا فهي لا تلحق أضرارا جسيمة، ولا سيما بالمواقع المحصنة. ويمكن لحملة أوكرانيا من “الضربات العميقة” أن تصبح أكثر فعالية، وأن تعيق إنتاج الصواريخ الروسية بشكل خطير، إذا امتلكت أوكرانيا المزيد من الصواريخ بعيدة المدى لتكمل صواريخ كروز فلامنغو الخاصة بها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى صواريخ توماهوك، انطلاقا من مبدأ أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم.
أما فيما يتعلق بإيران، فلا تملك الولايات المتحدة خيارات جيدة بسبب خطر الرد الإيراني على الملاحة في مضيق هرمز والبنية التحتية النفطية حول الخليج العربي. لكن الولايات المتحدة لديها خيار للضغط على روسيا، حليف إيران، وذلك عبر تزويد أوكرانيا بمزيد من صواريخ باتريوت وتوماهوك، وفرض عقوبات ثانوية على الشركات الأجنبية التي تشتري النفط الروسي، ودعم الجهود الرامية إلى تحويل 300 مليار دولار من الأموال الروسية المجمدة إلى كييف. ومن شأن هذه الإجراءات أن تلفت انتباه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وقد تدفعه إلى عقد السلام.
وفي النهاية، يحتاج ترامب إلى إثبات أنه قادر على ترجمة أقواله إلى أفعال، وإلا فإن مصداقية الولايات المتحدة، المتدنية أصلا، ستستمر في التدهور.