نواكشوط – «القدس العربي»: في وقت تدخل فيه منطقة الصحراء الغربية مرحلة من التوتر والغموض، وفيما بدأت بعثة الأمم المتحدة «مينورسو»، بقرار مغربي، طي أمتعتها وبدء سحب عناصرها ومعداتها، وما قد يترتب على ذلك من غياب للرقابة الدولية عن منطقة شديدة الحساسية، فقد أجرى وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، في عطلة الأسبوع، زيارة خاطفة وغير معلنة إلى نواكشوط، التقى خلالها الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، في تحرك دبلوماسي أثار تساؤلات بشأن ترتيبات مرحلة ما بعد البعثة الأممية، واحتمالات انتقال التوتر إلى الحدود الموريتانية.
وجاءت الزيارة على خلفية تطورات أممية وصفت بأنها غير مسبوقة منذ إنشاء «مينورسو» عام 1991، إذ تحدثت معطيات متداولة عن إخفاق مجلس الأمن في تمديد ولايتها يوم 31 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بعد استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع قرار أمريكي حظي بتأييد 11 عضوا، وعدم حصول مشروع روسي منافس على الأصوات اللازمة لإقراره.
ووفقا لهذه المعطيات، بدأت الأمم المتحدة مطلع تشرين الثاني/نوفمبر إجراءات سحب أفراد البعثة ومعداتها، بما ينذر بإنهاء وجود آلية دولية كانت تضطلع بمراقبة وقف إطلاق النار، ويثير مخاوف من تحول الفراغ الرقابي إلى عامل إضافي في التصعيد العسكري، خصوصا على امتداد الشريط الحدودي مع موريتانيا.
الحياد الموريتاني أمام اختبار جديد ومحرج
وفي غياب إعلان رسمي عن مضمون زيارة بوريطة، تتقاطع القراءات حول احتمالات التنسيق الأمني بشأن الحدود ومعبر الكركرات، والتشاور حول ترتيبات تفاوضية جديدة، والبحث عن ضمانات تمنع انتقال التوتر إلى الأراضي الموريتانية.
وتباينت ردود الفعل على هذه التطورات، إذ رحبت الرباط بما اعتبرته تحولا يخدم موقفها في النزاع، بينما أعربت الجزائر عن أسفها، وأبدت جبهة البوليساريو قلقها من حالة الانسداد، وسط دعوات أممية إلى ضبط النفس وتجنب العودة إلى المواجهات.
واكتسبت زيارة بوريطة أهمية إضافية بسبب التكتم الذي أحاط بها، إذ استمرت ساعات قليلة قبل مغادرته مطار نواكشوط الدولي على متن طائرة خاصة، دون صدور بيان رسمي من الرئاسة الموريتانية أو وزارتي الخارجية في البلدين بشأن مضمون المحادثات ونتائجها.
ونشرت وسائل إعلام موريتانية خاصة صورة تجمع بوريطة بالغزواني، بينما نقل موقع «گود» المغربي عن مصادر قريبة من الخارجية الموريتانية نفيها حصول زيارة سرية، مع ترجيح ارتباط أي زيارة من هذا النوع بنقل رسالة من العاهل المغربي إلى الرئيس الموريتاني.
وتزامنت التطورات مع تحذيرات موريتانية للمواطنين من الاقتراب من المناطق الحدودية الملتبسة، وأنباء عن توقف حركة الشاحنات عبر معبر الكركرات ليلة الخميس إلى الجمعة، دون توضيح رسمي لأسباب التوقف، وهو معبر يمثل شريانا رئيسيا للتجارة بين المغرب وموريتانيا وأسواق غرب إفريقيا.
ويرى الإعلامي المغربي البارز توفيق بوعشرين، الذي خصص بثا مباشرا لهذه القضية، أن زيارة بوريطة التي وصفها بأنها جاءت «بلا عنوان ولا بيان»، تعكس حساسية المرحلة التي دخلها النزاع بعد التطورات المتعلقة ببعثة «مينورسو»، وأن هدفها شرح الموقف المغربي والاستماع إلى تقديرات القيادة الموريتانية بشأن المستجدات.
ووضع بوعشرين التحرك في إطار حرص المغرب على «تأمين ظهره الجنوبي»، مؤكدا أن ملف الصحراء لا يدار داخل مجلس الأمن وحده، وإنما تحكمه أيضا المعطيات الميدانية ومواقف الدول المجاورة وحسابات التوازن الإقليمي.
ولفت بوعشرين إلى أن الأنظار تتجه نحو الخيارات المقبلة لجبهة البوليساريو، معتبرا، في تقدير يعكس قراءته لعلاقتها بالجزائر، أن «99 في المئة من قرارها بيد الجزائر»، ومتسائلا عما إذا كانت ستختار المهادنة والعودة إلى المفاوضات المباشرة، وعن مسارات جديدة قد تنفتح للوساطة.
وربط بوعشرين هذه الاحتمالات بالمواقف الدولية المنتظرة، مشيرا إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يعلق بعد على الفيتو الروسي، ومترقبا اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي تحدث عن انعقاده الجمعة المقبل، حيث ينتظر أن تشرح موسكو أسباب اعتراضها على المشروع الأمريكي، وأن يعرض المغرب وأطراف أخرى مواقفهم.
أسئلة عن السيادة وسيناريو 1975
وفي قراءة أكثر انتقادا للتحرك المغربي، طرحت منصة «أصداء السياسة» الموريتانية المستقلة سلسلة تساؤلات بشأن الأهداف غير المعلنة للزيارة، متسائلة عما إذا كان بوريطة جاء للاعتذار عن أرواح المنقبين الموريتانيين الذين نسبت المنصة مقتلهم إلى ضربات بطائرات مسيرة مغربية، أو لتقديم تفسير لتصريحات ومواقف صدرت عن بعض النخب والمؤثرين والدعاة المغاربة بشأن سيادة موريتانيا واستقلالها الوطني.
وتساءلت المنصة كذلك عما إذا كانت الزيارة تستهدف التحقق من استمرار الحياد الإيجابي الموريتاني، قبل أن ترجح أن يكون هدفها الأساسي التشاور مع نواكشوط حول ترتيبات مرحلة ما بعد «مينورسو».
واستحضرت المنصة تجربة عام 1975، معتبرة أن المغرب يتحرك كلما انسحبت قوة أو سلطة من الصحراء الغربية، كما حدث عند الانسحاب الإسباني من الإقليم، متسائلة عن أسباب عودة الاهتمام المغربي بالموقف الموريتاني في مثل هذه المنعطفات.
وحذرت المنصة من استنساخ ترتيبات الماضي، مستحضرة اتفاقية مدريد التي وصفتها بـ»المشؤومة»، ومؤكدة أن الظروف الحالية تختلف عن ظروف عام 1975، سواء من حيث وضع جبهة البوليساريو أو حضور الجزائر بوصفها حليفا رئيسيا للجبهة، معتبرة أن أي تفاهمات أو تحالفات، سرية كانت أم معلنة، لن تمر دون تداعيات إقليمية.
قراءة جزائرية: محاولة لإغلاق الحدود أمام البوليساريو
وفي قراءة جزائرية مختلفة لأهداف الزيارة، اعتبرت منصة «الجريان باتريوت» أن انتقال بوريطة إلى نواكشوط يندرج ضمن مسعى مغربي للحصول على موافقة موريتانية لإغلاق الحدود أمام جبهة البوليساريو، ومنعها من استخدام الأراضي الموريتانية في تحركاتها.
وترى المنصة أن نواكشوط تواجه معضلة استراتيجية حساسة، بالنظر إلى الوضع الجغرافي الذي أفرزه الجدار الدفاعي المغربي، والذي يقسم الصحراء الغربية فعليا، ويجعل المناطق الواقعة شرقه، التي تسميها البوليساريو «الأراضي المحررة»، في وضع جغرافي معقد قد يخدم المصالح المغربية.
وبحسب هذه القراءة، فإن تشديد القيود على الحدود الموريتانية قد يضيق هامش تحرك البوليساريو، بينما قد يؤدي رفض المطالب المغربية المفترضة إلى تعقيد العلاقات مع الرباط.
بين الحرب والتفاوض
ومن جانبه، ذكر الصحافي والمدون الموريتاني حبيب الله أحمد، أن الزيارات الدبلوماسية الاستثنائية تعكس عادة تطورات تستدعي تشاورا عاجلا، خصوصا عندما تجري بعيدا عن الأضواء وفي ظرف إقليمي حساس.
وحذر ولد أحمد من أن انتهاء مهمة المراقبة الأممية قد يفتح الباب أمام تصعيد عسكري جديد تمتد تداعياته إلى موريتانيا والجزائر، لكنه رجح إمكان إطلاق مسار تفاوضي برعاية دولية، معتبرا أن علاقات نواكشوط المتوازنة مع الأطراف تؤهلها للاضطلاع بدور مهم في أي تسوية مقبلة.
دبلوماسية الرمال المتحركة
أما الإعلامي والخبير في الشؤون المغاربية محمد الأمين خطاري، فتناول التحولات من زاوية الموقع الاستراتيجي لموريتانيا، في مقال نشره موقع «أتالايار» الإسباني بعنوان «موريتانيا ودبلوماسية الرمال المتحركة وسط ألغام الصحراء».
وأوضح خطاري أن المغرب يسعى إلى تعزيز موقعه في مشهد متغير، بينما تحرص نواكشوط على ألا تجري إعادة ترتيب التوازنات على حساب سيادتها واستقرارها وعلاقاتها بجيرانها.
وقال إن السياسة الموريتانية تشبه الكثبان الرملية التي تتحرك تحت تأثير الرياح دون أن تفقد طبيعتها، معتبرا أن التكيف مع المتغيرات لا يعني التخلي عن الثوابت، وفي مقدمتها الحياد الإيجابي.
وكان الناطق باسم الحكومة الموريتانية، محمد ولد ببانه، قد جدد الخميس تمسك بلاده بهذا الموقف، مؤكدا أن موريتانيا تريد أن تكون «جزءا من الحل، لا جزءا من المشكلة».
وبينما تسعى الرباط إلى تثبيت موقعها في الترتيبات المقبلة للنزاع، تواجه نواكشوط اختبارا دقيقا لقدرتها على حماية حدودها ومصالحها دون التخلي عن حيادها الإيجابي، في منطقة قد يصبح فيها منع التصعيد أكثر إلحاحا من إدارة الخلافات الدبلوماسية.