واشنطن تلوّح بعقوبات على معرقلي التسوية في ليبيا وسط تحركات سياسية في روما وتباين بشأن جدواها


طرابلس – «القدس العربي»: أثار تلويح الولايات المتحدة بإمكانية فرض عقوبات دولية على الأطراف المعرقلة للعملية السياسية في ليبيا موجة من المواقف المتباينة بشأن جدوى اللجوء إلى الضغوط الدولية لإنهاء الانقسام، في وقت تتواصل فيه التحركات الدبلوماسية الرامية إلى توحيد المؤسسات والوصول إلى الانتخابات، وسط خلافات ليبية بشأن مخرجات لجنة الحوار المصغر «4+4» وآليات تنفيذها.
وجاء التحذير الأمريكي خلال جلسة مجلس الأمن الدولي المنعقدة في 14 تشرين الأول/أكتوبر الجاري، إذ أكدت ممثلة الولايات المتحدة، السفيرة جينيفر لوسيتا، أن الأفراد أو الكيانات التي تعرقل أو تقوّض إنجاز العملية الانتقالية السياسية قد تخضع لعقوبات مجلس الأمن والمساءلة عن أفعالها، في إشارة إلى التدابير الدولية المتاحة لمواجهة معرقلي التسوية.
ورحبت واشنطن خلال الجلسة باتفاق لجنة «4+4» الموقع في طرابلس في 30 آب/أغسطس الماضي، داعية الأطراف الليبية إلى الإسراع في تنفيذ التفاهمات المتعلقة بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة وتمهيد الطريق للانتخابات. كما انتقدت رفض المجلس الأعلى للدولة الاتفاق، معتبرة أن هذه الخطوة تعرقل التقدم السياسي، وطالبته بالوفاء بالتزاماته.
ولم يتضمن الموقف الأمريكي إعلان فرض عقوبات جديدة أو تحديد أسماء مستهدفة، وإنما جاء في إطار التحذير من إمكانية تفعيل الإجراءات الدولية بحق من يثبت تورطهم في تقويض العملية السياسية. وبالتزامن مع تصاعد الحديث عن العقوبات، عرض وزير الدولة للاتصال والشؤون السياسية بحكومة الوحدة الوطنية، وليد اللافي، رؤية الحكومة بشأن إنهاء الانقسام ودفع العملية السياسية نحو الانتخابات، خلال جلسة حوارية نظمها المجلس الأطلسي ومركز الدراسات الأمريكية، الجمعة، في العاصمة الإيطالية روما. وشارك في الجلسة مسؤولون أمريكيون وإيطاليون وخبراء دوليون، من بينهم نائب المدير العام للشؤون السياسية والأمن الدولي بوزارة الخارجية الإيطالية ماوريتسيو غريغانتي، فيما أدار الحوار مدير مبادرة شمال أفريقيا بالمجلس الأطلسي كريم ميزران. وحسب حكومة الوحدة، تناولت المناقشات خارطة الطريق الأممية والجهود الأمريكية لدعم التسوية، إلى جانب الترتيبات المالية والمؤسسية والأمنية اللازمة لتوحيد المؤسسات، ومعالجة الإنفاق الموازي وتداعيات الانقسام.
كما ركزت الجلسة على ضرورة تحديد سقف زمني للمراحل الانتقالية، وتوفير أساس دستوري موثوق لإجراء الانتخابات، وضمان تنسيق الجهود الدولية بما يحافظ على قيادة الليبيين للعملية السياسية.
وتأتي هذه التحركات في ظل مساعٍ دولية للانتقال من التفاهمات السياسية إلى إجراءات تنفيذية، بينما لا تزال الخلافات قائمة حول مدى قبول الأطراف الليبية بالترتيبات المطروحة، والضمانات التي يمكن أن تكفل تطبيقها.
وفي ردود الفعل على التحذيرات الأمريكية، رأى عضو الحوار المهيكل أشرف بودوارة، أن الرسالة الأمريكية والدولية تستهدف نقل ليبيا من مرحلة إدارة الأزمة إلى تنفيذ خطوات ملموسة باتجاه الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.
وأوضح بودوارة أن الأطراف التي يثبت تعمدها تقويض المسار السياسي أو عرقلة الانتخابات أو تهديد الاستقرار والمنشآت النفطية، قد تواجه إجراءات دولية وفق القرارات والمعايير المعمول بها، مشددًا على ضرورة تطبيق العقوبات بصورة متساوية على جميع الأطراف، بعيدًا عن الانتقائية.
من جانبه، اعتبر رئيس حزب صوت الشعب الليبي فتحي الشبلي، أن التلويح الأمريكي بالعقوبات ليس مجرد تصريح دبلوماسي عابر، وإنما يعكس رغبة واشنطن في دفع الأطراف الليبية نحو ترتيبات سياسية جديدة تنهي الانقسام وتفتح الطريق أمام الانتخابات. غير أن الشبلي تساءل عما إذا كانت العقوبات ستسهم فعليًا في حل الأزمة، أم ستتحول إلى وسيلة إضافية لإدارة الصراع وفق مصالح القوى الدولية.
وأوضح أن الخيارات المحتملة تشمل تجميد الأصول المالية وفرض قيود على السفر واستهداف المصالح الاقتصادية لأفراد أو كيانات متهمة بعرقلة التسوية، لافتًا إلى أن الانتقال من التهديد إلى التنفيذ سيظل مرتبطًا بحسابات واشنطن ومدى التوافق الدولي.
وأكد أن العقوبات وحدها لا يمكن أن تنتج تسوية مستدامة دون معالجة جذور الأزمة المرتبطة بالصراع على السلطة والثروة واستمرار المؤسسات الانتقالية.
وفي السياق ذاته، شكك عميد مدرسة الدراسات الاستراتيجية والدولية بالأكاديمية الليبية للدراسات العليا، عارف التير، في قدرة العقوبات على إنهاء الانقسام، داعيًا إلى معالجة اعتراضات الأطراف الرافضة لاتفاق «4+4»، وتقديم ضمانات سياسية وقانونية لتنفيذه.
وتساءل التير عن الأساس القانوني لملاحقة شخصيات بتهمة عرقلة العملية السياسية، ومدى قدرة القيود الدولية على تغيير مواقفها، معتبرًا أن الحوار والتفاهمات السياسية يمثلان مسارًا ضروريًا لمعالجة الخلافات القائمة.
وتتزامن هذه المواقف مع استمرار الجدل بشأن اتفاق لجنة «4+4»، الذي يتضمن تفاهمات حول تعديل الإطار الانتخابي وإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، تمهيدًا لإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال عامين.
ورغم الترحيب الدولي بالاتفاق، رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجاته في جلسة عقدها مطلع أكتوبر، معتبرًا أنها تفتقر إلى التوافق الوطني والمرجعية الدستورية والقانونية اللازمة.
كما شهدت جلسة مجلس الأمن تباينًا في مواقف الدول بشأن آليات المضي بالعملية السياسية، إذ دعمت واشنطن تنفيذ الاتفاق، بينما شددت روسيا والصين على أهمية تجنب الإقصاء وتوسيع التوافق بين الأطراف الليبية.
وكانت المبعوثة الأممية هانا تيتيه، قد دعت خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، إلى محاسبة معرقلي العملية السياسية، محذرة من هشاشة الأوضاع الاقتصادية والأمنية، ومؤكدة ضرورة الإسراع في تنفيذ الالتزامات السياسية.
وبين التحذيرات من العقوبات والتحركات الدبلوماسية في روما، يبقى التحدي أمام المسار السياسي الليبي مرتبطًا بمدى قدرة الأطراف على تجاوز خلافاتها بشأن الاتفاقات المطروحة، وتحويل الدعم الدولي إلى خطوات عملية تنهي الانقسام المؤسسي وتؤسس لانتخابات تنهي المراحل الانتقالية المتعاقبة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *