متابعة/المدى
تواجه بغداد ضغوطاً اقتصادية متزايدة مع تشديد الولايات المتحدة عقوباتها على إيران، في وقت يرتبط فيه البلدان بعلاقات تجارية ومالية واسعة تتجاوز قيمتها 10 مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن اعتماد العراق على الغاز الإيراني لتشغيل محطات الكهرباء، ما يضع الحكومة أمام معادلة صعبة بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية مع طهران وتجنب انتقال العقوبات إلى مؤسسات ومصارف وشركات عراقية.
وتتزامن هذه الضغوط مع تحديات داخلية تتعلق بإعداد موازنة 2027 وتأمين الرواتب والإيرادات، وسط دعوات سياسية إلى البحث عن آليات تمويل بديلة، فيما يشدد مختصون على أن الأزمة تتطلب إصلاحاً أوسع للإيرادات والنظام المصرفي بدلاً من الاكتفاء بمعالجات مؤقتة.
العراق في دائرة العقوبات
ويقول رئيس مركز التفكير السياسي إحسان الشمري، في حديث تابعته (المدى)، إن حجم التبادل التجاري بين العراق وإيران يتراوح بين 10 و15 مليار دولار، إلى جانب الاستيراد اليومي للغاز، فيما لا تزال تداعيات العقوبات الأمريكية الجديدة على هذه العلاقة غير واضحة.
ويضيف الشمري أن الإجراءات المتعلقة بقطع التمويل والوصول إلى الدولار تجعل العراق من الدول الأقرب للتأثر بها، إلى جانب الصين وروسيا وتركيا والهند.
ويشير إلى أن العراق سبق أن واجه عقوبات أمريكية طالت مصارف وشخصيات وشركات مرتبطة بملفات التحويلات المالية والالتفاف على العقوبات، معتبراً أن موقع العراق الجغرافي وتشابكه الاقتصادي مع إيران يزيدان حساسية موقفه.
ويرى الشمري أن وجود مراكز اقتصادية ومالية ومصرفية إيرانية داخل العراق قد يضع الحكومة أمام حرج إضافي، خصوصاً إذا طالبت واشنطن بإجراءات أكثر تشدداً تجاهها، محذراً من أن صعوبة ضبط النفوذ الاقتصادي الإيراني قد تزيد احتمالات تعرض جهات عراقية لعقوبات جديدة.
وكان وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت قد أعلن، الاثنين الماضي، إطلاق حملة عقوبات اقتصادية واسعة ضد إيران والجهات التي تدعمها، فيما شملت الإجراءات عشرات الكيانات والأشخاص والسفن المرتبطة بقطاعات النفط والطاقة النووية والصواريخ.
اعتماد مزدوج
وفي السياق ذاته، يقول الباحث نيل كويليام، المشارك في مركز تشاتام هاوس للأبحاث، إن الضغوط الأمريكية رفعت تكاليف التعاملات المالية مع إيران ومخاطرها ودفعت المؤسسات العراقية إلى تحسين مستويات الامتثال، لكنها لم تنه العلاقات الاقتصادية بين البلدين.
ويرى كويليام أن العراق يمتلك قدرة أقل من دول مثل الصين وتركيا على تحمل الضغوط المالية، بسبب حجم علاقته التجارية مع إيران واعتماده، في الوقت نفسه، على استمرار الوصول إلى النظام المالي الذي تقوده الولايات المتحدة.
وتشير الأرقام الواردة إلى أن تجارة العراق مع إيران تجاوزت 10 مليارات دولار خلال 2025، فيما يدفع العراق ما بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز الطبيعي الإيراني المستخدم في توليد الكهرباء.
أما توم كيتينغ، مدير مركز التمويل والأمن في معهد رويال يونايتد سيرفيسز البريطاني، فيرى أن تشديد القيود على ارتباط إيران بالنظام المالي الدولي سيضع القطاع المصرفي والمالي غير الرسمي في العراق أمام تحديات إضافية.
ويقترح كيتينغ أن تعتمد واشنطن، إلى جانب إجراءاتها الرقابية، سياسة تقوم على تقديم المساعدة الفنية للبنك المركزي والحكومة العراقية لتقوية النظام المالي وتحسين قدرته على مواجهة عمليات الالتفاف على العقوبات.
موازنة تحت الضغط
ولا تقف التحديات عند حدود العقوبات، إذ يؤكد النائب ياسر وتوت، في حديث تابعته (المدى)، أن موازنة 2027 قد تكون الأكثر تعقيداً منذ عام 2003، في ظل تسعة تحديات رئيسية تواجه الدولة.
ويضع وتوت ملف تصدير النفط وتداعيات التوترات الإقليمية على إيرادات الخزينة في مقدمة هذه التحديات، إلى جانب الاستحقاقات المتعلقة بالعقود والخريجين والتعيينات والترفيعات ومستحقات المقاولين والمزارعين.
ويشدد على أن الرواتب تمثل «خطاً أحمر»، فيما تبقى التفاصيل النهائية للموازنة مرتبطة بما سيقرره مجلس الوزراء قبل إرسال مشروعها إلى اللجنة المالية النيابية.
بدوره، يرى المحلل السياسي عائد الهلالي، في حديث تابعته (المدى)، أن العراق سيكون من أكثر الدول تأثراً بالإجراءات الأمريكية نتيجة تشابكه الاقتصادي مع إيران في قطاعات الطاقة والتجارة والمواد الغذائية والخدمات والتعاملات المالية والمنافذ الحدودية.
ويحذر الهلالي من انتقال العقوبات من استهداف إيران إلى المؤسسات والشركات والأفراد الذين يتعاملون معها، الأمر الذي قد يدفع المصارف العراقية إلى تشديد إجراءاتها ويعقّد التحويلات المالية ويرفع كلفة الاستيراد.
النفط مقابل الإعمار
وأمام الضغوط المالية، دعا المتحدث باسم كتلة بدر النيابية حامد الموسوي إلى اعتماد آلية «النفط مقابل الإعمار» بوصفها أحد الخيارات المطروحة لتنفيذ المشاريع الاستراتيجية من دون تحميل الموازنة المزيد من الأعباء.
وقال الموسوي، في حديث تابعته (المدى)، إن العراق يمتلك موارد نفطية يمكن استثمار جزء منها في مشاريع الإعمار والبنى التحتية واستقطاب الشركات الأجنبية المتخصصة، ولا سيما في قطاعات الطاقة والخدمات.
وأكد ضرورة وضع ضوابط تضمن حقوق العراق وتحقيق أفضل مردود اقتصادي، مع الاستفادة من الشركات العالمية في نقل التكنولوجيا والخبرات وتوفير فرص العمل.
الإيرادات تحت المجهر
من جهته، يؤكد الباحث الاقتصادي ضياء المحسن وجود ضعف في مستوى الشفافية بشأن إيرادات الوزارات، داعياً وزارة المالية إلى تقديم بيانات أكثر تفصيلاً عن حجم الموارد التي تحصل عليها المؤسسات الحكومية وآليات إدارتها وإنفاقها.
ويرى المحسن أن دور وزارة المالية يجب ألا يقتصر على إدارة النفقات وتوزيع الرواتب، وإنما ينبغي أن يمتد إلى رسم سياسة اقتصادية متكاملة وتنظيم الإيرادات ووضع خطط لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد.
كما يشير إلى أن القطاع المصرفي لم يؤدِ حتى الآن الدور المطلوب في تمويل المشاريع الإنتاجية وتوسيع القروض والاستثمارات، معتبراً أن إصلاح المالية العامة يرتبط بصورة مباشرة بإصلاح النظام المصرفي.
ويشدد المحسن على ضرورة إعادة هيكلة الاقتصاد وتقليص البيروقراطية والروتين وتعزيز الرقابة ومحاربة الفساد واعتماد أنظمة مالية ورقمية تسمح بتتبع الإيرادات والنفقات بصورة أكثر دقة وشفافية.
المصدر: وكالات