هناك… في صبرا وشاتيلا


لم تكن ذاكرة موت فحسب، بل حكاية خذلان أيضا؛ خذلان الإنسان أولا، والفلسطيني ثانيا، الخذلان الذي قتل الأول والثاني، فأصبح شريكا في القتل. هناك، في صبرا وشاتيلا، حليفان مع الموت: بندقية العدو القاتلة، وفأس اليمين اللبناني، فعداوة العدو ينبغي أن لا تتحول غطاء على بقية المجزرة، ودماء الضحايا لا تميّز بين أيدي القتلة، والتاريخ لا يكتب نصف الحقيقة.
فالخيانة خيانة، والعدو عدو، وشريكه عدو، ولا عزاء لنا أن نسكت عنهما يوما ما، كيلا نخون أنفسنا، ونسقط في امتحان الوفاء لذاكرة الإنسان والحرية، ثالثهما العربي المتخاذل، حين تمتحن العروبة في دماء الأبرياء، فتسقط من أول قطرة، عروبةٌ ضاقت علينا فلم تحمِ طفلاً، ولم تنقذ أمّاً، ولم تنتشل شيخا، ولم تمنع سكينا من بلوغ عنق فلسطيني أعزل بريء.
هناك، لم تدخل دماء الفلسطينيين حسابات الأخوة العربية، ولم تكن فلسطين سوى فصلٍ صغير في كتاب التآمر العربي، فما أقساها من خطيطة ذاكراتية عنوانها الهزيمة، وما أعمقها جريمة أن يقتل أبناء المخيم مرّتين: مرّة بسكاكين القتلة، ومرّة بصمت العروبة والعرب، الصمت الذي هو الشاهد الحقيقي على الجريمة. هناك، لم يكن ارتطام الأجساد بالأرض مجرد موت، بل كان سقوطا للإنسان من أعلى إنسانيته إلى هاوية الوحشية؛ إنه المجرم الذي لا يرى البراءة حين يرفع سلاحه في وجه طفل، والذي لا يرى العمر المديد الحزين حين يقتل شيخا، والذي لا يرى أختا أو ابنة أو زوجة، حين يقتل امرأة، والذي لا يرى إنسانا حين يقتل رجلا أعزل. هناك، تبلغ الجريمة أقصى وحشيتها، الجريمة التي لا تقتل البشر وحدهم، بل تحاول قتل المعنى: معنى البراءة، ومعنى الأمان، ومعنى أن تكون للإنسان حرمة لا تُمس، وعندها يصبح القتل عدوانا أعمى على الحياة نفسها، والخيمة التي كان ينبغي أن تحمي أهلها، تصير مكانا مباحا للخوف والموت.
هناك، في صبرا وشاتيلا، لا يعود السؤال بريئا: من كان الهدف؟ بل يغدو أشد قسوة: أيُّ قلب يرى طفلا مع لعبته، ثم يختار أن يقتله؟!
هناك، في صبرا وشاتيلا، حيث كانت الوحشية تقطع آخر خيوط الرحمة في ضمائر القتلة، وقد يطوي الزمن المجزرة، وقد تختفي صور الشهود: أطرافٌ مبعثرة، أجسادٌ ممزقة، صرخاتٌ تنطفئ في منتصف الطريق إلى الموت، وقد يذبح إسرائيلي طفلا يركض خائفا من الذبح لا خلف لعبته، ولا يرتدع عنه، أو قد يحوّل جسد إنسان إلى أشلاء ثم يمضي كأن شيئا لم يكن، لكن الدم لا يفقد معنى الحرية، والضحايا لن يبقوا أرقاما على قائمة الخذلان، والقتلة لن يفلتوا من عقاب السماء.
هناك، حيث تناثرت أشلاء الرجال والنساء، وتبعثرت أجساد الأطفال الذين لم يعرفوا من الدنيا سوى بداياتها الأولى، أطفالٌ لم يمهلهم المجرمون حتى يكبروا ويسألوا: لماذا؟! رجالٌ ذبحوا قبل أن يكملوا حكاياتهم، ونساءٌ انتُزعن من أحضان الحياة، سُحبن على أثدائهن ورُمين في أتون السكاكين القاطعة، أمهاتٌ لم يعد لديهن ما يحتضنّه سوى الفراغ الملطخ برائحة الدماء، وحظ من بقيت منهن ليس أفضل وهن يفتّشن عن أبنائهن بين الركام. هناك، ليس العار في الأجساد التي سقطت، ولا في أبرياء المخيم الذين عجزوا عن الدفاع عنه، لكنه العار، كلُّ العار، في العالم الذي رأى الدم يسيل حتى نهاية الحياة.
هناك هناك… في صبرا وشاتيلا، سلامٌ على الذين رحلوا ممزقة أجسادهم، تامّة براءتهم، بلا ذنوب ولا خطايا، وعلى أمهاتٍ عانقن أبناءهنّ للمرة الأخيرة ليموتوا معا، شهداء على الجريمة، وسلامٌ على وجوه أطفال أغمضت عينيها للمرة الأخيرة قبل أن تعرف الفرق بين النوم والموت، وكأن قصص الفلسطينيين مع النوم الحزين لا تنتهي.

كاتب لبناني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *