هل يمكننا الخروج من ثقافة «البريكاريا»؟


بات مفهوم البريكاريا Precariat أساسياً في نقاشات علم الاجتماع ابتداءً من عام 2011، أي بالتزامن مع مجموعة الانتفاضات، التي انطلقت من المنطقة الناطقة بالعربية، وصولاً إلى الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا وأمريكا اللاتينية، رغم أصوله الأقدم في الأدبيات العمالية والنقابية، والأبحاث الاجتماعية عن العمل، خاصة في الفضاء الإيطالي. يعود الفضل بذلك للباحث البريطاني غاي ستاندنغ، وكتابه «البريكاريا: طبقة جديدة خطرة»، الصادر عام 2011، والذي حوّل فيه الحديث عن بريكاريا إلى نظرية اجتماعية متكاملة.
وهذه الطبقة الاجتماعية تُعرَّف بأنها «أفراد يعيشون ويعملون في ظروف دائمة من الهشاشة وعدم اليقين، ويعتمدون على أعمال مؤقتة أو متقطّعة أو غير مستقرة، من دون هوية مهنيّة مستقرة، أو حماية اجتماعية، أو حقوق عمل راسخة، أو وعي طبقي، أو ثقافة مستقلة أو مضادة عن ثقافة التيار الرئيسي». وتعريف «الطبقة» كونها أفراداً هنا شديد الأهمية السيسيولوجية، فهو يعني أنها «طبقة بذاتها»، بالمعنى الماركسي/الهيغلي، أي أنها واقعة تجريبية، ولكنها لا تمتلك كثيراً من الوعي الذاتي بوضعها الطبقي، والقدرة على التنظيم، فلم تصل لمرحلة «طبقة لذاتها»، وعدم وصولها لهذا الوعي والتنظيم، ليس بسبب الجهل وضعف الفعالية أساساً، وإنما لأسباب بنيوية، تتعلق بطبيعة عملها وحياتها، التي تمنعها من صياغة وعي انعكاسي مستقل حول وجودها الاجتماعي.

بالنسبة لستاندنغ، فالبريكاريا هي الطبقة الأساسية في عالم العمل اليوم، بعد تدمير «العقد الاجتماعي القائم على العمل»، الذي انتشر عالمياً من أمريكا وأوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أي نمط العمل المحمي بقوانين واضحة، وتدافع عنه نقابات منظمة، الذي شكّل العامل السياسي والاجتماعي الأساسي لتلك الفترة، وانبنت عليه السياسات الحكومية، والثقافة العامة، إلى حين حدوث «نزع التصنيع» في الغرب أواخر السبعينيات. ليصبح العمل بعدها مشتتاً، ليس فقط من الناحية الاقتصادية والإنتاجية، بل أيضاً من ناحية الاعتراف الاجتماعي، والثقافة اليومية. لم يعد البريكاريا يفهمون أنفسهم بوصفهم عاملين، بل أصحاب طموح، ومقتنصي فرص، وذوات متفرّدة تبحث عن «التنمية الذاتية»، وطالبي اعتراف بذواتهم وهوياتهم وثقافاتهم. وهم غالباً يشعرون بـ»الظلم» و»الصدمة» (التروما) في تجاربهم الذاتية، وليس بالاستغلال، إذ لا يبدو نظام العمل، واستغلاله، متجسداً لهم بشكل واضح، كما كان حال عمال المصانع، وبالتالي فهم لا يميلون إلى التنظيم الجماعي، بل إلى المزيد من «التنمية البشرية»، وطلب الاعتراف، وإيجاد الفرادة عن بقية أفراد الطبقة. الانتفاضات المعاصرة تشبه طبقة البريكاريا جداً، فهي مشتتة، وغير منظمة، وليس لها خطاب واضح، أو تحديد لذات سياسية. البريكاريا طبقة خطرة بأكثر من معنى، فهي منتجة للانتفاضات بشكل دوري، وأيضاً انتفاضاتها قد لا توصل إلا لمزيد من التشتت، الذي يعاد إدماجه في النظام.

التركيز على «بريكارية العمل» إن صح التعبير ليس عارضاً، فقد بات مفهوم «الهشاشة» Precarity أساسياً في النظرية السياسية وعلم الاجتماع في عصرنا، ويتجاوز نطاق دراسات العمل، إلى الحديث عن توزيع سياسي غير متكافئ للهشاشة، وقابلية الأفراد للتعرّض للفقر، والعنف، والتمييز، بناء على هوياتهم. وتلك الهشاشة ليست خاصية جوهرية في الهوية (كأن نقول «النساء أكثر هشاشة من الرجال») بل مبنية اجتماعياً وسياسياً، وهذا يظهر واضحاً في أعمال جوديت باتلر مثلاً، وهي من أهم منظري ما يسمى «يساراً» حالياً، بكل ميادينه (الاعتراف، النسوية، الكوير، الهوية، نزع الاستعمار، إلخ).
إلا أن هذا المفهوم تعرّض لانتقادات كثيرة، لا يمكن تجاهلها، أهمها، أنه مفهوم زائد عن الحاجة، وقائم على جملة مقارنة غير مقنعة تاريخياً، فالمفهوم القديم للعمال، أي البروليتاريا Proletariat يتضمّنه كاملاً، إذ يعني «من لا يملكون إلا قوة عملهم»، والبروليتاريا لم تكن دائماً طبقة عاملة صناعية منظمة نقابياً وسياسياً، وذات حقوق مستقرة، بل كانت شتاتاً مدينياً، نشأ مع الثورة الصناعية، وعمل في أقسى الظروف، ومن دون أي ضمانات أو أمان، وكان مقسّماً على أسس النوع الجنسي والعرق والمنطقة، كما لم يكن العمّال يملكون وعياً طبقياً منذ البداية، بل كانوا غارقين في الأفكار الدينية والسحرية، والأساطير الشعبية، والقومية والتمييز العرقي والجندري، ويكفي قراءة أعمال كلاسيكية، مثل «حالة الطبقة العاملة في إنكلترا» لفريدرك إنجلس، لتوضيح الشروط «البريكارية» للطبقة العامة. كما أن اعتبار ما يسمى «الثلاثين سنة المجيدة» في الغرب (الفترة الممتدة منذ عام 1945 وحتى 1975، والتي شهدت تقدّماً كبيراً في قوة النقابات العمالية)، القاعدة التي يمكن تعريف البروليتاريا على أساسها هو خطأ فادح، فهي مجرد مرحلة استثنائية، انقضت وعادت الرأسمالية بعدها إلى سيرها الاعتيادي. كما أن بؤرة تركيز المفهوم غربيّة جداً، فمتى كان عمّال الهند أو الصين مثلاً يتمتعون بالاستقرار أو الأمان أو حقوق العمل؟ وبالتالي فما الداعي لخلط كلمة Precarious (هش، غير مستقر) مع كلمة Proletariat، لإنتاج كلمة ومفهوم جديد؟

يمكن الدفاع عن أهمية مفهوم البريكاريا من زاويتين أساسيتين ومترابطتين: الأولى هي الوعي الطبقي، والثانية هي شكل الإنتاج في الرأسمالية المتأخرة. إذ من الصحيح أن الطبقة العاملة الكلاسيكية، لم تكتسب الوعي الطبقي فوراً، ولكنها كانت دائماً في سيرورة لإنتاجه

رغم هذا يمكن الدفاع عن أهمية مفهوم البريكاريا من زاويتين أساسيتين ومترابطتين: الأولى هي الوعي الطبقي، والثانية هي شكل الإنتاج في الرأسمالية المتأخرة. إذ من الصحيح أن الطبقة العاملة الكلاسيكية، لم تكتسب الوعي الطبقي فوراً، ولكنها كانت دائماً في سيرورة لإنتاجه، ويمكن في هذا السياق قراءة عمل كلاسيكي آخر مثل «نشأة الطبقة العاملة في إنكلترا» لإدوارد تومبسون، الذي أرّخ الوعي الطبقي للعمال الإنكليز من زاوية تجربتهم الذاتية، وليس من كتابات النخب، حتى لو كانت نخباً يسارية، وأظهر بوضوح التطور التدريجي لمفهوم «الطبقة» بينهم، فيما لا يمكن ملاحظة شيء كهذا بين البريكاريا المعاصرة، أو على الأقل يبدو أضعف وأقل فعالية بكثير إن وجد، إذ لا تدعم الظروف الفعلية لهذه المجموعات الحديثة نشوء مفهوم الطبقة، وإنما تشتته على الطريقة البريكارية. وهذا يدفع للتساؤل حول تلك الظروف، ما يقودنا إلى تحليل الرأسمالية المتأخرة، التي انتقلت من شراء «وقت العمل» إلى شراء «المهمة» Task، فالبروليتاري كان يبيع وقت عمل معيّن لصاحب العمل (سواء كان 12 أو 8 ساعات)، أما البريكاري فغالباً ما يبيع مهمة محددة (توصيل، رعاية، عمل في مستودع، منتجات فنية أو ثقافية، علاقات عامة، إلخ) بغض النظر عن الوقت الذي تستغرقه، وإنما المهم هو أداؤها. يؤدي هذا إلى نتائج مهمة:
أولها تفكيك مفهوم العمل/الزمن، أي أن «المهمة» لا تعترف بوقت العمل أصلاً، وتزيل الفوارق بينه وبين وقت الراحة، إذ يمكن للبريكاري أن يقضي كل يومه في أداء المهمة، وليس ساعات محددة؛ وثانيها زوال الفوارق بين الإنتاج وإعادة الإنتاج، أي أن مسائل مثل إعادة تأهيل العامل، وتدريبه، وتطوير مهاراته، بل العناية بجسده الخاص ومظهره، صارت كلها على عاتقه (بعد اضمحلال العائلة العمالية نفسها، والأطر السياسية والاقتصادية التي تدعمها) وبالتالي فكل ما يفعله في حياته صار جانباً من عمله والتسويق له؛ وثالثها، انتقال تحمّل المخاطر من رب العمل إلى العامل، فإذا لم يتم أداء المهمة، أو فقدت ضرورتها، فالمسؤولية والخسارة ستقع على مؤديها، وليس على من وظّفه؛ والرابعة اضمحلال مفهوم «المهنة»، إذ بات من الصعب على البريكاري تعريف عمله باسم واضح (مثل: عامل، نجّار، حداد، موظف، إلخ) بل غالباً يسرد سرداً طويلاً ومعقداً، ليوضح بالضبط ماذا يفعل، وكيف تختلط عوامل كثيرة في تعريف ما يفعله؛ أما الخامسة فغموض مفهوم «رب العمل»، إذ بات البريكاري يعمل بإدارة خوارزميات، كما في حالة «عمال المنصات الرقمية»، أو ضمن سلسلة متداخلة من الشركات (شركة صغيرة توظّف لحساب مجموعة أخرى من الشركات الأكبر)، أو عملاً تطوعياً يعده بفرص مستقبلية، أو حتى في عمل من المفترض أنه مموّل حكومياً، ولكن يتداخل في إدارته وسطاء ورعاة وشركاء متعددون.

هذه التحولات ليست هامشية على الإطلاق، وإنما بنيوية، تجعل تجربة البريكاري، الجسدية والاجتماعية والثقافية، تميل إلى العزلة والوحدة؛ والسعي الدائم ضمن زمن عمل لا ينتهي؛ والشعور بالذنب، لأنه يُترك في حالة يتحمّل فيها مسؤولية «فشله الشخصي»؛ والشعور بالارتياب من الآخر، ومن قوى محيطة به لا يفهمها؛ واعتبار العلاقات الاجتماعية موضوعاً للمنفعة العملية البحتة، وكل هذه الشروط، كما هو واضح، لا تدعم وجود طبقة لذاتها، وتوضح الاختلاف البنيوي بين البروليتاري والبريكاري. لذلك بات مفهوم البريكاريا أساسياً في دراسات الرأسمالية المتأخرة، سواء دراسات «الرأسمالية التواصلية»، أو «رأسمالية المنصات»، أو «الرأسمالية السيميولوجية»، أو «الإقطاع الرقمي»، والمفهوم الأخير شديد الأهمية، لأنه يوضّح تشابه حالة البريكاريا مع أقنان العصور الإقطاعية، الذين اتسموا بالتبعيّة، وانعدام الشروط البنيوية لاكتساب الوعي الذاتي المستقل، وإنتاج مجال الاستقلال الاجتماعي والسياسي. من جهة أخرى تنصبّ جهود اليسار المعاصر، الأكثر جديّة، والذي يستحق صفة «اليسار»، على إنتاج أشكال تنظيمية للبريكاريا، مثل «النقابات الجديدة للعمل غير المستقر» (نقابات عمّال شركات مثل «أمازون» و»ستارباكس» و»دي إتش إل»)؛ أو رسم خرائط لـ»خطوط وتجمعات ومستودعات نقل السلع»، التي بدأت تتضخّم لتصبح أقرب لتجمعات المعامل القديمة، ومحاولة العمل السياسي فيها؛ أيضاً السعي لإلحاق العمالة غير المستقرة بالنقابات العمالية الرسمية، عبر العمل على القوانين العامة وقوانين العمل.
ولكن، إذا عدنا إلى مفهوم «التبعية»، الذي تشترك به البريكاريا مع أقنان العصور الوسطى، هل هنالك أمل فعلي بمثل هذه المحاولات؟ وماذا عن بلدان يمزج فيها العاملون سمات فعلية من القنانة الريفية التقليدية مع تشتت البريكاريا المعاصرة؟

زوال الحدود بين الإنتاج وإعادة الإنتاج، أي الفرق بين العمل المباشر في مجال ما، وشروط تجديد قوة العمل (التكاثر، الصحة، الرعاية، الثقافة، التعليم، العاطفة، إلخ) قد تكون له نتائج واسعة في الوضع البريكاري

البريكاريا البيولوجية

زوال الحدود بين الإنتاج وإعادة الإنتاج، أي الفرق بين العمل المباشر في مجال ما، وشروط تجديد قوة العمل (التكاثر، الصحة، الرعاية، الثقافة، التعليم، العاطفة، إلخ) قد تكون له نتائج واسعة في الوضع البريكاري، إذ أن الاستغلال الذي يتعرّض له البريكاريون لم يعد متعلقاً فقط بقوة عملهم، بل بكل قواهم الجسدية والنفسية، ومن دون أي حد زمني، وبالتالي فقد يتحولون هم أنفسهم، وليس فقط عملهم، إلى قيم مُسعّرة، قابلة للتداول، وأيضاً إلى عوامل في السلطة والتحكّم والنفوذ، أي أن الرأسمالية المتأخرة جعلت عمليات إعادة الإنتاج شكلاً مباشراً لإنتاج القيم المادية.
يظهر هذا في «العالم الأول» عبر تسليع البيانات، بما فيها البيانات الجسدية والصحية والجنسية، التي ينتجها البشر، «المتصلون بالشبكة» دائماً، والتي تخلّف تحكّماً عاماً بحياتهم، بشكل مباشر أو غير مباشر؛ وأيضاً في التسليع المتزايد للعمل الرعائي والعاطفي. إلا أن الأمر يصبح أكثر خطورة، أو هولاً، في المجتمعات غير المستقرة، التي تشهد الحروب والحروب الأهلية وموجات الهجرة والنزوح، حيث تصبح «الكتلة البيولوجية» نفسها، عاملاً للضغط، والتفاوض، وتثبيت السلطة، واستجلاب التدفقات المالية. نحن هنا أمام بريكاريا ينتج وجودها الجسدي، وتكاثرها، وجوعها وآلامها، وتهديد خروجها من الحدود والسيطرة، قيماً مادية مباشرة. والأخطر فإن إلغاء وجودها، أو التلويح به، ينتج أيضاً تلك القيم. أي أن الوجود/اللاوجود الجسدي نفسه يصبح جانباً من الاقتصاد السياسي.

من أمثلة ذلك سياسات بعض دول المنطقة في التعاطي مع أزمات اللاجئين، واستخدامها ورقة للضغط السياسي، واستجلاب المساعدات الإنسانية، وتلقي الدعم الدولي؛ ومن أمثلته أيضاً ازدهار اقتصاديات الظل والجريمة، التي تقوم بجانب أساسي منها على الاتجار بالبشر، وتوريد المرتزقة، والميليشيات العقائدية القابلة للتدخّل بالنزاعات الإقليمية والدولية؛ وأيضاً اللعب بورقة «الفوضى»، وما قد تخلفه من مجازر جماعية، وموجات لجوء جديدة، لتثبيت سلطة ما، وتحصيلها للمساعدات، في ملفات مثل «إعادة الإعمار». أيضاً، على صعيد داخلي، فقد تكون «الكتل البيولوجية» مخزناً ممتازاً لتوريد الذكور «العاملين» في الميليشيات، أو حتى لاستخلاص القيم المادية، عبر النهب والخطف، والاستعباد الجنسي، والخدمة و»الترفيه» بشروط اقتصاديات الظل، وهي شروط أقل ما يقال عنها إنها مأساوية.
بناءً عليه، فقد تكون لدينا أصناف متعددة من البريكاريا، ومنها البريكاريا الاعتيادية، الموجودة في معظم بلدان العالم، أي العمالة الهشة غير المستقرة؛ إضافةً إلى بريكاريا اقتصاد الظل؛ والبريكاريا الميليشياوية؛ وبريكاريا «المنظمات غير الحكومية»؛ والبريكاريا المستعبدة في تجارة البشر؛ وبريكاريا «الكتل البيولوجية»، أي جموع اللاجئين والمهاجرين والسكان المحليين، الذين يبدون كتلاً سديمية غير واضحة المعالم، مليئة بالتهديدات و»الفرص»، فقد يكونون غزاةً، أو إرهابيين، أو عبيداً، أو عمالاً موسميين، أو متلقي مساعدات، أو حتى أرقاماً خطيرة في تفاوض سياسي. أي أنهم كتلةٌ قابلة لإعادة التعريف والتصنيف والاستثمار، و»موردٌ» قابل لإعادة التشكيل وفق الحاجة.

هذا يعني أن الوضع البريكاري قابل لإعادة إنتاج أوضاع تعتبر عادةً قديمةً، أو تجاوزتها البشرية في تقدمها، وعلى رأسها العبودية المباشرة وشبه المباشرة. وعلى الرغم من أن اللجوء والعمل بالسخرة والاتجار بالبشر ليست ظواهر مرتبطة بالرأسمالية المتأخّرة حصراً، إلا أنها أدمجت اليوم في التدفقات العالمية للأموال والبيانات والبشر والرموز، بعناوين وتصنيفات جديدة، ووفق هياكل تنظيمية وسياسية مستحدثة، ومن أهمها إعادة تعويم الميليشيات؛ وتكاثر «المنظمات غير الحكومية»؛ و»الشرعية» التي تكتسبها بعض الدول من إدارة الفوضى؛ و»ملاذات» اقتصاد الظل خارج قوانين الدول، واقتصادياتها الرسمية، وأيضاً خارج القانون الدولي، ما يشجّع على «الاستثمار» في كل تلك العوامل، وتضخيمها.
ويزيد من الأوضاع سوءاً الأيديولوجيا السائدة حالياً حول الاقتصاد، إذ تصر معظم الجهات الحاكمة على «الخلاص من دور الدولة الرعائي» (وليس تقليصه مثلاً)، وتلك «الرعائية» قامت على إعادة إنتاج علاقات الولاء والتبعية عبر جهاز دولة متضخم، في ما يمكن وصفه بـ»التفليح» تحت رعاية سيد جديد هو الدولة، إلا أن «الخلاص من الدور الرعائي» اليوم لا يعني تجاوز التفليح، وما يرتبط به من قنانة مستحدثة (اعتبار السكان رعايا مرتبطين بأرض/بلد مملوك للدولة، وتابعين لها، و»التصرف بهم» على هذا الأساس، من دون السماح لهم ببناء ذوات سياسية أو اجتماعية مستقلة نسبياً عنها)، وإنما تحويل التابعين إلى وضعية بريكارية، لا تتوفر فيها أدنى الشروط الإنسانية لاستمرار المعيشة، وتتخلى فيها السلطة عن كل وظائفها الاجتماعية، أو تفوّضها لـ»المنظمات غير الحكومية»، التي تدير التدفقات المالية للمساعدات الخارجية، بالشراكة مع السلطة، ولمصلحتها. إنه «النظام» الذي يجعل الأمور أفضل للسلطات، كلما ازدادت الظروف الاجتماعية سوءاً، والذي تحدثت عنه تقارير أمريكية في زمن سلطة الأسد في سوريا مثلاً.

هل يمكن الخروج من هذا الوضع؟ يمكن القول إنه سؤال العصر. قد يحدث تغيّر دراماتيكي ما من زاوية غير متوقعة في الإطار البنيوي القائم؛ أو قد يأتي تغيّر مفاجئ من خارجه، يؤدي إلى ظهور قوى وعوامل جديدة؛ وربما قد ينتج تراكم موجات العنف والفوضى تحولات لا يمكن توقعها الآن.

اللاوعي البريكاري

الارتباط السابق بالدولة المتضخمة، والسقوط في حالة التشتت البريكاري، التي تصل إلى حد التهديد الجسدي المباشر بالموت والألم والانتهاك، يخلّف حالة خاصة من الوعي البريكاري، فإذا كانت العمالة المشتتة عالمياً غير قادرة على إدراك نفسها بوصفها طبقة، بل أفراداً معزولين، مذنبين ومتوترين، فإنها في حالتنا المحلية تخلّف نوعاً من الجبرية، وانتظار المخلّص، واليأس، والمظلومية، والكراهية الحاقدة، بل كثيراً ما تصل إلى المخيّلة الدموية، أي تخيّل إحقاق الحق عبر مجزرة أو إبادة ضد الآخر الظالم.
تاريخياً، اتسمت حروب وثورات الفلاحين الأقنان بالعنف الشديد، والعجز عن تخيّل أفق جديد، أو بناء تنظيمات مغايرة، وغالباً ما تأتي على شكل طوفانات هادرة، تكتسح كل شيء ثم تنحسر، ليعود النظام القديم على جثث الأقنان المتمردين، بعد إيغالهم في العنف والتخريب. في ظرف القنانة المعاصرة، ضمن جو الدول المضمحلة وإقطاعيات الحرب والميليشيات واقتصاديات الظل، قد تأخذ الانتفاضات شكل الانفجارات الاجتماعية العبثية شديدة العنف، التي تنفجر لأسباب غير معروفة أو عشوائية، وتنتهي بدم كثير، من دون حتى أن تكون موجّهة ضد سلطة معينة، فما بالك بتخيّل أفق مفارق للسلطة.
وإذا كانت محاولات تنظيم البريكاريا ما تزال متعثرة في أكثر دول العالم تطوراً، بسبب الشروط البنيوية للعمل والإنتاج والثقافة المعاصرة، فيصعب تصور إنتاج تنظيم للبريكاريا المحليّة، ويبدو التصور الأقرب لـ»الواقعية»، أنها ستظل عاملاً للاستثمار بيد «السادة» من القوى الإقليمية والدولية والمحلية. واللافت أن هذا «الوعي» منتشر في أوساط البريكاريا المحلية نفسها، عبر ترديدها لعبارات قدرية، عن «القوى» التي تخطط وتنظم كل شيء، وتفرض الأوضاع والحكام أو تغيرهم، بل القادرة أحياناً على تخليق الوقائع والعوامل من الصفر. عموماً لا يعتبر البريكاريون/الأقنان الجدد أنفسهم عاملاً في أي معادلة على الإطلاق، وكل شيء بالنسبة لهم يأتي وينتج من «خارج» ما.

هذا الوعي، أو ربما اللاوعي، واقعة سياسية بحد ذاته، أي أنه عامل يؤخذ في أي معادلة سلطوية أو أيديولوجية أو اقتصادية، إذ تتعامل مختلف القوى القائمة مع الكتل السكانية/البيولوجية بوصفها قابلة للتطويع بوسائل منخفضة التكلفة، على رأسها التهديد بالإبادة، بحيث تصبح الحياة نفسها منّة من صاحب السيادة؛ وأيضا توزيع بعض فتات العوائد، ضمن شبكات الولاء والتبعية القائمة.
هل يمكن الخروج من هذا الوضع؟ يمكن القول إنه سؤال العصر. قد يحدث تغيّر دراماتيكي ما من زاوية غير متوقعة في الإطار البنيوي القائم؛ أو قد يأتي تغيّر مفاجئ من خارجه، يؤدي إلى ظهور قوى وعوامل جديدة؛ وربما قد ينتج تراكم موجات العنف والفوضى تحولات لا يمكن توقعها الآن. في كل الأحوال، قد يكون التوصيف النقدي للواقع جانباً، ولو محدوداً للغاية، من التغيرات والتحولات التدريجية والمتراكمة، التي لا يمكن توقّع نتائجها الآن.

كاتب سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *