هل يكرر ترامب خطأه بضبط خططه الإقليمية وفق ساعة تل أبيب المعطلة؟


وفر الحدث الشاذ في جنوب لبنان في نهاية الأسبوع تذكيراً لما د يشوش الخطط الأمريكية في المنطقة. فقد أصيب ثلاثة من مقاتلي الجيش الإسرائيلي بجروح خطيرة في هجوم لحزب الله، فردت إسرائيل بقوة، 11 لبنانياً قتلوا، بينهم مدنيون.وفي غضون ساعات، اضطرت واشنطن للتصدي مرة أخرى للمسألة التي ترافق الاتصالات بين إسرائيل ولبنان: كيف نتقدم إلى تسوية، فيما لا تزال حرب بقوى منخفضة تجري في الميدان.

 قبل الأمريكيون التفسير الإسرائيلي للرد، لكن إسرائيل تعرف بأن ليس في ذلك شيك مفتوح لما سيأتي. فحقيقة أن مكتب رئيس الوزراء سارع لنشر أمر إصابة الجنود السبت بالإنكليزية حتى قبل بلاغ الجيش الإسرائيلي في الموضوع، شهدت مدى قلق المكتب من رد فعل واشنطن على القتلى اللبنانيين. البلاغ بالعبرية لم ينشر إلا مع خروج السبت. تسلسل الأحداث هذا لم يكن صدفة؛ ففي الساعات التي تعرضت فيها إسرائيل للنقد على قتل المدنيين، كان ملحاً لنتنياهو أن تصل الرواية الإسرائيلية قبل كل شيء إلى البيت الأبيض. بعد وقت قصير،تبنى سفير الولايات المتحدة مايك هاكابي، التفسير الإسرائيلي.

 يريد الرئيس ترامب نزع سلاح حزب الله وتعزيز حكومة لبنان بقدر لا يقل عن نتنياهو. الخلاف بينهما على الطريق وعلى تسلسل الأعمال. من ناحية إسرائيل،كل تسوية لا تمنع حزب الله من العودة إلى المنطقة تبدو وصفة للجولة التالية. بعد 7 أكتوبر، يصعب إقناع الجمهور الإسرائيلي بقبول وعود عن قوة محلية تدخل رقابة دولية إلى المنطقة وتعهد منظمة مسلحة بالابتعاد عن الحدود. نتنياهو ووزير الدفاع إسرائيل كاتس يطالبان بأن يكون تجريد السلاح مثبتاً، وأن يحكم الجيش الإسرائيلي بالفعل، وإلا يتخلى الجيش الإسرائيلي عن قدرة العمل قبل بيان نجاح النموذج.

اتخذ كاتس الأسبوع الماضي خطوة إضافية؛ ففي جولة إلى مواقع الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، أعلن بأنه أمر الجيش بالاستعداد لـ “وجود طويل المدى” في المنطقة. وكان الرد الأمريكي شاذاً في وضوحه: “وجود عسكري إسرائيلي دائم في جنوب لبنان لا ينسجم والتعهدات التي في الاتفاق”. يختبئ من خلف تبادل الأقاويل خلاف جوهري على تسلسل الأعمال؛ فإسرائيل تشترط الانسحاب بعد نجاح التجريد، بينما يرى الأمريكيون الانسحاب جزءاً من مسيرة يفترض أن تسمح بالتجريد.

تنظر واشنطن إلى الخريطة ذاتها وترى مشكلة مختلفة؛ فترامب يريد أن يترجم الإنجازات العسكرية إلى سياسية. في لبنان اتفاق إطار: نزع سلاح حزب الله، نشر الجيش اللبناني وانسحاب إسرائيلي تدريجي. بعد سبع جولات من المحادثات بوساطة أمريكية وجولة أخرى مخطط لها لبداية أيلول في روما، يريد الأمريكيون رؤية تنفيذ. مناطق التجربة مخصصة لذلك – الفحص إذا كان الجيش اللبناني قادراً على السيطرة على المنطقة التي أخلي منها الجيش الإسرائيلي،وتفكيك البنى التحتية العسكرية وعدم السماح لحزب الله بالعودة.

 السياسة الداخلية الإسرائيلية جزء من المعادلة السياسية. تبقى لإسرائيل أقل من شهرين ونصف حتى الانتخابات. نتنياهو لن يسمح لنفسه بأن يظهر كمن يسلم أرضاً على أساس تعهدات لبنانية فقط. من ناحيته، صورة دبابات إسرائيلية تخرج من جنوب لبنان قبل أن يكون ممكناً عرض تجريد حقيقي لحزب الله من السلاح، تبدو مادة سياسية متفجرة. أما ترامب فيصل إلى هذه المسألة مع مصلحة أخرى. فهو يسعى لاستكمال التسويات، ولبنان من ناحيته إحدى الحلقات في خطوة إقليمية أكبر بكثير.

 في قائمة أهداف ترامب خطة في غزة، واتفاق أمني بين إسرائيل وسوريا، وإخراج الأزمة مع إيران من الجمود الحالي، وفوق كل هذا محاولة الوصول إلى اتفاق تاريخي بين إسرائيل والسعودية. يدرك البيت الأبيض بأن الانتخابات في إسرائيل قد تجمد كل هذه المسارات. التخوف ليس نظرياً؛ فرجال ترامب يذكرون جيداً الأزمة السياسية في إسرائيل في 2019، التي أدت إلى ثلاث حملات انتخابية متواصلة وإلى سنة ضائعة من الناحية الدبلوماسية الإقليمية. هذه الذاكرة ملموسة على نحو خاص لدى ترامب. في ولايته الأولى، تأجلت خطته للسلام مراراً على خلفية المتاهة السياسية في إسرائيل. هذه المرة، لا توجد في واشنطن نية للسماح للسياسة الإسرائيلية بإيقاف جدول أعمال الرئيس مرة أخرى.

 ينشأ الموقف الأمريكي من نتنياهو في الفترة الأخيرة بقدر كبير عن التمييز بين احتياجات حملته الانتخابية وبين قراراته بالفعل. فبعد أن رفض نتنياهو علناًخطة مجلس السلام لتجريد حماس، فسر الأمريكيون الأمر بقدر كبير بالسياسة في فترة الانتخابات. والرسالة التي نقلت إليه كانت عملية أكثر بكثير. واشنطن مستعدة لاحتواء جزء من الخطاب ما دامت إسرائيل تلجم الهجمات وتسمح للمسيرة بالتقدم. وبالفعل، بعد حديث مع جاريد كوشنر وعد نتنياهو بإعطاء الخطة فرصة وتقليص الأعمال في غزة.

 لكن مجال الصبر هذا يبقى محدوداً. في الأيام الأخيرة، تراكمت في لبنان والضفة الغربية وسوريا أحداث وتصريحات أحدثت انعدام راحة حتى لمحافل في الإدارة تعتبر قريبة جداً من إسرائيل. هاكابي، صديق معلن لمشروع الاستيطان، اضطر للتطرق إلى عنف المستوطنين في قصرة ومعالجة إسرائيلية له. بالتوازي، لم تستطب واشنطن سلسلة التصريحات في إسرائيل ضد الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي استثمر فيه ترامب مالاً سياسياً. كل هذه الأزمات تتراكم إلى طلب واحد من الرئيس الأمريكي: لا تعرقلوا الخطوات التي يحاول هو الدفع بها قدماًفي المنطقة. وهكذا، فإن الفجوة في الجداول الزمنية سياسية داخلية أيضاً. انسحاب أول، نقل منطقة للجيش اللبناني والبدء بالمشروع التجريبي كله كفيل بأن يسجل في واشنطن كتقدم سياسي، ولكن قد يستخدم في إسرائيل انسحاباًفي وقت مبكر. إصرار إسرائيل للبقاء في المنطقة حتى التجريد الكامل سيخدم ادعاء التصميم لدى نتنياهو، لكن البيت الأبيض قد يعتبره تأخيراً للاتفاق.

 ولبيروت أيضاً ساعة خاصة بها. الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام أخذا مخاطرة سياسية، إذ وافقا على التقدم في مسيرة هدفها استعادة الدولة للاحتكار على السلاح. لكن من الصعب عليهما تفكيك حزب الله والجيش الإسرائيلي يواصل الاستيلاء على أرض لبنانية والهجوم في الدولة. كل هجوم يقتل فيه مدنيون يعزز ادعاء حزب الله: لماذا نسلم السلاح فيما لا تزال إسرائيل تهاجم؟

 يفهم حزب الله جيداً هذا التناقض ويحاول استغلاله. من ناحيته، تسوية ينزع فيها سلاحه قبل انسحاب إسرائيلي يعدّ هزيمة. ولهذا، يطلب قلب تسلسل الأعمال: بداية تخرج إسرائيل، بعدها الحديث عن السلاح. إيران، التي فقدت في السنوات الأخيرة جزءاً هاماً من روافع قوتها الإقليمية غير معنية بالتنازل بسهولة عن الذخر اللبناني الوحيد، المتبقي لها في المنطقة. من ناحية طهران، فإن تفكيك حزب الله سيمس بآلية الردع التي بنتها حيال إسرائيل على مدى عشرات السنين.

وضع نتنياهو السياسي يزيد الحساب الأمريكي تعقيداً. ائتلافه الحالي بعيد عن 61 مقعداً لإقامة حكومة. من ناحيته، فإن منع الأغلبية عن المعسكر الخصم كفيل هو الآخر أن يكفي. إذا لم ينجح أحد في تشكيل حكومة، فسيبقى في منصب رئيس حكومة انتقالية حتى انتخابات أخرى. هذه الإمكانية تقلق واشنطن على نحو خاص؛ لأن معناها أشهر أخرى تجعل جدول الأعمال الإقليم لترامب ينتظر السياسة الإسرائيلية.

لدى ترامب رافعة سياسية شخصية على نتنياهو. حتى الآن، امتنع عن منحه التأييد السياسي في الانتخابات، التأييد الذي أمل به رئيس الوزراء. عندما التقيا في البيت أبيض قبل نحو أسبوعين، سأله ترامب مباشرة عن وضعه في الاستطلاعات. نتنياهو تلبث، فسارع أحد مستشاريه للإجابة بأنه “منتصر”. لكن المعطيات تروي رواية أخرى. في أربع فرص مختلفة في الأسابيع الأخيرة، سئل ترامب إذا كان يؤيد نتنياهو، لكنه تملص من الإعراب عن تأييد صريح.

لهذا الامتناع معنى آخر بسبب التاريخ بين الرجلين؛ فقد سبق لترامب أن أثبت بأنه يعرف كيف يتدخل في حملة انتخابات إسرائيلية. قبل أيام من انتخابات نيسان 2019 اعترف بسيادة إسرائيل في الجولان، الخطوة التي هو نفسه تباهى بها لاحقاً بأنها ساعدت نتنياهو. أما هذه المرة، حالياً على الأقل، فيبقي هذه الورقة بيديه.

المعارضة هي الأخرى تفهم قيمة هذه الورقة. فمحافل في محيط غادي آيزنكوت، ونفتالي بينيت، ويائير لبيد، نقلت في الأشهر الأخيرة رسائل لرجال ترامب وطلبت منه البقاء على الحياد في الانتخابات. وهذا العمل يدل على أي قدر أصبح فيه موقف ترامب عنصراً في حملة الانتخابات الإسرائيلية، حتى قبل أن يقرر إذا كان سيتدخل فيها.

لم تنقطع العلاقات الشخصية بين ترامب ونتنياهو. وحسب مسؤولين أمريكيين كبار، ترامب يستطيب نتنياهو. لكنه محبط من قراراته. ومؤخراً، اقتبس عنه في أحاديث خاصة يقول إن نتنياهو هو “العدو الأكبر لنفسه”. بالتوازي، لترامب قيد سياسي خاص به: تدخل عنيف في الانتخابات الإسرائيلية ربما يمس بمكانته في أوساط جمهور منحه في الماضي تأييداً شبه تلقائي.

لبنان ليس الساحة الوحيدة التي تفحص فيها هذه الفجوة. ففي غزة يسعى البيت الأبيض للمضي قدماً بخطة مجلس السلام؛ وفي سوريا تستثمر واشنطن في الرئيس أحمد الشرع، وبدأنا نسمع ضده في إسرائيل تصريحات حادة؛ أما إيران فيحوم فوقها السؤال: هل ستنتهي الأزمة في اتفاق أم في جولة أخرى؟كوشنر ونيكولاي ملادينوف وطوني بلير يصلون هذا الأسبوع إلى المنطقة للمضي بالخطوة في غزة. من ناحيتهم، ستكون هذه المسألة الأولى في جدول الأعمال حيال نتنياهو. عمل إسرائيل في واحدة من هذه الساحات قد يعقد خطوة أمريكية في أخرى.

البلدتان في جنوب لبنان ستكونان الاختبار العملي الأول لهذه الفجوة. إذا دخل الجيش اللبناني إلى المناطق التجريبية ففكك بنى تحتية لحزب الله وتأكد الأمر بشكل تثق به إسرائيل، فالنتيجة ستخدم الزعيمين: ترامب قد يعرض تقدماً في التسوية، ونتنياهو سيدعي بأن الانسحاب لم ينفذ إلا بعد أن التزم الطرف الآخر بالشروط. فشل المشروع التجريبي سيعزز الادعاء الإسرائيلي بأن الحذر كان مبرراً.

 آنا برسكي

معاريف 17/8/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *