هل يراهن على جولة أخرى فاشلة؟


لندن – “القدس العربي”: نشرت مجلة “ذي أتلانتك” تقريراً أعدّه كل من نانسي يوسف وجوناثان ليمير، قالت فيه إن الرئيس دونالد ترامب يفكر في تصعيد جديد في الشرق الأوسط، ومغامرة أخرى لإنهاء الحرب في إيران.

ففي الفترة الأخيرة، كان ترامب يستمع إلى حديث شخصين يثق بهما على ما يبدو، ويعدانه بمسار جديد وسريع لإنهاء الحرب. فقد زعم وزير الخزانة سكوت بيسنت أن إيران على وشك الانهيار الاقتصادي، وأن الحصار الأمريكي لمضيق هرمز، إلى جانب العقوبات، سيجبر طهران على الاستسلام والعودة إلى طاولة المفاوضات.

في المقابل، اقترح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال سلسلة من الاتصالات مع ترامب، مساراً مختلفاً يتمثل في شن جولة أخرى من الضربات الأمريكية والإسرائيلية المدمرة لإسقاط النظام.

ويبدو الآن أن إدارة ترامب تدرس الجمع بين النهجين، مراهنةً على أن ضعف إيران الاقتصادي، إلى جانب بضع ضربات موجعة، قد يكونان كافيين لحسم الملف الإيراني نهائياً، من دون انتظار طويل.

الرئيس يدرس استئناف حملته العسكرية ضد إيران بشن ضربات تستمر عدة أيام، على الأرجح بعد انتخابات التجديد النصفي مباشرة

ونقلت المجلة عن مسؤولين قولهم إن الرئيس يدرس استئناف حملته العسكرية ضد إيران بشن ضربات تستمر عدة أيام، على الأرجح بعد انتخابات التجديد النصفي مباشرة. وتشمل الأهداف المحتملة ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيّرة، فضلاً عن بنيتها التحتية للطاقة ومنشآتها النووية.

وقال أحد المستشارين الخارجيين: “إن الضغط الاقتصادي يؤتي ثماره، ونعتقد أن إيران تقترب من حافة الهاوية”. وأضاف المصدر أن الضربات الجديدة “ستجبرهم على الاستسلام”.

وتشير المجلة إلى أن تجربة الحرب توحي بأن هذا الحديث قد لا يعدو كونه تمنيات. صحيح أن الضغوط الاقتصادية أضعفت إيران بشدة، لكن موقفها التفاوضي لم يُؤخذ في الحسبان بالقدر الكافي. وكان ترامب يعتقد سابقاً أن إيران على وشك الانهيار، أو أنها انهارت بالفعل، قبل أن يكتشف أنه أخطأ في تقديره.

وقد يؤدي شن مزيد من الضربات إلى تصعيد إقليمي من دون أن يقرّب النظام من الاستسلام. وفي كلمة ألقاها مطلع هذا الأسبوع في “متحف الثورة الإسلامية والدفاع المقدس” بطهران، أشار العميد حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري الإسلامي، إلى سبعة كابلات رئيسية للألياف الضوئية تمر تحت مضيق هرمز بوصفها أهدافاً محتملة “جديدة”، ملمحاً إلى أن الهجمات المستقبلية ستستخدم “أسلحة جديدة”. وإذا أخفقت خطة الضربات الأمريكية المقترحة في إخضاع إيران، فقد تصبح طهران أقل استعداداً لتقديم تنازلات.

ونُقل عن ضابط الاستخبارات الإسرائيلي السابق المختص بالشأن الإيراني، داني سيترينوفيتش، قوله: “ترامب يائس لإيجاد حلول تخرجه من هذا المأزق، لكن لا يمكن التخطيط لحرب تدوم ثلاثة أيام، لأنها ليست قراراً أحادياً، ولا يمكن التحكم في رد فعل إيران”.

ومع ذلك، يبدو الرئيس مصمماً على اتخاذ إجراء ما، إذ قال لمراسل صحافي يوم الأربعاء، قبل صعوده إلى متن الطائرة الرئاسية: “سيحدث شيء ما بطريقة أو بأخرى، قريباً جداً”.

وترى المجلة أن هناك أسباباً عديدة تجعل استئناف الضربات خطأً، لكن الرئيس يميل إلى هذا الخيار بعدما نفد صبره في انتظار نجاح استراتيجية الخنق الاقتصادي.

فقد كان يأمل في البداية أن تعود إيران زاحفةً إلى المفاوضات قبل انتخابات التجديد النصفي، وفقاً لما ذكره مسؤول وشخص آخر مطلع على المحادثات، طلبا عدم الكشف عن هويتيهما. لكن ذلك لم يحدث، وظلت أسعار الطاقة مرتفعة، ما أوجد وضعاً سياسياً كارثياً للجمهوريين. وبعد ذلك، خفف ترامب من حدة خطابه المتشائم تجاه طهران، إلا أن إحباطه يظهر أحياناً، ولا سيما في منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي التي يكتبها في وقت متأخر من الليل.

كان ترامب يأمل في البداية أن تعود إيران زاحفةً إلى المفاوضات قبل انتخابات التجديد النصفي، وفقاً لما ذكره مسؤول وشخص آخر مطلع على المحادثات. لكن ذلك لم يحدث، وظلت أسعار الطاقة مرتفعة، ما أوجد وضعاً سياسياً كارثياً للجمهوريين

ودرس ترامب فكرة استئناف العمليات العسكرية قبل يوم الانتخابات، وهو خيار يؤيده مسؤولون في واشنطن يعتقدون أن استعراض القوة قد يتيح للرئيس تحقيق نصر مفاجئ في تشرين الأول/أكتوبر. وفي الوقت نفسه، دعا نتنياهو إلى شن جولة أخرى من الغارات قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة الأسبوع المقبل، وهو ما أكده البيت الأبيض رسمياً للمجلة.

وحتى الآن، امتنع ترامب عن إصدار تفويض بشن ضربة قبل انتخابات التجديد النصفي. وبعدما أشارت المجلة إلى هذا الاحتمال في وقت سابق من الشهر، جاءت ردود الفعل الغاضبة من زملائه الجمهوريين شديدة، إلى حد دفع الرئيس إلى نشر رسالة على منصة “تروث سوشيال” أكد فيها أنه لن يشن هجوماً آخر قبل الانتخابات.

ويؤكد مسؤولون أمريكيون أنه لم يُتخذ أي قرار بشأن استئناف الضربات بعد الانتخابات، رغم وجود مؤشرات واضحة على الاستعدادات. ويأمل بعض المسؤولين أن يُبقي الغموض بشأن ما ستفعله الولايات المتحدة وتوقيت ذلك طهران في حالة ترقب.

وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، سافر وزير الدفاع بيت هيغسيث إلى إسرائيل والتقى نتنياهو لمناقشة الملف الإيراني. وأعلنت وزارة الخارجية الأمريكية، أمس، أنها طلبت من الموظفين غير الأساسيين وأفراد أسرهم مغادرة السعودية، بسبب تصاعد هجمات الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن.

لكن تساؤلات جدية لا تزال قائمة بشأن ما إذا كان مخزون الذخيرة لدى البنتاغون، الذي تراجع بصورة خطيرة في ذروة الصراع، كافياً للدفاع عن المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط.

وفي غضون ذلك، أثار مجرد التلميح إلى احتمال شن عملية عسكرية جديدة مخاوف في الأسواق؛ إذ ارتفع سعر النفط بشكل حاد، وتراجعت سوق الأسهم يوم الخميس، مع ظهور أنباء عن احتمال استئناف الحرب واستهداف إيران ناقلات نفط في المضيق. ولم يرد البيت الأبيض على الفور على طلبات التعليق، فيما امتنعت القيادة المركزية الأمريكية، التي تقود الحرب في إيران، عن التعليق.

وأدى الحصار البحري الأمريكي المكلف إلى وقف صادرات النفط الإيرانية فعلياً، بالتوازي مع العقوبات والأضرار الناجمة عن الضربات الأمريكية، ما وضع الاقتصاد الإيراني تحت ضغط شديد. ويشهد التضخم ارتفاعاً حاداً، فيما أصبحت السلع نادرة. كما تسبب انخفاض قيمة الريال إلى مستوى قياسي في معاناة الإيرانيين لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

وصرح الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأسبوع الماضي، بأن الحصار البحري منع إيران من تصدير ما لا يقل عن 25 مليار دولار من النفط الخام. وتوقع صندوق النقد الدولي انكماشاً حاداً في الاقتصاد الإيراني عام 2026. وبينما تحاول طهران احتواء الأضرار من خلال إجراءات، مثل مراقبة الأسعار والحفاظ على الواردات الأساسية، لا تتوافر أدلة تذكر على أن إيران باتت على وشك الانهيار الاقتصادي الوشيك.

وخلال الصيف، توعد بيسنت باستخدام “العنف المالي” لإجبار إيران على الاستسلام. وأمس، أضافت وزارة الخزانة الأمريكية عقوبات تستهدف شبكات الشحن والوسطاء “الذين يساعدون بشكل غير مباشر طهران على توليد إيرادات لتمويل برامجها العسكرية وبرامج الأسلحة والبرنامج النووي”.

وقال بيسنت للصحافيين خلال اجتماع وزراء مالية مجموعة العشرين في آب/أغسطس: “أعتقد أن ذلك قد يحدث في غضون أسابيع أو أشهر، ولا داعي لانهيار الاقتصاد؛ فكل ما نحتاج إليه هو أن يعود النظام إلى رشده”.

لكن الاعتقاد بأن هذه اللحظة ستأتي قريباً يتجاهل أنماطاً تاريخية؛ فقد تأثر المتشددون في طهران بمعاناة شعبهم على مدى عقود، من دون أن يستسلموا.

وفي غضون ذلك، حث نتنياهو ترامب، الذي حظي بتأييد الرئيس الأمريكي لحملة إعادة انتخابه، في أكثر من مناسبة على شن ضربات قبل الانتخابات الإسرائيلية يوم الثلاثاء، والانتخابات الأمريكية بعد أسبوع، وفقاً لما ذكرته محطة تلفزيونية إسرائيلية الأسبوع الماضي. لكن مكتب نتنياهو نفى هذا الادعاء.

وفي جميع الأحوال، تمثل الحرب عاملاً حاسماً في المستقبل السياسي لكل من نتنياهو وترامب، لكن أياً منهما لا يملك التحكم في توقيت انتهائها أو الكيفية التي ستنتهي بها.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *