دمشق ـ «القدس العربي»: تتصدر الملف السوري قائمة القضايا التي قد تتأثر بنتائج الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، في ظل استمرار الوجود العسكري للاحتلال داخل الأراضي السورية، وتواصل الحديث عن مفاوضات أمنية غير مباشرة بين دمشق وتل أبيب بوساطة أمريكية.
وبينما تتزايد المؤشرات على انخراط واشنطن في رسم ملامح ترتيبات أمنية جديدة في الجنوب السوري، يبرز تساؤل جوهري حول ما إذا كان رحيل بنيامين نتنياهو سيشكل نقطة تحول في السياسة الإسرائيلية، ويفتح باب التفاهمات الأمنية مع دمشق؟ أم أن هذا الملف سيبقى محكوما باعتبارات المؤسسة الأمنية الإسرائيلية والمصالح الأمريكية، بصرف النظر عن هوية رئيس الحكومة.
وفي ظل تداخل الحسابات الأمنية، تتباين تقديرات خبراء ومحللين تحدثوا لـ «القدس العربي» بشأن مستقبل العلاقة بين دمشق وتل أبيب، فهناك من يرى أن أي تغيير في الحكومة الإسرائيلية لن يبدل جوهر السياسة القائمة، فيما يعتقد آخرون أن مرحلة ما بعد نتنياهو قد تفتح نافذة أمام تفاهمات أمنية محدودة. ولكن يبقى السؤال الأبرز: هل تقترب سوريا من مرحلة إعادة ترتيب قواعد الاشتباك والعودة إلى اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، أم أن الوجود الإسرائيلي في المنطقة العازلة مرشح للاستمرار بوصفه جزءا من معادلات إقليمية أوسع تقودها الولايات المتحدة؟
واشنطن صاحبة القرار
وفي قراءته لمستقبل الملف السوري في مرحلة ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، يرى المحلل السياسي والباحث في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن أي تغيير في هوية رئيس الحكومة الإسرائيلية لن يكون العامل الحاسم في تحديد مسار العلاقات مع سوريا، لأن القرار النهائي، برأيه، يبقى في يد الولايات المتحدة أكثر مما هو في يد إسرائيل.
ويقول شديد لـ «القدس العربي» إن بقاء الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب السوري والمناطق التي سيطرت عليها إسرائيل هو قرار أمريكي بالدرجة الأولى، معتبرا أنه لو كانت واشنطن تريد بالفعل إلزام إسرائيل بالانسحاب لفعلت ذلك منذ فترة طويلة. ويشير إلى أن تدمير مقدرات الجيش السوري والتوسع العسكري الإسرائيلي بدأ خلال ولاية الرئيس الأمريكي جو بايدن، وليس في عهد دونالد ترامب، وأن هذا المسار تعمق لاحقا مع وصول الجمهوريين إلى السلطة.
وعلى خلاف الآراء التي ترجّح أن يؤدي رحيل بنيامين نتنياهو إلى إحداث مرونة في الموقف الإسرائيلي تجاه سوريا، يرى شديد أن جوهر السياسة الإسرائيلية لن يتغير بتبدل الحكومات، لأن القرار الحاسم في هذا الملف يبقى بيد الولايات المتحدة، فيما يحظى استمرار الوجود الإسرائيلي والترتيبات الأمنية بإجماع واسع داخل المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية.
ويستشهد شديد بتصريحات عدد من المسؤولين الأمريكيين، وفي مقدمتهم المبعوث الأمريكي إلى تركيا وسوريا توم براك، الذي يصفه بأنه من أكثر المسؤولين تشددا في ما يتعلق بتوسيع حدود إسرائيل في لبنان وسوريا والضفة الغربية ومناطق أخرى. كما يشير إلى تصريحات السفير الأمريكي لدى إسرائيل، التي قال فيها إن دولا مثل سوريا ولبنان والأردن والعراق، إذا لم تبادر إلى تسليم إسرائيل أراضيها أو أجزاء منها، فإن إسرائيل ستضطر إلى احتلالها بالقوة العسكرية وبدعم أمريكي، انطلاقا من اعتبارها «أرضا يهودية» و»أرضا توراتية». لذلك يرى المتحدث أن المسألة لا تتعلق بقرار إسرائيلي منفرد.
ويضيف أن هناك إجماعا واسعا داخل إسرائيل على استمرار الاحتلال والترتيبات الأمنية، يشمل المؤسسة العسكرية، والمؤسسة السياسية، والحكومة، والائتلاف الحاكم، والمعارضة، إضافة إلى شريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي، ما يعني أن هذا التوجه لا يرتبط بشخص بنيامين نتنياهو وحده.
ويخلص شديد إلى أن القرار الحاسم يبقى بيد الولايات المتحدة، وأن مستقبل الاتفاق الأمني أو الوجود الإسرائيلي في سوريا لا يتوقف على شخص نتنياهو، بل على توجهات المؤسسة الإسرائيلية والقرار الأمريكي، باعتبار أن المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية هي الطرف الأكثر تأثيرا في هذا الملف، وليس رئيس الحكومة وحده.
مستقبل العلاقات
وفي قراءة تتقاطع جزئيا مع طرح الباحث شديد، يرى الكاتب والمحلل السياسي أنطوان شلحت أن مستقبل العلاقات بين سوريا وإسرائيل لن تحدده نتائج الانتخابات الإسرائيلية وحدها، بل ستبقى الكلمة الفصل للإدارة الأمريكية. إلا أنه، بخلاف الرأي السابق الذي يعتبر أن هناك إجماعا إسرائيليا ثابتا على استمرار السياسة الحالية، يلفت شلحت إلى وجود تباين متزايد بين واشنطن وتل أبيب بشأن الملف السوري، مرجحا أن يسهم أي تغيير في الحكومة الإسرائيلية في تسهيل الضغوط الأمريكية الرامية إلى الدفع نحو ترتيبات أمنية وانسحاب إسرائيلي من الأراضي السورية.
ويقول لـ «القدس العربي»: واضح من آخر المواقف التي تعبّر إسرائيل عنها فيما يتعلّق بسوريا أنها غير متحمسة لاتفاقٍ يُلزمها بالانسحاب من أراضٍ داخل سوريا. ولكن تبقى المشكلة بالنسبة إليها هي أنه قد يكون لمثل هذا الانسحاب والاتفاق الأمني بين البلدين ما يوصف بأنه «أب متسلّط» اسمه دونالد ترامب.
ووفقا لتقرير نشره موقع «أكسيوس»، طلب الرئيس الأمريكي من رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مكالمة هاتفية أجراها معه في 9 تموز/يوليو 2026، أن يبدأ «بإعادة نشر قوات الجيش الإسرائيلي ونقلها إلى خارج سوريا» (وكذلك الأمر بالنسبة إلى لبنان). كما أشارت تقارير متطابقة إلى أن جدول أعمال آخر لقاء بين نتنياهو وترامب في واشنطن لم يقتصر على إيران فقط، إذ كانت سوريا ولبنان وآخر التطورات في الضفة الغربية وخطة إعادة إعمار غزة في صلب المباحثات أيضا.
ويعبّر المتحدث عن اعتقاده بأنه خلافا لما هي عليه الحال فيما يتعلق بإيران ولبنان، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل لا تنظران إلى المسألة السورية بالعين نفسها، سواء فيما يتعلق بخطة العمل المطلوبة، أو بشكل النتيجة النهائية المنشودة.
3 خبراء قدموا لـ»القدس العربي» مقاربات متباينة… وإجماع على التأثير الأمريكي
وكانت قد نقلت وسائل إعلام إسرائيلية عن مصدر دبلوماسي أمريكي قريب من الاتصالات بين إسرائيل وسوريا قوله إن واشنطن غير مقتنعة، في أقل تقدير، بأن لدى إسرائيل حاجة أمنية إلى مواصلة السيطرة على المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام الأسد في كانون الأول/ ديسمبر 2024. ووفقا للمصدر نفسه، فإن حزمة المصالح الأمريكية في سوريا أوسع وأثقل كثيرا من تلك الموجودة في لبنان؛ فهي مرتبطة بشبكة كاملة من الدول المحيطة بسوريا بحزام من الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي، بينها السعودية وتركيا والإمارات وقطر، و»سوريا هي جزء من تصوّر استراتيجي واسع تحاول الإدارة الأمريكية صوغه، استعدادا لمرحلة ما بعد الحرب مع إيران، وربما قبل ذلك أيضا».
وللتدليل على ما سبق، بشأن حزمة المصالح الأمريكية مع سورية يرى المتحدث أن «واشنطن وقعّت مؤخرا مذكرة تفاهم بين الحكومتين العراقية والسورية بشأن إعادة تأهيل خط أنابيب النفط الذي يربط بين كركوك في العراق وبانياس في سوريا، على أن تتولى شركة شيفرون الأمريكية تنفيذ المشروع»
ويبلغ طول خط الأنابيب نحو800 كم، ومن المتوقع أن يستغرق إنشاؤه نحو عامين ونصف العام من تاريخ توقيع الاتفاق النهائي.
وسيكون قادرا على نقل نحو مليونَي برميل من النفط يوميًا، ليشكل جزءا من شبكة إقليمية متكاملة لأنابيب النفط، وفي حال تحققت، يمكن أن تقلل كثيرًا الاعتماد على المرور عبر مضيق هرمز. ولن يحتاج مثل هذا الأنبوب إلى تمويل ضخم فقط، بل أيضًا إلى ترتيبات أمنية تعتمد على تعاوُن عسكري واستخباراتي بين حكومتَي سوريا والعراق، والذي ستبذل إيران كل جهد لإفشاله بشكل مباشر، أو عبر وكلائها.
وهذا الأمر يحوّل سوريا وفق رؤية شلحت «إلى رصيد استراتيجي إقليمي من وجهة نظر الولايات المتحدة. وهنا تتم الإشارة أيضا إلى أن محاولات إيران استئناف التواصل مع نظام أحمد الشرع قوبلت ببرود حتى الآن. ففي آذار/ مارس الماضي، بعد فترة قصيرة على بداية الحرب، اتّهم الرئيس السوري إيران بأنها «تحاول زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتضرّ بالأمن القومي للدول العربية». وفي الوقت نفسه، فإنه يدعم علنًا سياسة الحكومة اللبنانية الرامية إلى ترسيخ احتكار القوة العسكرية في يد الدولة ونزع سلاح حزب الله».
ويضيف: ترى عدة تحليلات إسرائيلية أن سوريا مرشحة لأن تتحوّل إلى رصيد استراتيجي إقليمي من وجهة نظر الولايات المتحدة، ليس فقط بسبب احتمال تحوُّلها إلى محور بديل من مضيق هرمز يحيّد الورقة التي تمتلكها إيران، بل أيضا على خلفية اندفاع ترامب إلى إشراكها في الحرب ضد حزب الله في لبنان، لأنها حسب قوله، «ستقوم بعمل أفضل من إسرائيل». وهو اندفاع تراجع سريعًا، بعد أن وقف كلٌّ من لبنان وأحمد الشرع نفسه في وجه المبادرة وأحبطاها، ولكن يرى محللون إسرائيليون أن سوريا ليست منفصلة عن الساحة اللبنانية؛ فقواتها منتشرة على طول الحدود مع سهل البقاع اللبناني، وتوصلت إلى تفاهمات مع الحكومة اللبنانية بشأن ترتيبات المراقبة وتعقّب المهربين ـ والتي أسفرت عن كشف عمليات تهريب مهمة وحظيت بتغطية إعلامية واسعة ـ وهي ناشطة على طول الحدود مع العراق.
وينتهي المتحدث بالقول إن التقييمات السائدة في إسرائيل تفيد بأن سوريا تتحوّل بسرعة إلى رصيد إقليمي في ما يوصف بأنه «الصراع على مرحلة ما بعد الحرب مع إيران»، وستفرض الولايات المتحدة على إسرائيل أن تتكيّف مع الواقع الذي تفرضه «سورية الجديدة»، وألا تحاول عرقلته. ولا شك في أن القرار الحاسم بهذا الشأن سيكون في يد واشنطن وبوسعها أن تدفع به قدمًا حتى فيما يرتبط بإسرائيل. ولا شك أيضًا في أن وجود حكومة إسرائيلية غير الحكومة الحالية بعد الانتخابات العامة المقبلة التي ستجري يوم 27 تشرين الأول/ أكتوبر المقبل سوف يسهّل المهمة أكثر على الولايات المتحدة، غير أنه حتى لو لم توجد حكومة كهذه فإن مستقبل العلاقات بين إسرائيل وسوريا سيبقى مرهونًا بمصالح الولايات المتحدة.
تحول في المسار
في المقابل، يذهب الخبير العسكري والاستراتيجي السوري العميد أسعد الزعبي إلى تقدير مختلف، إذ يرى أن رحيل بنيامين نتنياهو قد يشكل فرصة لإحداث تحول، ولو محدود، في مسار العلاقة بين دمشق وتل أبيب.
وبينما يتفق مع الطرحين السابقين في أن الولايات المتحدة ستبقى صاحبة التأثير الأكبر في رسم مستقبل هذا الملف، فإنه يعتبر أن غياب نتنياهو قد يمنح أي حكومة إسرائيلية جديدة هامشا أكبر للانخراط في تفاهمات أمنية مع دمشق، شرط أن تبدأ بانسحاب إسرائيل من المناطق التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق والعودة إلى ترتيبات اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
ويرى الزعبي لـ «القدس العربي» أن نتنياهو يمثل نهجا قائما على التصعيد وإدامة الصراع، وليس على التهدئة أو التسويات. ويصفه بأنه «رجل معاد للسلام»، معتبرا أن سياساته ارتبطت باحتلال الأراضي، وفرض السيطرة، وإبقاء المنطقة في حالة توتر مستمر.
وبرأي المتحدث فإن «نتنياهو تمادى في استهداف سوريا عبر قصف مواقعها العسكرية وتدمير جزء كبير من قدراتها العسكرية، ودعم الحركات الانفصالية، وتحريض فلول النظام السابق، إلى جانب تنفيذ خروقات متكررة للأجواء السورية، وزعزعة أمن المنطقة، والإضرار بالمدنيين والمحاصيل الزراعية» أي أن «استمرار نتنياهو في الحكم يعني استمرار هذا النهج، خاصة إذا بقي حزب الليكود في قيادة الحكومة».
فرصة لتغيير المسار
ويعتقد أن رحيل نتنياهو قد يفتح الباب أمام مقاربة إسرائيلية أكثر مرونة، مشيرا إلى أن حكومات إسرائيلية سابقة، إضافة إلى شخصيات داخل المعارضة وحتى داخل حزب الليكود، كانت تؤمن بأهمية التوصل إلى تفاهمات مع سوريا، انطلاقا من قناعة بأن استمرار الجبهة السورية مشتعلة لا يخدم الاستقرار.
وبرأيه، أي حكومة إسرائيلية جديدة ستكون أكثر استعدادا للنظر في اتفاق أمني مع دمشق، خصوصا في ظل الضغوط التي يمارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى جانب الضغوط الدولية والعربية والإقليمية الداعية إلى إعادة ترتيب الأوضاع على الحدود السورية، والعودة إلى اتفاقية فصل القوات لعام 1974.
فرص للمفاوضات
ويشير الزعبي إلى أن المنطقة تشهد تحولات سياسية وعسكرية متسارعة، رافقت الحرب الأمريكية الإيرانية، معتبرا أن المرحلة الثانية من هذه الحرب شكلت منعطفا مهما بعدما اتجهت إيران إلى استهداف دول عربية، بينها الأردن وسوريا، من دون استهداف إسرائيل، وهو ما قد يترك آثارا سياسية في المرحلة المقبلة.
ويضيف أن إسرائيل باتت في حاجة إلى هدوء الجبهة السورية وإلى موقف سوري معادٍ لإيران، وهو ما قد يدفع أي حكومة جديدة إلى إبداء مرونة أكبر تجاه استئناف المفاوضات الأمنية، ولا سيما إذا استغلت الإدارة الأمريكية أي تغيير سياسي في إسرائيل للدفع نحو اتفاق أمني أوسع.
ويشدد على أن «أي تفاهم أو اتفاق أمني لن يكون قابلا للحياة ما لم يتضمن انسحاب إسرائيل من المناطق التي احتلتها بعد سقوط النظام السابق، باعتبار أن استمرار السيطرة عليها يمثل خرقا لاتفاقية فصل القوات لعام 1974».
أما السيناريو الأكثر ترجيحا، في حال رحيل نتنياهو «فيتمثل في التوصل إلى اتفاق أمني أو تفاهم محدود يركز على خفض التصعيد»، مؤكدا أن استمرار الوضع القائم ليس خيارا مستداما، وأن المدخل الأساسي لأي تسوية مستقبلية يبدأ بانسحاب إسرائيل من تلك المناطق والعودة إلى ترتيبات اتفاقية فصل القوات لعام 1974.