هل خسر الفنان العربي السباق إلى العالمية؟


هناك حقيقة تقول إن فنانين عربا معاصرين كانوا قد شقوا طريقهم إلى العالمية. منى حاطوم ومنير فاطمي وغادة عامر وراشد آل خليفة وصادق الفراجي وعلي السوداني وعبد الناصر غارم وهيف كهرمان ولاريسا صنصور ورائدة سعادة ووليد رعد وسواهم، حاضرون في المشهد الفني العالمي، بعد أن ألحقت أسماؤهم بقوائم الفنانين الذين اكتسبوا ثقة المؤسسات التي تدير شؤون الفن عبر العالم. وهي مؤسسات لا تكمن مهمتها في السيطرة على سوق الفن، بل تتعداها إلى صناعة المزاج العام الذي يستقبل ذلك الفن، ممهدا الطريق لدخول الأموال.
ذلك كلام يدخلنا في دائرة نظرية المؤامرة. ما هو مؤكد أن الأموال التي تنفق على إقامة معارض للفنون المعاصرة، التي لا يتم تداول أعمالها سلعا تجارية، إنما تُنفق من أجل غايات غير فنية. هنا تتسع الهوة بين فنان مثل فنسنت فان غوخ يجري تسويقه تجاريا من قبل المتاحف، وفنانين وُضعوا أصلا في خدمة المال الذي استفادوا بنسب مختلفة منه. تلك معادلة معقدة لا أظن أن في إمكان فنان عربي لا يزال أسير محليته، بغض النظر عن مكان إقامته (داخل بلاده أو في الشتات) أن يفهمها. لم تعد المسألة تتعلق بقدرة الفنان على البحث عن المكان الذي يعرض فيه، ذلك أمر متاح نسبيا، بل بإمكانية الفنان أن يكون مناسبا لشروط التبني من قبل منصات عرض عالمية. هناك فنانون عرب أقاموا في الغرب أكثر من نصف قرن، لم يلتفت إليهم أحد، فيما حظي على سبيل المثال رسام شاب هو العراقي محمد سامي بإقامة معرض شخصي في مركز كامدن للفنون في لندن، الذي لا يعنى إلا بعرض تجارب فنانين من طراز مكرس. قبل ذلك رأيت ثلاثة أعمال للفنان نفسه في قاعة هيوارد المعروفة برصانتها.. نجح محمد سامي في الدخول إلى نظام المؤسسة التي ستجعل منه فنانا عالميا.

بين شيرين نشأت وأنسلم كيفر

العالمية مفهوم مضلل، لأن السياسة والتجارة افقدتاه الكثير من مرونته الواقعية، حين جرتاه في اتجاه المزايدة وتبني أفكار بعينها، ومن ثم تحقيق أرباح مادية بناء على مواقف لا تمت إلى الفن بصلة. المثال الأبرز في ذلك المجال شيرين نشأت (1957). فنانة إيرانية تركز أعمالها على التناقض بين الإسلام والغرب. ذلك مربط الفرس كما يقال. لو لم تركز نشأت على ذلك التناقض لما كان لها وجود على الساحة العالمية ولما وجدت جهة تمول فيلمها عن أم كلثوم مثلا. هناك معيار للعالمية لا علاقة له بالقيمة الفنية. لقد انتهى زمن هنري ماتيس وبابلو بيكاسو وجياكومتي وهنري مور ومودلياني وريتشارد سيرا. نحن الآن في زمن جيف كونز وتريسي أمين ودايمن هيرست وكلهم أبناء المدرسة التي تنادي بفن تحت السيطرة. ليس مسموحا لفنان أن يكون حرا في هذا الزمن الذي صار الرأسمأل سيده. لا مجال للمقارنة بين التمويل الذي حصلت شيرين نشأت عليه، وما يتم إنفاقه على معارض الألماني أنسلم كيفر. يعد كيفر اليوم أهم فنان في عصرنا غير أنه لا يدعو في فنه إلى التنديد بالسياسة الرأسمالية في الفن. وإذا ما كانت عالمية شيرين نشأت مرتبطة برهاب الإسلام، فإن انسلم كيفر، وهو فنان عظيم يمثل الرأسمالية في توحشها وهي تستولي على أكبر مساحة من المشهد الفني. لم يعد كيفر فنانا ألمانيا، بل هو فنان عالمي. ذلك ما يستحقه. لكن بأي ثمن وما هي الجهة المستفيدة من ذلك؟ قد لا يصلح نموذج كيفر للمقارنة.

حين خذل الفنان العربي شرط الحرية

أكثر من مئة وخمسين سنة هو عمر التجربة التشكيلية في العالم العربي. شهدت تلك التجربة عقودا من التألق، نتج عنها ظهور فنانين من طراز رفيع ينتمون إلى مختلف الأجيال والمدارس الفنية الغربية. غير أنها شهدت انتكاسات كثيرة، نتج عنها تراجع نوعي في المستوى، على الرغم من أن عدد ممارسي هذا الجنس الفني في تزايد مستمر كما هي الحال في العراق والكويت وليبيا واليمن، على سبيل المثال. تقف وراء ذلك التراجع أسباب كثيرة، منها ما هو على صلة بطبيعة الممارسة الفنية، كون القائمين عليها لم يحسموا موقفهم بشكل عملي من مفهوم أصالة العمل الفني الذي شهد تغيرا بنيويا في العالم، ومنها ما هو مرتبط بالمؤسسات التي تتكفل برعاية تلك الممارسة واستمرارها ككليات الفنون وإدارات الثقافة وصالات العرض الفني والمتاحف، وكلها قد تخلفت في أدائها ولم تراع في برامجها منهجا واضحا للارتقاء بوظيفتها الخدمية. كانت تلك المؤسسات قبل خمسين سنة أفضل حالا مما هي عليه اليوم.
سيُقال إن تراجع مستوى الممارسة الفنية هو جزء من الانهيار الذي شهدته الحياة العربية، حين تمحورت مضطرة على مشكلات، غادرها الإنسان الحديث منذ عقود. ذلك صحيح. ولكن هناك عددا لا يستهان به من الفنانين العرب يقيمون في الغرب وهم بحكم مقومات العيش اليومي، يتحركون خارج دائرة ذلك الانهيار، غير أن أداء الغالبية منهم لم يكن يتناسب مع شرط الحرية وهو عنوان نجاتهم. ألأنهم يقيمون في مكان في ما يفكرون بالطريقة نفسها يوم كانوا يقيمون في أوطانهم؟ أم أنهم لم يتفاعلوا مع شرط الحرية إلا باعتباره طوق نجاة ووسيلة حماية؟
لم تخدم تلك الثنائية سمعة الفنان العربي، أما حين تبنت جهات عربية مصطلح «الفن في الشرق الأوسط وشمال افريقيا» وهو مصطلح يُراد من خلاله القفز على مصطلح «العالم العربي» فإن الفنان العربي، رُكن جانبا بعد أن تم تبني مقولات منسقات المعارض الأجنبيات مثل كاترين ديفيد.

الفنان منسجما مع نفسه ومحيطه

يعتبر الرسام السوري الألماني مروان قصاب باشي (1938 ــ 2016) نموذجا استثنائيا للفنان الذي أدرك أن مقام إقامته هو المكان الذي ألهمه حضوره الفني، فكان منسجما مع ذاته ومحيطه في الوقت نفسه. رأيت لوحات لمروان في غاليري برلين باعتباره فنانا ألمانيا. وقد يكون مناسبا هنا التذكير بأن الألمانية ليزا التي تزوجت من الفنان العراقي إسماعيل فتاح الترك كانت في أسلوبها الفني قريبة من أسلوب مروان فهما من جيل واحد، وتجمع بينهما رؤى التعبيرية الألمانية الجديدة.
كان مروان استثنائيا لا لأن المؤسسة الفنية الغربية تبنته، بل لأنه عرف كيف يخترق تلك المؤسسة من خلال انسجامه مع تربيته الفنية الأصيلة. في المقابل فإن هناك المئات من الفنانين العرب ممَن يقيمون في الغرب يشعرون بأن المؤسسة الفنية الغربية تستبعدهم ولا تنظر إلى أعمالهم بشيء من التقدير لا لشيء إلا بسبب كونهم أجانب، حسب وجهة نظرهم. وهي وجهة نظر تحتمل الخطأ والصواب بالقوة نفسها.
هناك حقيقة ينبغي عدم نسيانها في ما يتعلق بالفن التشكيلي في العالم العربي. كل ما أنجزه الفنان العربي رسما ونحتا عبر الـ150 سنة الماضية لا يخرج عن تقاليد الرسم الأوروبي. ما يعني أن المؤسسة الفنية الغربية حين تغض الطرف، إلا ما ندر، عن تجارب الفنانين العرب فإنها تتخذ موقفا نقديا لا شبهة فيه. لقد احتفت المتاحف بأعمال المغربي أحمد الشرقاوي والسوداني إبراهيم صلحي والتونسي نجا المهداوي والجزائري رشيد القريشي واللبناني شفيق عبود، لأنهم أخلصوا لتجاربهم الشخصية من غير أن يرهقوا فنهم بهوية اختلافهم، ولكن ذلك الاحتفاء لا يعني أن تلك المؤسسة قد تبنتهم كما تفعل مع فنانين معاصرين، هم نتاج آلية عملها التي تهدف بشكل أساس إلى خلق قيم فنية جديدة. وهو ما يعني أن الفنان العربي ظل هامشيا، حتى إن ضمت المتاحف عملا أو عملين منه إلى مقتنياتها.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *