القاهرة ــ «القدس العربي»: تعد حكاية (شفيقة ومتولي) من أشهر الحكايات الشعبية المنتشرة في مصر، ولا تقتصر على بلاد الصعيد، حيث منشأ الحكاية، ولعل راويها الأشهر حفني أحمد حسن هو أفضل مَن سرد الحكاية سرداً درامياً دقيقاً. بعدها تم تناقل الحكاية وتقديمها من خلال عدة أشكال فنية، كمسلسل تلفزيوني، وإذاعي، ناهيك من عدة عروض مسرحية، ولعل التجربة البصرية الأشهر تمثلت في الفيلم السينمائي (شفيقة ومتولي) المأخوذ عن مسرحية بالاسم نفسه لشوقي عبد الحكيم، وصاغ السيناريو والحوار صلاح جاهين، وأخرجه علي بدرخان عام 1978.
مؤخراً تم تقديم العرض المسرحي (متولي وشفيقة) على مسرح الطليعة، العرض صياغة وإعداد محمد علي إبراهيم وإخراج أمير اليماني. ديكور محمد سعد، إضاءة إبراهيم الفرن، ملابس غادة شلبي، استعراضات أحمد مانو، وموسيقى أحمد نبيل. أداء.. محمد فريد، يسرا المنسي، منة اليماني، دلال حربي، أحمد عودة، تقى طارق، إسلام مصطفى، صلاح السيسي، عبد الله شوقي، جوزيف مجدي، وطارق هاشم.
الحكاية الأصلية
وقعت أحداث الحكاية الحقيقية في مدينة (جرجا) في محافظة سوهاج جنوب مصر، في منتصف القرن التاسع عشر، وتدور حول (شفيقة) وشقيقها (متولي) الذي هجر قريته عُنوة ليذهب إلى الجهادية ـ التجنيد ـ وعندما أصبحت شفيقة بمفردها، حيث والدها رجل مُسن، أغواها أحد شباب القرية نظراً لجمالها، لتحترف بعدها العمل في الدعارة في مدينة أسيوط. ويعلم متولي بالأمر، فيعود باحثاً عنها ويقتلها ويغسل عاره وعار رجال قريته بأكملها.
شفيقة الخمسينيات
هذه الحكاية الأصلية، التي تم تناقلها شفاهة بين عدة أجيال، حتى صاغها شعراً درامياً شاعر مجهول، وليأتي المطرب الشعبي الريّس حفني، ليُغنيها بعد قرن من الحادث نفسه، حوالي نهاية خمسينيات القرن العشرين، حتى أن الإذاعة المصرية قامت بتسجيلها وإذاعتها كثيراً، فأصبح يعرفها ويرددها ملايين المصريين. وهنا ينتصر حفني للبطل متولي، ويجعل من قتله لشقيقته تحقيقاً للعدالة، حتى إن المجتمع بأكمله يُشاركه ويُبارك فعلته، فبعد هذه الفِعلة يحكي الريّس حفني.. «وطَلَع البلكونة بسكينتُه.. يقول جرحي في قلبي سَكنتُه.. يا ناس وسعوا لي سكة انتوا.. لاقى الحكومة تحت البيت.. يقولون له: انزل وتعالى.. قال: انتوا حكومة البَر طاب ليكم.. وأنا من فوق ما أطُب ليكم.. الله لما جاني طبليكم.. على ما بلغنا في الحادث.. هاودوه وجابوله الطبل ونزل.. بعد ما تَلَف المنزل.. شال العار وكلام العزل.. يا متولي يا جرجاوي».
شفيقة السبعينيات
وإن كان الحِس البطولي والذكوري على أشدّه في منتصف الخمسينيات، وكما قيل كان حفني أحمد حسن نفسه من الفنانين المقربين من عبد الناصر ــ فحل البطولة وقتها ــ إلا أن الأمر انقلب تماماً في السبعينيات ــ وقت حُكم السادات ــ ليتحول متولي إلى قاتل وشفيقة مجرّد ضحية! فالبطولات الوهمية انتهت بهزيمة بشعة تجلت في 1967، وما العصر الجديد إلا عصر التحولات، الذي انتهى بمهادنة، أو مهانة بمعنى أدق أطلق عليها مبادرة السلام. فيقدم حفني الجزء الثاني من (شفيقة ومتولي) بعنوان «ليه نظلم شفيقة» وهو الجزء الذي لم تستطع ذاكرة المصريين حفظه وترديده بل محته من الذاكرة، فلم تستطع فرض ما يُنافي المنطق على الوعي الجمعي. هنا يتم تلفيق حكايات باهتة درامياً للقصة، حتى تصبح شفيقة ضحية، مع وجود زوجة أب تعذبها، وعاشق على خلاف مع شقيقها أغواها، وامرأة قوادة ساعدت بالحيلة بأن تسلك شفيقة طريق الخطيئة رغماً عنها ومن دون إرادتها!
فيقول حفني في البداية.. «عارف أساس الواقعة أنا.. وحكاية هروبها واجعانا.. كانت مظلومة وجعانة.. وليه نظلم شفيقة.. ليه نظلم شفيقة». بينما كان يبدأ حكايته الأولى قائلاً.. «دنيا دي غرورة أما تولي.. لو كان على قطب ومِية ولي.. واديني هتكلم عن متولي». هذا (الولي) ـ نسبة إلى أولياء الله الصالحين ــ يحلف به حفني في حكاية شفيقة المظلومة، فيقول.. «أنا أحلف بمية ولي.. والبيت اللي كان متوى لي.. شفيقة ظلمها متولي.. وليه نظلم شفيقة». ليس هذا فقط، بل يصبح الاحتفاء بمتولي بعد قتله لشقيقته وغسل عاره، هذا الاحتفاء الذي جاء من قِبل الجميع، والذي كان عدة أشهر قضاها متولي في سجن الوحدة العسكرية إكراماً لما فعله، يصبح في ما بعد جريمة نكراء شنعاء، فيقول حفني.. «قتلها لكن خد جزاته.. وليه نظلم شفيقة»!
شفيقة السينما المصرية
جسّدت سعاد حسني دور شفيقة في فيلم (شفيقة ومتولي)، بمشاركة أحمد زكي، محمود عبد العزيز، أحمد مظهر، جميل راتب، وعبد الوارث عسر. صاغ صلاح جاهين الحكاية، وقام بأداء صوتي كمعلق على الأحداث جاء بصورة فجة شارحة أكثر منها مُكملة للحدث، وحوّل الحكاية، أو قام بلي ذراعها بمعنى أدق، حتى يثقل العمل بما هو سياسي، بما أنه رجل شارك بموهبته في التهليل لعبد الناصر ونظامه، كما أن الفيلم من إخراج الأرستقراطي الثائر علي بدرخان، فأصبح الفساد السياسي هو سبب مأساة الغلبانة (شفيقة) وشقيقها المعتوه (متولي)، فالأحداث تدور في فترة حفر قناة السويس في عهد الخديوي سعيد. معركة آمنة من خلال التاريخ، وبالتالي يصبح كل من الفتاة وشقيقها ضحية للسلطة، سلطة الإقطاع والبشوات ــ مقابل بشوات الانفتاح ــ وطبعاً تصبح شفيقة هي مصر كعادة مثل هذه الأعمال الزاعقة، كنفحة من ذكريات ركام يوليو/تموز، أو الوهم الذي آمن به صُناع الفيلم وجيلهم القومجي التقدمي الوحدوي النكسجي.
شفيقة النسوية
كان لابد من هذه المقدمات حتى نصل إلى العرض المسرحي الموسوم بـ(متولي وشفيقة) لنرى كيف تتحول النصوص وفق سياق المطلوب منها أو هكذا يظن المتطوعون أصحابها ـ بغض النظر عن النص الأصلي أو الحكاية الأصلية ــ بداية البطولة هنا لـ(متولي) الذي يبدأ عنوان العرض باسمه، من دون الحكاية المعروفة. فهو الذي يُعاني من قتله لشقيقته، رغم أن المجتمع الجاهل الظالم هو الذي يجعل منه بطلاً! وهي فكرة لطيفة بالأساس، كان يمكنها أن تنجو بالعمل تماماً، إلا أن معالجتها أظهرت وجهة نظر صُناع العمل وإصرارهم التلقيني، فالصراع هنا بين الرجل والموروث، أو القيم الاجتماعية البالية، بديلاً عن السلطة السياسية ـ حسب أصحاب العرض ـ وأن سبب انحراف شفيقة يعود إلى تخلي شقيقها عنها وذهابه إلى الجيش أو الجهادية، فكيف يتركها وحيدة طيلة هذه الفترة، وكأن المحروس مثلاً كان غائباً في حرب الاستنزاف، وكأن مُبرر غياب الرجل عن البيت هو الانحراف الحتمي للمرأة، من دون إرادة منها، بمعنى الشيء لزوم الشيء. وبما أن أصحاب العرض من أنصار النسوية وما بعدها قاموا بتشويه الحكاية الأصلية، إلا أنهم جعلوا من متولي البائس جباناً، فبعد خروجه من السجن بعد قتله شقيقته، يتحدث فقط عن البحث عن الشاب الذي أغواها، من دون أن يفعل شيئاً، إذن هو الندم على فعل القتل، والبحث الخائب عن المُشارك في المأساة. وطوال العرض يحاول الجميع تبرئة شفيقة من فعلتها وأنها كانت ضحية حداثة سِنها وقلة خبرتها وحيلتها، بل وهجر أخيها لها، الذي كان بمثابة الأب، وهي أسباب واهية لا تخلق عملا دراميا، إلا إذا كان موجهاً، ولأصحابه فيه مآرب أخرى.
ومن ناحية أخرى جاءت الدعاية المفرطة والتهليل الغريب للعمل، بداية من المتابعات والمقالات الموصومة بالمقالات النقدية التنويرية، وصولاً إلى أن برنامجاً شهيراً استضاف ـ بالأمر ـ أصحاب العمل، لتصحيح صورة المرأة/البطلة المغدورة ومحاولة لإصلاح القيم الاجتماعية الفاسدة، والعقول المتحجرة الجاهلة، فلا وجود لقضايا الشرف، وأنها إرث من الماضي المتخلف، خاصة أن هناك قانون أسرة جديدا يتم الإعداد له وسط الكثير من الجدل والغضب في الشارع المصري.
اللافت.. أن هناك الكثير من العروض والأعمال الفنية الجيدة لا يعرفها إلا القِلة المهتمة فقط، ولا يتحدث عنها أحد، ولا يتم التهليل لها، لذا وإن حدث ذلك في مصر، فعليك أن تشك وأن تتحسس عقلك.
ومن وحي عرض (متولي وشفيقة) لا يحضرنا إلا مشهد من مسرحية (الهمجي) لمحمد صبحي ولينين الرملي، عن الرجل المتحضر المتنوّر على الآخر، الذي كان يشك في أن هناك علاقة بين مهندس وزوجته، حتى إنه قام بشراء مسدس ليثأر لكرامته، ولكن عندما تصرخ زوجته في وجهه موبخة، يقول في ذلة ومسكنة.. «فيه إيه تاني بس يا حبيبتي، ما أنا صاحبت الباشمهندس».