هل توظّف إسرائيل الورقة الأمازيغية لدعم الانفصال في المغرب؟


الأوراق المختلفة التي تصدرها مستودعات التفكير الأمريكية والإسرائيلية تعطي صورة عن موقع المسألة اللغوية والإثنية في السياسات الموجهة للقرار السياسي، فواشنطن وتل أبيب تعتبران الحقوق اللغوية والثقافية للأقليات بؤرة التوتر والتناقض التي ينبغي التحكم فيها للضغط على كثير من النظم لتحقيق مصالحها الاستراتيجية.
في المثال الأمازيغي، الذي يخترق شمال إفريقيا ومنطقة الساحل جنوب الصحراء، برزت أطروحات كثيرة، يحاول أصحابها أن يصوروا أنفسهم مختصين وخبراء أكاديميين في الشأن الأمازيغي من غير رهان سياسي، لكن كتبهم وأوراقهم البحثية التي نشرتها جامعات أو مستودعات تفكير تحتضنهم أو مجلات علمية، تتجاوز خلاصاتها المعطيات العلمية إلى تقديم توصيات إلى صناع القرار السياسي، وكيف ينبغي أن تكون سياساتهم تجاه المسألة الأمازيغية، وهي بالمناسبة توصيات صادمة ومخيفة.
يهمني بهذا الخصوص أطروحة الباحث الإسرائيلي ذي الخلفية الصهيونية، مادي بريس وايزمان، الأستاذ بجامعة تكساس الأمريكية والباحث الزميل بمعهد موشي دايان، الذي أنتج عشرات الأعمال حول المسألة الأمازيغية أشهرها: «هوية الحركة الأمازيغية تحديات دول شمال إفريقيا» سنة (2011) الذي حصل على جائزة كارل براون من قبل المعهد الأمريكي للدراسات المغاربية سنة 2013، وأصدر أيضا كتاب «قرن من السياسات العربية من الثورة العربية إلى الربيع العربي» سنة (2016) فضلا عن عشرات من المقالات المتخصصة في الشأن الأمازيغي، كثير منها خصصت للعلاقة بين الأمازيغ وإسرائيل.
والذي يعرف عن الرجل تردده على المغرب وإجراؤه لقاءات ومقابلات عديدة مع نشطاء الحركة الأمازيغية، سعى في كتبه إلى توثيق سرديتهم، والبناء عليها، لصياغة أطروحة أمازيغية يجعلها في خدمة السياسة الإسرائيلية على الخصوص، ويجعل منها خيارا لتبديد كثير من الصعوبات التي تجدها إسرائيل في دول المنطقة المغاربية على الخصوص، بل إنه يتعدى ذلك، ويستثمرها للتأسيس لأطروحة انفصالية خطيرة تهدد كيان الدولة المغربية وسيادتها.

 الأمر لا يتعلق فقط بتشجيع نزعات الانفصال وتهديد التساكن بين المكونات المتعايشة في المغرب، بل يتعلق برهان سياسي توسعي صهيوني

مناسبة الحديث عن هذه الأطروحة الخطيرة التي تهدد استحقاقاتها الأمن والاستقرار بالمغرب، أن عددا من نشطاء الحركة الأمازيغية، يعتبرون بريس مادي وايزمان مرجعا ملهما للحركة الأمازيغية، بل ويعتبرونه متحدثا أكاديميا يختصر تطلعاتهم، ويعفيهم من التعبير المكلف عن مواقفهم المضمرة.
تتمثل الأطروحة الأساسية للأستاذ في مركز موشي ديان أن الأمازيغ هم الورقة الرابحة في التطبيع مع إسرائيل وفي إبعاد المغرب عن محيطه العربي، وحجته في ذلك، أن الأصول التاريخية للمغرب أمازيغية، وأن العرب طارئون دخلاء، وأنهم هم الذين تسببوا في توريط المغرب في صراع مع إسرائيل، بسبب أنهم أضفوا على الدولة طابعا دينيا (إمارة المؤمنين) وبسبب أنهم مرتهنون لتاريخ من الصراع مع إسرائيل، ولذلك فأفضل طريقة يمكن أن تعتمدها السياسة الصهيونية في المنطقة المغاربية برمتها، وضمنها المغرب، هو أن تعزز أطروحة الأصل «الموري للمغرب»، والهوية الأمازيغية الحصرية له، والطابع العلماني للسياسة الأمازيغية عبر التاريخ، وطروء الدين الإسلامي على تاريخ المغرب (نموذج إمارة بورغواطة التي اختارت دينا آخر غير الإسلام، وقرآنا آخر غير قرآن المسلمين).
ولذلك، عند تعريفه لهوية الحركة الأمازيغية في كتابه المركزي، نص على أنها في تناقض مفصلي مع هوية الدولة، ومع هوية حركات الإسلام السياسي، وتوجد في حالة مشاكسة دائما لهما، ولم يخف في مقدمة كتابه عن هوية هذه الحركة، أن يشير إلى أنها تتطلع إلى قصة تحرر الأكراد، خاصة أكراد العراق، في رحلتهم الطويلة الممزوجة بالدمع والدم، من أجل الحصول على الحقوق اللغوية والثقافية والاستقلال الإداري، ونسطر على الاستقلال الإداري، ونص صراحة على أنهم يتقاطعون مع أحلام إقليمي كاتلانيا والباسك في إسبانيا، وهو ما يعني بكل وضوح، التأسيس لرهان سياسي للحركة الأمازيغية، يناقض هوية الدولة، وهوية كل التيارات التي تتقاطع معها كلا أو جزءا، والسعي في طريق تحقيق الانفصال أو على الأقل المطالبة بالحكم الذاتي.
وتذهب هذه الأطروحة أبعد من ذلك، فترى أن على إسرائيل بناء على خصائص الحركة الأمازيغية وهويتها وما توفره هذه الورقة المربحة من إمكانات أن تعيد النظر في مفهوم اليهودي، وتدخل البعد البربري في إعادة تعريفه. ففي مقال بحثي له بعنوان:» سردية الماضي في خدمة المستقبل: هوية الحركة الأمازيغية والعلاقات اليهودية» يقول بالحرف في أهم خلاصة في خاتمته: « أما بالنسبة لإسرائيل والعالم اليهودي على العموم، من الممكن الآن أن تبدأ في إدخال البعد البربري في المناقشات العامة حول من هو اليهودي».
هذه الخلاصة الخطيرة، التي تضاف إلى الخلاصات الأخرى، تخلق تحديا أمنيا بالنسبة إلى الوطن، فالأمر لا يتعلق فقط بتشجيع نزعات الانفصال والصدام مع الدولة، ونزع شرعيتها، وتهديد التساكن بين المكونات المتعايشة في المغرب، بل يتعلق برهان سياسي توسعي صهيوني، يقترح تجاوز كل الإكراهات الدينية التي تضبط بشكل صارم الانتماء اليهودي، من أجل إدخال المكون البربري ضمن تصنيف ما داخل الهوية الدينية لليهودي، وذلك ربما بهدف خلق ذريعة توسعية، يمكن في يوم من الأيام أن تزعم إسرائيل أن لها إرثا تاريخيا في المغرب، وأن عليها أن تستعيده، فتكون الحركة الأمازيغية التي يسعى بريس مادي وازيمان إلى تشكيلها وفقا لتخطيط مركز موشي ديان الأداة الفعالة لتحقيقه.
هذه الخلاصات تبين بوضوح حجم الأخطار والتحديات التي تتهدد وحدة المغرب، واستقراره، بل وتهدد أيضا تعايش مكوناته، وتستهدف خصوصيته الدينية لاسيما نظام إمارة المؤمنين، والمفارقة أن البعض يتعامل في التحديات الخطيرة بشكل انتقائي، فيحذر بشدة من الأجندة الإيرانية، وموجة التشيع التي تجتاح منطقة شمال إفريقيا، وهو ما ينبغي المضي في مواجهته إلى أبعد الحدود، بينما يستهين بالمخاطر والتحديات التي تكون واشنطن وتل أبيب أداة لإنتاجها، فخطر الانفصال والتقسيم هو التهديد الأكبر، ولا ينبغي من اليوم الاستهانة بمخاطر تحركات الحرة الأمازيغية المتطرفة في المنطقة.

٭ كاتب مغربي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *