بعد ثلاث سنوات من 7 أكتوبر، لم يعد يحيى السنوار موجوداً، ومثله حسن نصر الله، وانهار نظام بشار الأسد، وتعرضت إيران للهجوم في قلبها. الجيش الإسرائيلي يحوز أراضي في غزة ولبنان وسوريا، وتعرض كل من حزب الله وحماس لضربات كان صعباً تخيلها في صباح المذبحة.
ومع ذلك، فإن الحرب التي بدأت في ذاك الصباح لم تنته بعد؛ فحماس لم ينزع سلاحها، ولم يقم حكم آخر في غزة، والأعداء المتبقون يستخلصون الدروس– وبعد ثلاث سنوات من الإخفاق الأكبر في تاريخ الدولة، لم تشكل إسرائيل حتى لجنة تحقيق رسمية تحقق فيها. أثبتت بأنها تعرف كيف تغير ميزان القوى، لكنها لم تقرر أي واقع يفترض أن يبقى عندما تنتهي الحرب.
المنظمات والدول التي تعرضت لهذه الضربات نجت. إيران وحزب الله وحماس يعملون على ترميم قدراتهم. كما أن انعدام التنسيق في 7 أكتوبر تم تعلم درسه. السنوار فاجأ إسرائيل، بل وحتى بعضاً من شركائه، ومس بقدرتهم على تنفيذ هجوم مشترك. من ناحية المحور، فإن المفاجأة الهائلة التي حققتها حماس لم تستغل لهجوم منسق بكل القوة في عدة جبهات في الوقت نفسه. ليس لإسرائيل ما يدعوها لتفترض بأن مثل هذا الفشل سيكرر نفسه، إذا ما جاءت المرة التالية. هذه الحرس يدرسونها من على جانبي الحدود.
في غزة يمكن أن نرى جيداً ما الذي تغير وما الذي بقي على حاله. الجيش الإسرائيلي يستولي اليوم على نحو 64 في المئة من القطاع، يستخدم فيه فرقتين ونحو 30 استحكاماً. خطوط الدفاع تغيرت من الأساس.
حماس تعاني من نقص في الذخيرة، يصعب عليها تدريب رجالها وتفقد نشطاء وقادة. في الشهر الأخير فقط صفي، حسب مصادر الأمن، 70 ناشطاً وبينهم ثلاثية قادة الوية. من شرقي الخط الأصفر تقام قناة وكثبان رملية ضد المركبات وتنفذ حفريات للعثور على أنفاق تجتاز إلى أراضي إسرائيل.
حماس، رغم كل هذا، لا تزال هناك. هي تتحكم بأجزاء من القطاع وتدير نحو عشرات آلاف النشطاء. نحو 600 شاحنة تدخل إلى القطاع كل يوم. كل البضاعة تمر عبر كرم سالم وتفحصها إسرائيل، لكن بعد دخولها تسيطر عليها حماس، تنقلها إلى التجار وتجبي الضرائب. وهكذا تواصل جني المال حتى من المساعدات التي تدخل بإذن إسرائيلي.
يشدد جهاز الأمن على أن هذا المال لا يعيد حماس إلى وضعها العسكري عشية الحرب: نقص في السلاح، في المواد الخام وبالقدر على تدريب القوات يقيد تعاظمها. لكنه بالفعل يساعد المنظمة على الإبقاء على رجالها ومواصلة حكمها.
يبدو الدفاع عن الحدود اليوم مختلفاً تماماً عما كان في 7 أكتوبر. في الجانب الثاني منها، لم يبن بعد ترتيب يمنع حماس من إعادة النمو. ما لم توجد جهة أخرى قادرة على تحمل الصلاحيات المدنية وقوة الإنفاذ يمكن لإسرائيل أن تواصل إضعاف حماس، لكن ليس في ذلك ما يضمن أن يحتل أحد مكانها.
هذه الصعوبة ترافق أيضاً محاولة تجنيد دول في المنطقة لمستقبل غزة. فإعمار القطاع يستوجب جهازاً سلطوياً، جهة تتحمل المسؤولية وعنوان يفرض تجريد حماس من السلاح.
دون عنوان سلطوي ودون جهاز قادر على الوقوف في وجه حماس على مدى الزمن، فالإنجاز العسكري يتآكل. الفراغ في غزة ليس مفهوماً نظرياً. حماس لا تزال تجبي الضرائب، وتفعل عشرات آلاف الأشخاص وتحمل السلاح. حتى وهي ضعيفة أكثير بكثير مما كانت، فهي تبقى جهة سلطوية في الميدان. في مثل هذا الوضع، من الصعب جداً تنمية بديل لها.
زمن محدود
الحرب إياها التي غيرت ميزان القوى في المنطقة غيرت أيضاً مكانة إسرائيل في العالم. فقد خرجت من 7 أكتوبر كضحية المذبحة الأصعب في تاريخها، وبعد ثلاث سنوات من ذلك تجد نفسها في مواجهات حادة حتى بعد حلفاء قدامى. الأزمة الحالية مع بريطانيا حول قرار إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية شرقي القدس، والتهديد البريطاني لخطوات مضادة، مثال على ذلك. وبالتوازي، فإن الحرب ضد إيران جسدت لدول المنطقة عمق القدرة العسكرية الإسرائيلية.
ومع ذلك، فالثمن يبدو ملموساً في الداخل أيضاً. وعلى حد قول مصدر أمني رفيع المستوى، نجد أن معظم مقاتلي الاحتياط خدموا أكثر من 500 يوم احتياط منذ 7 أكتوبر. يقول جهاز الأمن إنه في 2027 ستكون حاجة لتقليص مدى الاحتياط وتقليل القوات في الأماكن التي يمكن عمل ذلك فيها. في الوقت نفسه، فإن أزمة تجنيد الحريديم بقيت مفتوحة. الحرب الطويلة في عدة ساحات تستند إلى جمهور الخادمين إياه، بينما صراع توسيع أساس الخدمة عالق.
الحرب إياها التي غيرت ميزان القوى في المنطقة غيرت أيضاً مكانة إسرائيل في العالم
كلما مر الوقت يتحول قانون التجنيد من مشكلة ائتلافية إلى مسألة تتعلق بالقدرة على تنفيذ مفهوم الأمن الجديد. فإذا كانت قاعدة الخادمين ليست كبيرة، فإن توسيع المهام يقع على كاهل رجال الاحتياط إياهم ويثبت في نهاية الأمر حداً عملياً لمدة الوقت الذي يمكن فيه الإبقاء على وجود عسكري واسع في بضع جبهات.
يميز الجمهور بين إنجازات في ميدان المعركة والنتيجة التي تحققت. في استطلاع خاص لمعهد بحوث الأمن القومي نشر في 25 أيلول 2026 قبيل الذكرى الثالثة للحرب وفحص مواقف الجمهور الإسرائيلي، تبين أن 27 في المئة فقط قدروا بأن إسرائيل انتصرت في الحرب بغزة. و61 في المئة أعربوا عن رضى من إدارة الجيش للحرب في غزة مقابل 34 في المئة فقط أعربوا عن رضاهم من إدارة الحكومة لها. 59 في المئة قدروا أو كانوا واثقين من أن حدثاً على طراز 7 أكتوبر قد يقع مرة أخرى في السنوات القريبة القادمة من حدود غزة.
المعطى الأخير صعب على نحو خاص: بعد ثلاث سنوات من القتال، لا تزال أغلبية الجمهور غير مقتنعة من أن الكارثة لا يمكن أن تتكرر، والفجوة بين 61 في المئة ممن هم راضون عن أداء الجيش وبين 27 في المئة يعتقدون أن إسرائيل انتصرت في غزة تدل على أن تقديراً إيجابياً لأداء الجيش لا يتماثل في نظر الجمهور وإحساس النظر في الحرب.
الجمهور ينتظر الدولة
بعد نحو ثلاثة أسابيع سيتوجه الجمهور إياه إلى صندوق الاقتراع. لأول مرة منذ المذبحة يمكنه أن يقدم لهذا الحساب تعبيراً سياسياً. سيعنى التصويت بالاقتصاد والدين والدولة، بالتجنيد وبهوية الحكومة التالية. لكن 7 أكتوبر يرافق الجميع. وهو حاضر في مسألة من هو المسؤول عما حصل، ومن أدار على نحو صائب السنوات التالية لذلك، ومن هو القادر على منع المرة التالية؟
يعود نتنياهو إلى الملعب الذي بنى عليه قسماً كبيراً من حياته السياسية – الأمن، إيران، الأعداء من الخارج وصورته كدرع إسرائيل. غير أن 7 أكتوبر هذه المرة موجود في وسط الملعب. خصومه، وعلى رأسهم غادي آيزنكوت يأتون مع خلفيتهم الأمنية، ويحاولون صرف الجدال من استخدام القوة إلى الدروس من الفشل الذي أدى إلى المذبحة.
غير أن الجمهور مطالب بالحسم حتى قبل أن تستكمل الدولة استيضاح الفشل. وهكذا يصل الائتلاف والمعارضة إلى الانتخابات وهما منقسمان حتى في مسألة من يحقق في الكارثة التي يفترض بالجمهور أن يحكم عليها. سيكون الناخب مطالباً بأن يقرر موقفه من مسألة المسؤولة حتى قبل أن تتشكل الهيئة التي يفترض بها أن تجمع المادة، وأن تستدعي أصحاب القرار وأن تبلور النتائج.
يفترض بلجنة التحقيق أن تفحص أيضاً كيف بقيت مفاهيم تجمدت دون أن ينجح أحد في التشكيك بها في الوقت المناسب. وبات الأمر ذا صلة، بخاصة أن إسرائيل بعد 7 أكتوبر بدلت بين ليلة وضحاها مفهوم الأمن بمفهوم آخر. الاحتواء والتسوية والردع أخلوا مكانهم للمبادرة والتصفيات والاستيلاء على الأرض ومنع تعاظم القوى.
الحرب نفسها أثبتت أن العدو يحتمل ضربة قاسية في القيادة والقوة وفي البنى التحتية، بل ويبقى ويحاول إعادة البناء. عندما يمنع وجود العدو إعلان النهاية، يصعب جداً إنهاء الحرب. إسرائيل ستكون مطالبة بمواصلة العمل ضد محاولات تعاظم القوة، لكن عليها أيضاً أن تعرف ما الذي يعتبر إنجازاً كافياً. من دون مثل هذا التعريف، كل قدرة متبقية لدى العدو تصبح سبباً لمواصلة الحرب، وكل محاولة من جانبه لإعادة البناء تعيدها إلى جولة أخرى.
الحرب نفسها أثبتت أن العدو يحتمل ضربة قاسية في القيادة والقوة وفي البنى التحتية، بل ويبقى ويحاول إعادة البناء
لقد تعرضت حماس وحزب الله لضربات قاسية. إيران هوجمت، وإسرائيل أثبتت في السنوات الثلاث الأخيرة قدرة عسكرية أساء أعداؤها تقديرها في 7 أكتوبر. بعد كل هذا، تعود المسؤولية لطاولة الحكومة. عليها أن تقرر أي واقع تريد أن تبقيه في غزة، أي تسوية إقليمية تسعى لتبنيها، وكم من الوقت يمكن مواصلة القتال دون تحديد نقطة نهاية.
يمكن للجيش الإسرائيلي أن يعرض بدائل، ويستولي على الأرض، ويحبط تعاظم القوة ويكسب الوقت. ماذا نفعل بالزمن الذي اكتسب وما الذي ينبغي أن يكون هناك عندما تتقلص القوات والقرارات التي لا يمكن للمستوى السياسي أن ينقلها إلى الجيش. يمكن حفظ الإنجازات لسنة أخرى بالقوة، ونبقى دون جواب على سؤال ما الذي يفترض أن يأتي بعدها. ففي الجانب الآخر، يستخلصون الدروس من سنوات الحرب الثلاث. أما في إسرائيل، عشية الانتخابات، فلم تحسم بعد حتى مسألة من سيحقق كيف بدأت.
آنا برسكي
معاريف 7/10/2026