أسفرت أشهر طويلة من المفاوضات بين الولايات المتحدة وحماس ودول الوساطة عن مسودة اتفاق، لكن لم يتم التوقيع على اتفاق نهائي حتى الآن. تثير البنود المنشورة من هذه التفاهمات صعوبة كبيرة تقتضي اجتماعاًإضافياً على الأقل من أجل صقلها، وقد يعقد هذا الأسبوع في مصر بمشاركة قطر وتركيا والولايات المتحدة، ومن المرجح ألا يكون هذا الاجتماع هو الأخير في هذه الجولة. بانتظار التوصل إلى حل متفق عليه سلسلة من العقبات، بما في ذلك الجدول الزمني للمراحل القادمة. تقتصر صلاحيات قوة الاستقرار الدولية حالياً على حراسة الخط الأصفر، وهو الخط الفاصل بين المناطق الخاضعة لسيطرة إسرائيل وحماس؛ وآليات فحص أفراد الشرطة الذين سيسمح لهم بالتعامل مع ما يعرف بـ “الأمن الداخلي”، فضلاً عن التدقيق في خلفية المسؤولين الذين سيوظفهم مجلس التكنوقراط الفلسطيني.
بعيداً عن القضايا العسكرية والإدارية المباشرة المتعلقة بنطاق الانسحاب الإسرائيلي في المرحلة الأولى، وطبيعة النشاطات العسكرية المسموح لإسرائيل بممارستها، والقيود المفروضة عليها، فاستمرار العملية تواجهه أسئلة محورية: الأول، هل سينفذ الاتفاق بالتزامن مع جمع سلاح حماس، أمأن الانسحاب الإسرائيلي لن يبدأ إلا بعد تفكيك السلاح؟ وفي هذا السياق، لم يتضح بعد معنى “التفكيك”. ثمة مسألة أخرى تتعلق بالخيارات المتاحة لإسرائيل في حالة انهيار الاتفاقات وعدم توقيع أي اتفاق.
من ناحية حماس، التي تتحدث عن إيداع السلاح وليس تفكيكه، فإن مجرد موافقتها على إيداع السلاح الثقيل (وليس السلاح الشخصي) لدى مجلس التكنوقراط الفلسطيني، لا يعتبر تنازلاً، بل خطوة تلزم إسرائيل بمنح حماس مكسباً سياسياً يتمثل برد فوري وموازن يشمل وقف الهجمات على غزة والانسحاب. يتعلق الأمر بالانسحاب إلى الخط الأصفر “الأصلي”، الذي يقلص مساحة سيطرة إسرائيل بحوالي 15 في المئة، ويضمن انسحاب إسرائيل تقريباً إلى الخط الأخضر، باستثناء مناطق سيتم الاتفاق عليها كمنطقة أمنية محدودة، وما زال نطاقها قيد نقاشات معقدة.
ووفقاً لحماس، فقد قدمت بالفعل تنازلات كبيرة مرتين: الأولى، عندما وافقت عن التنازل عن السيطرة الأمنية في قطاع غزة، والتعاون مع مجلس التكنوقراط، وهي خطوة تعني التعاون مع مجلس السلام برئاسة ترامب. وفي الثانية وافقت على مبدأ تسليم السلاح للقوة الفلسطينية التي ستحكم في قطاع غزة.
يعتبر هذا قراراً تاريخياً يمس جوهر وجود حماس، التي نصبت نفسها كحاملة لواء المقاومة المسلحة ضد إسرائيل، ورفضت باستمرار وبشكل منهجي طلبات محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، بالتخلي عن المقاومة المسلحة لتصبح جزءاً من م.ت.ف، واعتبرت نفسها جزءاً لا يتجزأ من “حلقة النار” التي أقامتها إيران، تقدم سلاحها للمرة الأولى كورقة ضغط في مفاوضات سياسية ستحدد مستقبل غزة ومصير الحركة. ولعل هذا القرار هو الأعمق أثراً في تاريخ الحركة. وإذا ما تم تنفيذه – يفضل التريث قبل تنفيذه – فقد يجبر الحركة على إعادة النظر في تعريف مهمتها وهويتها ومسارها السياسي.
في هذا السياق، من المهم أن يكون صاحب القرار هو خليل الحية، الذي فاز الشهر الماضي بفارق ضئيل بلغ صوتاً واحداً في انتخابات رئاسة المكتب السياسي لحماس، فأصبح الزعيم الفعلي للحركة. لطالما عرف الحية بانتمائه للتيار الموالي لإيران داخل الحركة، خلافاً لمنافسه وخصمه خالد مشعل، الذي سعى دائماً إلى إعادة الحركة إلى الحاشية العربية قاطعاًالعلاقات مع نظام الأسد في سوريا، ما تسبب بأزمة عميقة استمرت حوالي عقد في العلاقات بين إيران والحركة. كان الحية (64 سنة) سجيناً في السجون الإسرائيلية في التسعينيات، وتعرض لمحاولة اغتيال في وقت مبكر في العام 2007، ومرة أخرى في 2014. وفي السنة الماضية، نجا بأعجوبة من هجوم إسرائيلي على قطر، والآن يتخذ قراراً يتعارض مع موقف إيران.
ترى طهران التي تخوض معركة شاقة في لبنان والعراق ضد نية حكومتيهما تفكيك وكلائها في الدولتين، أن قرار حماس ثغرة خطيرة في جدار “وحدة الساحات”. وتعتقد طهران أنها ثغرة قد تعطي الحكومتين دفعة قوية وتؤثر على سلوك المليشيات الشيعية، التي أعلن بعضها بالفعل استعداداً لنزع سلاحها، الذي يلتزم بسياسة عدم نزع السلاح حتى مقابل انسحاب إسرائيل. ويربط حزب الله نزع سلاحه بـ “إجماع وطني” حول المفهوم الأمني اللبناني، بهدف إلزام لبنان بالاعتراف بهذا التنظيم كجزء لا يتجزأ منه.
هذا لا يعني أن إيران ستتوقف عن دعم حماس أو قطع علاقتها معها، حتى لو قالت إنها لم تنسق معها هجوم 7 أكتوبر. ولكن إذا كانت إيران، حتى اندلاع الحرب، تتمتع بوضع دولة قادرة على توجيه حركة حماس – بسبب علاقتها الوثيقة بالقيادة السياسية السابقة برئاسة إسماعيل هنية، واعتماد حركة الجهاد الإسلامي عليها كلياً في التمويل – فقد وجدت نفسها الآن في موقف جديد. تتولى قطر وتركيا ومصر إدارة ملف غزة مع الولايات المتحدة. في لبنان، تمكنت إيران من الحفاظ على “وحدة الساحات” لفترة من الزمن عندما اشترطت على المفاوضات مع الولايات المتحدة وقفاً كاملاً لإطلاق النار في لبنان، لكنها منيت بهزيمة دبلوماسية عندما صممت حكومة بيروت على التفاوض مع إسرائيل. أما في قطاع غزة، فقد تلاشت أدوات الضغط الإيرانية تقريباً. ومن المفارقات أن موقف إيران في المجالين سيعتمد الآن على كيفية تصرف إسرائيل وتنفيذها للاتفاقيات الموقعة، خاصة على كيفية تعامل ترامب معها. فغزة لم تعد ساحة معزولة، بل أصبحت جزءاً من الحملة الإقليمية ضد إيران، وهنا يكمن جوهر المعضلة التي تجبر إسرائيل على فحص الخيارات المتاحة أمامها. يبدو أن الافتراض السائد بأن حماس لن تلتزم ببنود الاتفاقيات ولن تنزع سلاحها يفضي إلى استنتاج يفيد بأنه لا مفر من تجدد القتال مع الحركة وتوسيع احتلال غزة. مع ذلك، مهم التذكير بأن المفسر المعتمد لهذه الاتفاقيات هو ترامب الذي يغلف عزمه على نزع سلاح حماس، مثلما فعل مع حزب الله، بمرونة واقعية.
وافق الرئيس على تفكيك السلاح بالتدريج، بدءاً بنقله إلى مجلس السلام، ولكنه لم يحدد حتى الآن وضع السلاح الشخصي لأعضاء حماس، وليسمعروفاً بعد كيف سيتعامل مع اعتراض إسرائيل على الانسحاب. من الأفضل الافتراض أنه، مثلما في تعامله مع إيران حتى الآن وفي العملية التي تجري في لبنان، لن يتسرع ترامب في السماح لإسرائيل باستئناف الحرب في غزة، ومن ثم تدمير ما يعتبره الآن “إنجازاً تاريخياً” آخر و”سلاماً” آخر حققه في المنطقة.
من المهم أيضاً إدراك أن ترامب قائد متمرس يعرف جيداً أن “أسلوب إسرائيل” الذي يعد بانتصارات عسكرية سريعة، لا يجدي نفعاً، وأنه في النهاية هو الذي سيجبر على إعادة ترتيب الأمور ووضع خطة عمل. إن إعطاء إسرائيل الإذن باستئناف القتال في غزة، ما يعني السيطرة على معظم القطاع وعلى حوالي 2 مليون غزي، لن يكون حينها قضية إنسانية فقط. وسيعود خطر الترانسفير ومعه العاصفة الإقليمية والدولية، بالتحديد في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة إيجاد مخرج من المأزق الإيراني.
تسفي برئيل
هآرتس 2/8/2026