واشنطن: على مدار عقود، انشغل الساسة والقادة العسكريون في أمريكا بكيفية إرغام قوى متوسطة الحجم، مثل كوبا وإيران، على الامتثال للمطالب الأمريكية، مثل التخلي عن برامج الأسلحة، أو إعادة فتح مضيق هرمز.
وبالنظر إلى عدم جدوى خوض حرب شاملة، اعتمد القادة، بشكل حتمي، على التصعيد التدريجي للقوة العسكرية، في محاولة ليدرك الخصوم أن تكلفة استمرارهم في التحدي تتزايد باطراد.
ويقول راي تقي، وهو باحث بارز وخبير في شؤون إيران والشرق الأوسط والسياسة الخارجية الأمريكية، بمجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، إن هذا المنطق “يبدو مقنعا… ولكن سجل التجارب يظهر إخفاقات متكررة. فمن فيتنام إلى إيران، لم تتعلم الإدارات الأمريكية المتعاقبة الدروس من أخطائها في التقدير. وكانت النتيجة في كثير من الأحيان حروبا لا تنتهي، وكوارث إنسانية”.
وأضاف تقي في تحليل نشره المجلس، أنه جرى خلال ستينات القرن الماضي، ولأول مرة، تطوير فكرة التصعيد التدريجي، من قبل وزير الدفاع الأمريكي آنذاك روبرت ماكنمارا، وفريقه المعروف باسم “العباقرة” في وزارة الدفاع (البنتاغون).
وكان كثير من أعضاء هذا الفريق يحملون شهادات دكتوراة وسجلات أكاديمية ومهنية لافتة، “لكنهم كانوا يفتقرون إلى قدر كبير من الحس السليم. وكانوا يعتقدون أن معايرة الضغط العسكري بدقة ستدفع فيتنام الشمالية إلى إدراك أن تكلفة الحرب تفوق الفوائد من ورائها، وبعد أن تثبت الولايات المتحدة تصميمها على المضي قدما، سوف تكون مستعدة للتفاوض، لكن شروط الاتفاق ستحددها واشنطن، وليس هانوي”.
وبحسب الباحث في كرسي “حسيب صباغ لدراسات الشرق الأوسط” في “مجلس العلاقات الخارجية” بواشنطن، تكمن مشكلة هذا النوع من النهج في أنه يقلل من قدرة الخصم على تحمل الضربات والتكيف مع الظروف المتغيرة. فحملات القصف تعزز عزيمة القادة، وغالبا ما تحشد السكان خلف قضية المقاومة. ويرد الخصم على التصعيد بتصعيد مماثل، ليطلق بذلك دورة متصاعدة تؤدي، على نحو تدريجي إلى توسيع نطاق الصراع.
وفي فيتنام، أدت هذه الاستراتيجية في نهاية المطاف إلى أن تلقي أمريكا قنابل على بلد تزيد مساحته قليلا على مساحة ولاية نيو مكسيكو، بكمية تفوق إجمالي ما ألقته في جميع حروبها السابقة مجتمعة، وكانت حصيلة الضحايا ضخمة، نحو ثلاثة ملايين فيتنامي.
ويؤكد تقي أنه لا يزال من غير الواضح تماما السبب وراء إطلاق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب على إيران في فبراير/شباط الماضي، ” فقد تغيرت تفسيرات الإدارة الأمريكية، كما تحركت الأهداف باستمرار. ويبدو أن حدثين وقعا في يناير/كانون الثاني الماضي أقنعا الرئيس بأنه يستطيع تحقيق نصر سهل في الشرق الأوسط”.
وأشار تقي إلى العملية الناجحة التي نفذتها قوات أمريكية في فنزويلا، والتي أطاحت بالرئيس نيكولاس مادورو، ثم جاءت الانتفاضة في إيران والتي “هزت أسس النظام”.
ولكن ذلك كان سوء تقدير لطبيعة السياسة الإيرانية، “إذ أثبتت الجمهورية الإسلامية من القسوة ما يكفي لاستعادة النظام، كما أن جذورها في المجتمع أعمق من جذور نظام حكم فاسد في أمريكا اللاتينية”.
وبدأت أمريكا، بمشاركة إسرائيل، الحرب على الجمهورية الإسلامية بقتل عشرات المسؤولين الإيرانيين، وبينهم المرشد الأعلى علي خامنئي، لكن النظام صمد، وحافظت النخبة متعددة المستويات في النظام الديني على سيطرتها.
ورأى النظام الذي أعاد تشكيل صفوفه أن “الصراع معركة حياة أو موت، فنقل المواجهة إلى منطقة الخليج، حيث ألحق أضرارا بالغة بحلفاء الولايات المتحدة وعطّل حركة الملاحة البحرية عبر الممرات المائية الحيوية”.
ووفقا للباحث والخبير البارز، “كان هذا مصدر النفوذ الذي لا غنى لإيران عنه: قدرتها على فرض تكاليف على الاقتصاد العالمي ودافعي الضرائب الأمريكيين على حد سواء”.
والسؤال هنا ليس “من الذي يستطيع التسبب في قدر أكبر من الألم، وإنما من هو مستعد لتحمل قدر أكبر منه. وفي مثل هذا الصراع بين الإرادات، يكون لدى من ينظرون إلى المعركة باعتبارها صراعا وجوديا حافز أكبر على تحمل الضربات من إمبراطورية بعيدة تخوض حربا اختيارية”.
ويرى تقي أن عدم القدرة على التنبؤ هو السمة المميزة لاستراتيجية ترامب، “إذ يجري إلغاء الحملات العسكرية مرارا ثم استئنافها سريعا”.
ولكن المنطق الذي لا يمكن كبحه للتصعيد التدريجي ظهر جليا عندما نشر ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي مؤخرا: “من الآن فصاعدا في كل مرة تطلق فيها الجمهورية الإسلامية الإيرانية النار على سفينة في مضيق هرمز، سواء كان ذلك بصاروخ أو طائرة مسيرة أو أي جهاز أو سلاح آخر، ستقوم الولايات المتحدة بقصف وتدمير جسر أو محطة توليد طاقة واحدة، بما في ذلك تلك الموجودة بجوار العاصمة طهران، أو داخلها”.
وبحسب التحليل، يعاني الشعب الإيراني بالفعل من انقطاعات في الكهرباء ونقص في الغذاء، فضلا عن معدلات تضخم وبطالة مرتفعة تعرقل الحياة اليومية. “ونظرا إلى حجم المخاطر، من المرجح أن ترد إيران على أي هجمات إضافية على أراضيها بضرب منشآت عسكرية أمريكية في أنحاء المنطقة، ما قد يؤدي إلى سقوط عدد كبير من الضحايا الأمريكيين”.
ومن شبه المؤكد أن مثل هذه الهجمات سوف تستدعي مزيدا من الرد الأمريكي، لتنطلق دورة من الضربات والضربات المضادة مع قائمة متزايدة باستمرار من الأهداف. وكلما طال أمد الحرب، زاد احتمال تلاشي التمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية. “وهكذا تتفاقم الأزمات الإنسانية- خطوة تلو الأخرى”.
وأشار تقي إلى أن الخليج ممر مائي دولي بالغ الأهمية للتجارة العالمية، ولا ينبغي أن تسمح إيران بتعطيل حركة الملاحة فيه، حيث “تمثل حرية الملاحة إحدى الركائز الأساسية للنظام الدولي القائم على القواعد. وينبغي على أمريكا أن تلجأ إلى الأمم المتحدة لطلب تفويض قوة متعددة الجنسيات مخصصة لضمان المرور الآمن لجميع السفن عبر الخليج”.
ويؤكد الخبير بمجلس العلاقات الخارجية أن ذلك سوف يشكل مهمة شاقة، في ظل تشكك إدارة ترامب في التحالفات والمؤسسات متعددة الأطراف. ومهما كانت العقوبات أو الإجراءات الدولية التي سيتم إقرارها، فإن عبء ضمان حرية الملاحة في الخليج سيقع، على نحو غير متناسب، على عاتق البحرية الأمريكية في المستقبل المنظور.
وفي ختام التحليل، يقول تقي “غالبا ما تفضي الحروب غير المحسوبة التي تُشن دون قدر كاف من التروي أو استشراف العواقب، إلى تداعيات تستمر فترة طويلة بعد خروج من أشعلوها من السلطة”، مشيرا إلى تحذير الدبلوماسي جورج بول للرئيس الأمريكي ليندون جونسون في عام 1964، عندما كان يعتزم توسيع الحرب في فيتنام، إذا قال له: “بمجرد أن نمتطي ظهر النمر، لا يمكننا أن نضمن اختيار المكان الذي سوف ننزل فيه عن ظهره.” واليوم، نعتلي بصورة عمياء ظهر نمر آخر.
(د ب أ)