هل تأخذ طهران تهديدات ترامب على محمل الجد هذه المرة فترى الثالثة “حرباً وجودية”؟


د. راز تسيمت

حتى لو صدّقنا تصريح ترامب الأخير بعدم مهاجمته إيران قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين الثاني، فمن الصعب ألا نشعر بأننا نقترب من جولة أخرى من القتال. ومن المشكوك فيه أن تُولي طهران مصداقية كبيرة لهذا التصريح: فقد جاءت هجمات حزيران 2025 وشباط 2026 في ظل رسائل مماثلة من البيت الأبيض بشأن التقدم المحرز في المفاوضات، إلى جانب التردد في دخول الحرب.

تواصل واشنطن تصوير فتح هرمز جزئياً على أنه نجاح. ومع ذلك، تشير الاستعدادات الأمريكية لهجوم آخر إلى وجود إدراك متزايد في واشنطن، ويبدو أيضاً في “القدس” [تل أبيب]، بأن الضغط الاقتصادي على إيران لا يضمن خضوعها للإملاءات الأمريكية، ولا انهيار الجمهورية الإسلامية. تدفع إيران ثمنًا اقتصاديًا باهظًا، لكن هذا لا يضمن قدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على الوضع الراهن على المدى الطويل. لا تزال إدارة ترامب تدفع ثمنًا سياسيًا باهظًا للحرب، وهو ما سينعكس على الأرجح في نتائج انتخابات التجديد النصفي. في الوقت نفسه، تتيح حملة فتح مضيق هرمز عودة صادرات النفط إلى حجم مماثل لما كان عليه قبل الحرب، لكن تأمين الملاحة يتطلب وجودًا عسكريًا مستمرًا ومكلفًا. علاوة على ذلك، يبقى انتعاش صادرات النفط عرضةً لهجمات إيران ووكلائها الإقليميين، الذين توسعت أنشطتهم في الأيام الأخيرة. في غضون ذلك، تتوالى تقارير مقلقة حول التقدم الإيراني في المجال النووي، بما في ذلك الجهود المبذولة لإعداد جبل “مكوش” [جبل الفأس] لتخصيب اليورانيوم مستقبلًا، وإعادة تأهيل المواقع التي هاجمتها إسرائيل سابقًا واستخدمتها إيران في مشاريعها التسليحية.

تواصل واشنطن تصوير فتح هرمز جزئياً على أنه نجاح. ومع ذلك، تشير الاستعدادات الأمريكية لهجوم آخر إلى وجود إدراك متزايد في واشنطن، ويبدو أيضاً في “القدس” [تل أبيب]، بأن الضغط الاقتصادي على إيران لا يضمن خضوعها

من جهة أخرى، الضغط على إيران لا يُترجم إلى استعداد لتقديم التنازلات المطلوبة منها؛ فقيادة طهران تُرسّخ مواقفها ولا تُبدي أي رغبة حقيقية في التنازل عنها. وهناك عدة أسباب رئيسية لذلك، أولها انعدام الثقة التام في إدارة ترامب. فالقيادة الإيرانية ترى أنها حتى لو وافقت على التنازلات بشأن مضيق هرمز والبرنامج النووي، فلن يضمن ذلك إنهاء الحرب نهائياً ولا الحصول على المكاسب الاقتصادية التي تطالب بها، المتمثلة في رفع الحصار البحري، ورفع العقوبات المفروضة على صادرات النفط، والإفراج عن أصولها المجمدة. ولذلك، تطالب إيران بضمانات ملموسة لإنهاء الحرب، والإفراج عن الأصول، ورفع الحصار كشرط لفتح مضيق هرمز، بل وأكثر من ذلك، مقابل أي تنازلات محتملة في الملف النووي.

ثانيًا، تعتقد طهران أنها لا تزال تملك اليد العليا في التنافس بين عتبة الألم الإيرانية وعتبة الألم الأمريكية والغربية. إيران صبورة، ومقتنعة بأن هذه الصفة لا تنطبق على ترامب، الذي لا يرغب في إبقاء الحرب في صميم الأجندة الأمريكية خلال النصف الثاني من ولايته. فضلاً عن ذلك، تحتفظ إيران بخيارات إضافية للتصعيد: تكثيف الهجمات في الخليج، وتوسيع نطاق الحرب عبر حلفائها في اليمن والعراق، وفي سيناريوهات متطرفة، تصعيد الهجمات المباشرة على القوات الأمريكية في المنطقة، وشن تحركات عسكرية مفاجئة ضد جيرانها، أو اتخاذ مبادرات خطيرة في المجال النووي. ترى طهران بالفعل في بعض التطورات التي شهدتها الأشهر الأخيرة، بما في ذلك اكتمال الانسحاب الأمريكي من العراق، وتقليص الوجود العسكري الأمريكي في بعض قواعد المنطقة، والتكلفة الاقتصادية المستمرة للقيود المفروضة على الملاحة في مضيق هرمز، إنجازات تخدم الاستراتيجية الإيرانية على المدى الطويل: ليس فقط لضمان بقاء النظام، بل أيضاً لتغيير النظام الإقليمي مع الاعتراف بمكانة إيران والعبء الذي يفرضه الوجود الأمريكي على دول المنطقة.

وهذا لا يعني أن القيادة تتجاهل الأزمة الاقتصادية؛ فقد أعرب مسؤولون إيرانيون كبار، بمن فيهم الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، عن قلقهما إزاء استمرار التدهور الاقتصادي. ومع ذلك، يرى النظام الإيراني أن اقتصاد البقاء، على سبيل المثال من خلال تحديث قيمة قسائم الشراء، ومحاولات محلية لزيادة الرقابة على ارتفاع أسعار السلع الأساسية لتخفيف الأثر على الفئات الأضعف، والاستمرار في استخدام احتياطيات النقد الأجنبي المتراكمة في السنوات الأخيرة، وإذا لزم الأمر اتخاذ تدابير تقشفية اقتصادية، ربما يمنح النظام وقتاً كافياً. وحتى لو تجددت الاحتجاجات، يعتقد النظام أن بإمكانه احتواءها كما فعل من قبل. وقد حذر مسؤولون إيرانيون كبار في الأسابيع الأخيرة من أن أي محاولة لتجديد الاحتجاجات ستُقابل بقمع وحشي لا هوادة فيه.

في نهاية المطاف، ينظر النظام الإيراني إلى المواجهة الحالية مع الولايات المتحدة على أنها تهديد وجودي. يجد كبار المسؤولين الإيرانيين في تهديدات المسؤولين الأمريكيين، وعلى رأسهم ترامب، بمحو الحضارة الإيرانية، تعزيزًا لوجهة نظرهم بأن الهدف النهائي للولايات المتحدة وإسرائيل لا يقتصر على إسقاط النظام، بل يشمل أيضاً انهيار الدولة الإيرانية، بل وحتى تقسيمها. في هذا الواقع، لا يضمن التنازل النجاة، بل قد يكشف نقاط ضعف يستغلها أعداء إيران لاحقًا. لذلك، لا يزال يُنظر إلى ثمن التسوية على أنه أعلى من ثمن المقاومة.

ومع مرور الوقت، يتضح أنه حتى لو اعتاد الطرفان على الوضع الراهن الجديد المتمثل في “لا حرب ولا سلام”، فلن يدوم طويلًا. فكلما زاد الضغط دون تحقيق النتيجة المرجوة، ازدادت رغبة الولايات المتحدة في استخدام القوة مجددًا، ورغبة إيران في التصعيد للخروج من المأزق. وحتى لو أدت الانتخابات الأمريكية إلى تأجيل اللحظة الحاسمة، فمن المشكوك فيه أن تُسفر عن حل. ثم سيعود السؤال ليُطرح مجدداً: هل ستُسهم جولة أخرى في تحقيق الأهداف الاستراتيجية التي لم تُحقق حتى بعد حملتين ضد إيران – وهما عرقلة مسارها نحو امتلاك الأسلحة النووية وزعزعة استقرار النظام إلى حد انهياره – أم أنها ستفتح فصلاً جديداً في حرب لا نهاية لها؟

 يديعوت أحرونوت 11/10/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *